محمد صلاح البدري يكتب: ثقافة الشحاتين
آخر تحديث: الجمعة 24 مايو 2013 - 1:05 ص بتوقيت القاهرة
اعتدت عند زيارة أي بلد جديد أن أحاول الاقتراب من ثقافتهم وعاداتهم لأتعرف أكثر على فكرهم وحياتهم اليومية، وكانت زيارتي لإسبانيا مميزة في الواقع، فقد سمحت لي الظروف أن أتجول في أكثر من ثلاث مدن إسبانية في مدة قصيرة لأتعرف على أشهر العادات والأكلات الشعبية.
من أشهر الأكلات الشعبية في إسبانيا أكلة تعرف بالإسباني "بائية" وهي تحريف للكلمة العربية "بقية" وقصة هذه التسمية طريفة بعض الشيء.. حيث يقول الإسبان أنفسهم إنه أثناء حكم الخليفة المنصور، أحد أقوى خلفاء دولة الأندلس، وبعد دخوله إلى الجزء الشمالي الشرقي الملاصق لفرنسا والذي يعرف الآن بإقليم كاتالونيا، ذهب إلى قصره مجموعة من فقراء الإسبان يسألونه طعاما، فأرسل إليهم الخدم ببواقي الطعام الذي لديه من أرز ولحم وخضار، كلهم في طبق واحد كبير، فأكله الإسبان فأعجبوا بطعمه كثيرا وسألوا الخدم.. ما هذا؟ رد عليهم الخدم أنه "بقية" الطعام، فظهر اسم الأكلة "بقية".
أيضاً من أشهر الأكلات الإسبانية أكلة تدعى "تاباس"، وهي أيضاً تحريف للكلمة العربية "طبق"، وهي عبارة عن كمية صغيرة من أي نوع من الطعام توضع في منتصف المائدة ويأكل منها الجميع من صحن واحد، وهي امتداد لفكر التجمع حول طعام قليل لأكله سويا.
الواقع أن هذه الأكلات إنما تعكس ثقافة هذا الشعب الذي عانى من الفقر عقودا وقرونا طويلة واعتمد في طعامه على بواقي الطعام أو الكميات القليلة من الطعام.. و هو فكر تسولي واضح.. يعكس مستوى الفقر الذي كان فيه هذا الشعب قبل الفتح الإسلامي.
وعلى الرغم من أن معظم الأماكن السياحية والأثرية بإسبانيا يغلب عليها الطابع الإسلامي في المعمار وكثير من الإسبان أنفسهم يعترفون بأن الحضارة الإسلامية قد أثرت فيهم كثيرا.. إلا أن العديد منهم يعتبرون أن الدولة الإسلامية في الأندلس كانت احتلال! وأنهم عاشوا محتلين من قبل العرب ثمانية قرون كاملة.. يؤكد ذلك المناهج الدراسية التي لا تتطرق إلى تاريخ هذه الفترة بالتفصيل وإنما تذكرها كفترة مصمتة.. مما يستدعي بالفعل إعادة عرض تاريخنا وحضارتنا عليهم.. وتصحيح هذه الأفكار المغلوطة في ذهن هذه الأجيال الجديدة.
المشكلة الأكبر أن هذه الأجيال لم ترى من العرب ما يجعلهم يعيدون النظر في المغالطات التاريخية التي يزعمونها في مدارسهم.. فللأسف أن سمعة العرب هنا ليست جيدة على الإطلاق.. فهم إما من بلاد المغرب العربي الذين يأتون إلى إسبانيا للعمل في كل الأعمال الوضيعة وكثير منهم يعمل في أعمال منافية للقانون.. أو أثرياء البترول الذين يأتون للسياحة ويبعثرون الأموال بغير حساب في الأماكن السياحية.. و كلاهما صورة سيئة عن العرب.
إن العرب بحاجة إلى إعادة تشكيل صورتهم أمام العالم كله.. فلدينا من الكفاءات والعقول ما يجعلنا نسود العالم بالفعل، أو حتى على الأقل نقف جنبا إلى جنب في مصاف الدول الكبرى، خاصة الديموقراطية منها. حيث تأثرت كثيرا بالفعل حين سألني أحد الأطباء الإسبان عن الأحوال السياسية المصرية وعن أعمال العنف فأجبته كاذبا أننا نسير للأمام نحو الديموقراطية الصحيحة ولكننا نحتاج إلى مزيد من الوقت.. فكان رده علي ساخرا أنه لن تتقدم دولة أبدا ولديها على كرسي الحكم سلطة فاشية تميز فصيل عن الآخر، وأن أفضل تقدم يمكن أن نحلم به هو أن نكرر تجربة هتلر في ألمانيا، الذي جاء أيضاً إلى الحكم بانتخابات ديموقراطية.. ودمر ألمانيا ومعها نصف العالم قبل أن يذهب!