نورهان إسماعيل تكتب: لا تبكوا على لبن لم يسكب بعد

آخر تحديث: الأربعاء 22 مايو 2013 - 11:45 م بتوقيت القاهرة

في فن النفاق، تجد العديد ممن يتفنون في إتقانه، ولكل منهم مدخله ومذهبه الذي يتبناه في رسم لوحة تشكيلية مكونة من سلاسل من كل آيات النفاق! ويوجد أيضا من يتقنون فن استغلال الآخر كي يتسلقون هم ويعلون عن طريق نفاقهم بمعسول الكلام كي يتمكنوا في النهاية للوصول لغايتهم.

 

في يوم من الأيام كانت جماعة الإخوان المسلمين بفضل التلميع الدائم للنظام السابق لهم هي أكبر الجهات المعارضة للنظام، ولكن في حقيقة الأمر لم تكن هي الأهم، ولكن في رأيي فقد كانوا فعلا يستخدمون كفزاعة بالرغم من عدم قوتهم كتلك التي أخذ مبارك وأعوانه يشكلونها لنا. وحتى إذا رجعنا للسبعينيات ومن قبلها ستعرف جيدا أن المعارض الحقيقي كان دائما "الاشتراكيين"، بل واستخدم الرئيس السادات الإخوان المسلمين بكفاءة كي يقضي على من هو أقوى منهم.

 

في القراءة الحقيقة للسياسة العالمية، مازالت أعتقد أن الحرب الباردة مازالت مستمرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في شكله الجديد "روسيا"، وهو في حقيقة الأمر الصراع بين عقيدتين وايديولجيتين الذي لن ينتهي أبدا. ومثلما فعل السادات، فإن الاسلاميين يستخدمون جيدا كأداة غير مباشرة في تلك الحروب، وظهر ذلك جليا في تسلق الإسلاميين على أكتاف صانعي الثورة الحقيقية في سوريا، حتى انتهى الأمر لفقد الثورة الثورية شكلها الحقيقي وتحولت إلى ميدان معركة بين كل من يملك سلاحا في مقابل مقتل أبرياء كان هدفهم الحقيقي هو العيش والتحرر من نظام فاسد.

 

أتذكر كل تلك المواقف التي ظهرت قبل الثورة حينما –فجأة- أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها ستنضم للجبهة الوطنية للتغيير لتجميع توقيعات تدعو للتغيير ورفض التوريث. ولكنني أتذكر أيضا كيف كانت الجماعة تنسحب حينما تحتد المطالب حتى تعلو وتطالب بإقالة مبارك ذاته أو حتى في تلميح من المعارضة لاتهام مبارك بشكل مباشر، كيف كانوا يتبرأون من هذا القول أو الفعل، كيف كانوا يرفضون إهانة الرئيس الذي أكدوا أنهم يرونه كالأب حتى أثناء الثمانية عشر يوما من الثورة!

 

ولكن لو فكرت جيدا ستكتشف أنهم كانوا ينوون منذ ذلك الوقت في استغلال الآخر كي يتسلقون، ليس من باب الوحدة أو الاقتناع بالأهداف ولكن من أجل أن يصلوا هم، والدليل على ذلك أنهم أول من تركوا الميدان ليجروا وراء الصفقات مع نائب الرئيس حينذاك عمر سليمان.

 

ولكن، دعونا لا نبكي على اللبن المسكوب كثيرا، فهناك لبن جديد قد يسكب إن لم نتوخَ الحذر، فهناك من يريد ركوب الموجة الجديدة في بدايتها كي يثبت وجوده تماما كما أثبتت جماعة الإخوان المسلمين وجودها في الثورة المصرية؛ ففكرة حملة تمرد لتجميع التوقيعات لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي قد كانت تقوم في حد ذاتها كحل جديد للخروج من أزمة التشرذم الثوري، بل وقد أخذت منحنى جدي في تجميع توقيعات تتزايد أعدادها في كل ثانية.

 

تقوم حملة تمرد كي تسحب الثقة من الرئيس وتعجل بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ولكن بدأت المؤشرات الأولية لظهور حالة ركوب الموجة الجديدة، فقد حان التوقيت المحلي لراكبي موج جدد كي ينافقوا بكلام معسول في خطوات أولية للتسلق على أكتاف مؤسسي الحملة الحقيقيين، كي يظهروا بمظهر المؤسسين، إن لم يكن الداعيين، لتمرد قادم أو ثورة مستقبلية كما هو مفهوم من جوهر الحركة.

 

ومثلما كانت الأصابع -ليست الأصابع التي يشير إليها الرئيس مرسي- تشير إلى بعضها البعض، متهمة بعضها بأنها طابور خامس أو عملاء متخفيين من أجل إفشال حملة توقيعات الجمعية الوطنية للتغيير، بدأت الأصابع -قد تكون نفس الأصابع التي يشير إليها الرئيس مرسي- تقوم بدورها الحقيقي في اختراق حركة تمرد.

 

ومن الروايات المنتشرة هناك نوعين من الاختراقات، وكلاهما في حقيقة الأمر يناقض الآخر، فيتهم بعضهم حركة 6 ابريل وأحمد ماهر في شخصه بالرغم من المعرفة السابقة لموقف الحركة المعارض دائما (حتى لو كانوا من عاصري الليمون فلم يكن هناك بديلا آخر حينذاك)، وهناك من يتهم المرشح السابق للرئاسة عبد المنعم أبو الفتوح (المنشق عن الجماعة)، والبعض الآخر الذي يتهم المرشح السابق للرئاسة ورئيس الوزراء الأسبق، ووزير الطيران المدني الأسبق المفضل لدى نظام مبارك أحمد شفيق، بالإضافة لبعض الشخصيات السياسية والقانونية المشهورة التي تحسب علي نظام مبارك، أو في رواية أخرى "الفلول".

 

وبين كل تلك الاتهامات، ترى جماعة الإخوان المسلمين تلك الحالة المثالية كي تتهم كل من وقع أو شارك في الحملة بالعمالة والتخوين وحتى وصف الحركة بالبدعة من قبل أحد القيادات! بل وحتى في استدراج حركة تمرد لكمين أن يدخل معها أي من القيادات المعادية للثورة، حتى يشار إلى أن حركة تمرد قد تكون نوع من أنواع الثورة المضادة!

 

ما أعرفه جيدا أن هذه هي الفرصة الكبيرة لكل من يحلم بركوب موجة ثورية جديدة، ولكن ما أعرفه جيدا أيضا أنه منذ انتخابات الرئاسة السابقة التي انتهت بفوز الرئيس مرسي بأن هناك من يميل إلى المبالغة في تمجيد كلا من المرشحين الذين قد وصلا إلى الجولة الثانية، وكأنهما معشوقي الجماهير، متناسين تماما أن كلاهما تم انتخابه عندا في الآخر! إذن فلابد لنا أن نعترف ونتوخى الحذر من فكرة أن يكون الكلام المعسول هو بداية جديدة لسرقة فكرة جديدة من أفكار المد الثوري في مقابل التسلق على مجهود شباب جدد مثل هؤلاء الشباب الذين ضحوا بأنفسهم في الثورة.

 

 وفي حقيقة الأمر فإن كل ما حدث في العام الماضي كان فرصة ذهبية لأي شخص كان يريد أن يظهر في صورة البطل المغوار سواء كان في الحكم أو من لم يصل إليه، ولكن من الواضح أنه يوجد من أضاع فرصته ومازال يضيعها بسبب عناده والتمسك بأفكار جماعته، الأمر الذي كان طريقا ممهدا لأخر قد يستغل ذلك لصالحه بالرغم من معرفته الضمنية بأنه لم يقدم الكثير، بل وحتى بأنه سيكون راكب الموجة الجديد.

 

لقد فشل الثوار في توحيد الصف كثيرا أمام الاختراقات والصفقات خلال أكثر من عامين، ولكن لن ننسى نحن من هم المعارضة الحقيقية التي سارت على نهجها خلال أكثر من عامين دون الرجوع يوما أو التنحي جانبا. سنتذكر كل من وقفوا مع الحق أينما كان، سواء كان من حزب الكنبة أو ثائر حقيقي رأي في لحظة أنه كان بين اختيار صعب، فاختار من اختاره أو حتى لم يختار على الإطلاق. فنحن نرفض الظلم، ولذلك فإننا نشجبه ليس كرها في شخص بذاته، أو كرها لجماعة أو حزب بعينه، بل نلفظ الظلم من أي جهة مهما كانت.

 

لا داعي لتكرار كلمات رددها مبارك عن التقليل بشأن المعارضة، فلا داعي للاستخفاف بقوة شعب غاضب من زيادة الأسعار أو عدم القصاص، أو حتى من غضب الشعب من فكرة اقتطاع جزء من أرضه أو اختطاف أحد من أفراد جيشه. لا داعي للمبالغة في تمجيد شخص مهما كان من هو، و لا داعي لاتهام العمالة والتخوين لمجرد استخدامنا الحق الطبيعي في التظاهر السلمي، ولكن يجب علينا أيضا أن نتوخى الحذر من سرقة مجهودنا مرة أخرى، فإننا لن ندع من يأخذ مجهودنا على الجاهز لتلميع ذاته وإنجازاته وأمجاده، بل سنقف وقفة الوحوش أمام أي شخص قد يستغل المعارضة مرة أخرى لكي يقفز هو بدلا من أصحاب المعارضة الحقيقية.

 

التحرير لم يكن يوما مجرد " كيلو واحد فقط يسبب المشاكل" كما قال من نسي أن الميدان هو من أعطاه الحق في الحلم بأن يكون وزيرا أو حتى رئيسا للوزاء أو رئيسا للجمهورية. التحرير هو رمز للمعارضة الحقيقية التي لن تتوان لحظة في أن تقف أمام الظالم أيا كان، ولن تتوان في حق مواطن قد أضاعه من هم في السلطة.

 

 لن نبكِ على جنود مازالوا احياء، في مقدورنا أن نستردهم بعد تخطيط مناسب لكيفية الوصول إليهم ومعاقبة كل من أذنب، فإننا لن نتهاون في أي تقصير من الدولة في استرجاع أبناء هذا الوطن سالمين، ولن نرضَ بأي ظلم قد ينال أهل سيناء غير المشاركين في الاعتداءات الإرهابية، فلا يجب أن نكرر خطأ قد وقع فيه أبناء الوطن في بورسعيد في معاقبة جزء من مصر!

لا تبكوا.. ولا تسمحوا لباقي اللبن أن يسكب، فلن نسامح أنفسنا أبدا إن يوما قد سكب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved