محمد جمال ماضى يكتب: هل ستطير حمامة السلام؟
آخر تحديث: الخميس 26 يناير 2012 - 11:07 ص بتوقيت القاهرة
إهداء لدكتور السلام/ محمد البرادعى
-إن الفقر وما ينتج عنه من فقدان الأمل يمثل "أرضا خصبة" للجريمة المنظمة والحروب الأهلية والإرهاب والتطرف، منذ صغرى وأنا شاب تربيت بلا فخر على يد أعظم أب وأفضل أم، تعلمت منهم العطاء والتضحية والانحياز للحق مهما كان الثمن، من نضالهم عرفت الحرية ومن صمودهم لمست العدل، طوال عمرى كنت أرى حلما لمصر، أن يعيش كل مواطنيها فى سلام وأمان يجمعهم الحب والوطنية.
ولأن أبى كان مناضلا ضد النظام السابق، فكنت دائما فى حيرة وغضب، مما يناله من ظلم واضطهاد فى عمله أو اعتقاله، وفى التضييق عليه، ومررت بسنين عذاب لم أراه فيها إلا صامدا وقويا متحملا كل درجات الافتراء والبغض الذى كان يحمله النظام السابق لأى مواطن شريف أى كان.
تعلمت ان الانسان يمكنه أن يعيش فى وطنه مظلوما و مقهورا مطالبا بحقه فى حياة كريمة مؤمنا بقضية لا يعود نفعها عليه وحده، بل أنها تعود بالنفع والخير على كل أبناء الوطن، تحملت أيام كثيرة فى سن صغير، كان أبى فى اعتقاله السياسى تحت حكم عسكرى لمدة تزيد عما تعتقدون، كنت أعيش لفترة يتيم الأب، أبى موجود فى الحياة ولكن الفساد يأبى أن يعطينى حقى فيه، ولدت بداخلى نظرة للمجتمع ظللت أبحث عمن يحملها ويفهمها ويحاول تحقيقها.
لا أنكر أننى كنت أحمل نار حقد وبغض على النظام لما يفعله فى أبى، وكنت أحاول جاهدا أن اخرج ما بداخلى فى وقفات ومظاهرات ومقالات وحتى فى الذهاب إلى المحكمة والعراك مع الضباط والعسكر الذين كانوا يقلصون حتى رؤيتى لأبى، فكان لدى احتياجا له، ولم يتركونى لحظة أشعر بالإشباع منه لاحتياجى.
وقفت مع نفسى لحظات.. نعم كانت لحظات.. فكرت لما يعيش المجتمع كله فى وادى، يخدع بالمظاهر ويسلم بالواقع وهناك قلة تحارب من أجل قضية، هى قضيتنا جميعا وظللت أبحث عن تعريف لهذه القضية، أحربهم مع النظام لأنه يوقف مصالحهم، أحربهم مع النظام ضد الفقر والجوع والظلم، أحربهم مع النظام من أجل تحقيق مبادئ إنسانية عالمية يستحقها كل مواطن ليعيش حياة بسيطة وشريفة.
لن أطول فى حكايتى فكثيرين غيرى عاشوها ومر عليها أناس كثيرين منهم من فهمها ومنهم من تغاضى ضميره عنها وأكمل فى مسيرة حياته لا يهمه غير أن يعيش ليعيش، ووسط كل هذه الباكورات من الظلم والفساد واليأس والاستسلام، حاولت الاستنتاج واجتهدت، وعلمت أن ما ابحث عنه هو السلام الحقيقى.
السلام الحقيقى ليس هو سلام الأمم المتحدة ولا سلام إسرائيل ولا أمريكا ولا سلام السادات ولا مبارك، السلام يعنى أن تشعر بالأمان فى حياتك فى أى مكان وفى أى زمان، السلام يعنى أن لا وجود للفقر والجوع حيث وجد الإنسان، السلام يعنى العدل والتعاون والحب وتمنى الخير للجميع مهما كان مكانك وطبيعتك وعملك.
نظرت حولى أقارن ما زعمت لنفسى أننى اكتشفته، بواقع الحال فى العالم، فلم أجد إلا أن الظلم يعم الزمان حولى والحرب الدمار تنتشر فى أنحاء الأرض، أقلب بعينى بين الحين والحين، لعلى أجد سعادة أو هناء، لم أر غير الموت والحقد والبغض، رأيت دماء تسيل بلا حق ولا ثمن، نساء ترمل وأمهات تثكل وأطفال يقتلون بلا ذنب وعجوز قد سبقها الزمن لتموت فى غدر رصاص سياسة لا تحمل للإنسان إلا البؤس والظلم والقتل والعذاب.
أنظر لفلسطين أو ضرب العراق أو محاربة الإرهاب بأسم السلام فى أفغانستان، أنظر فى التاريخ للشيشان ومذابح الإنسان، انظر للهند وباكستان وانظر اليوم فى كل مكان، انظر لوطنى حيث الشريف يقتل والقاتل معروف يحكم بأسم السلام، أمم متحدة على الحرب، وأقوام مذبوحة بأسم السلام، والأصل في الحروب البحث عن الإرهاب، والبشر يضحكون كالسكارى والنيام.
في هذا الزمان أصبح العدو هو السلام، وأصحاب الحنان، في وجهم نورالأمان وفى قلوبهم حقد متزايد بغيض حتى على الإنسان، فى وسط كل هذه المعارك البشرية بين دول العالم كله، بل بين أخوة وطن واحد يتقاتلون بلا هدف، ورجال بشنب لا يستطيعون أن يطعموا أولادهم خبزا متحجرا على الأقل، ظهرت حمامة السلام..
حمامة السلام التى اطلت علينا فى عام 2005 وتتبرع بجائزتها التى تستحقها لدور رعاية الأيتام فى مصر ففى نظرة جديدة لأمل قريب فى أن مصر وطنها تفهم معنى السلام فى رعاية الأيتام، لم تعلم أن تبرعه بجائزة لدور الأيتام فى مصر لن تصل إلى الأيتام، فهناك عابث فاسد حاكم ينهب كل رعاية وحب وتبرع لهم، بل أننى أشك فى أنه السبب فى أنهم أيتام.
حمامة السلام رأيتها تحمل غصن الزيتون وتشجب الموقف الأمريكى الصارخ لمحاربة العراق فى دعوى وجود أسلحة نووية هناك، وقفت الحمامة لتصرح بأنه لـم يعثر حتى الآن على أي أنشطة نووية مشبوهة في العراق، وبل رأيتها يوم غزو العراق الظالم، الذى قتل فيه رجل من أكمل رجال العرب، رأيتها تقول على يوم الغزو: أنه "أبأس يوم في حياته"، حاول الرجل بقلبه حمامة السلام أن يقف ضد الحرب التى صنعت لا لتحارب الإرهاب بل لتحارب الإنسانية والسلام، أعلنت ضده من يومها دول عديدة تتبع سياسة صهيونية قذرة، أنها تحاربه وتقف ضده وتحاول الإيقاع به دائما.
حمامة السلام رأيتها تقف ضد الحرب بلا عنوان وعلقت على من اتهموها بالتخاذل فى أخذ موقف ضد نووى إيران حين قال الرجل الذى يحملها: "لا نريد أن تكون حجة إضافية لبعض 'المجانين الجدد' الذين يريدون أن يقولوا هيا بنا نقصف إيران"، كان رجلا شهما يقول الحق أمام دول العالم أجمع، كنت اتمنى أن يأتى إلى بلاده ويقف أمام حاكمها الظالم ويؤازر حق المناضلين ومنهم حق أبى الذى ظلم فى وطنه، ليقول كلماته التى لم يستطع غيره ممن كانوا فى مكانته إلا أن يسجدوا للفساد والظلم والاضطهاد.
فرحت جدا عندما أعلن نيته لترشح ضد المخلوع مبارك، فى وقت نامت فيه عيون ويأست فيه قلوب واغتصبت فيه أرض وطن، كان البرادعى قادما حاملا وشاح السلام لكل المصريين، طالب بتغيير فى الدستور وفى حق كل مواطن فى التعبير عن رأيه، أعطى لمصر قبلة الحياة التى خرج منها شباب الحق يصنعون ثورة.
رفض بكل ضراوة واستبسال أن يشارك فى قتل حلم لملايين من الشباب المصريين، بل نزل معهم ومعه شرفاء الوطن وشاركهم فى الميدان ثورتهم، فقالها بكل حب لوطنه وأبناء بلده: "نظام يقمع دعوة سلمية نحو الحرية والعدل والكرامة لكل مصرى هو نظام هش.. شارك اليوم إذا أردت أن يصبح الحلم حقيقة"، قالها وهو لا يعلم أن المصرى قد أصبح هشا كالنظام، قالها وهو لا يعرف أن كل مصرى تناسى عن قضيته من أجل طعام لحظات يملئ البطون ويتركها فارغة لسنين.
حارب الطوارئ والظلم ووقف بجانب كل القوى السياسية الوطنية المعارضة للنظام المخلوع وسياسته الصهيونية التى غزت بلادنا فى كل شئ، زرع فينا الأمل، حين رأيناه يقف بجانبنا ويساند قضيتنا ويشعر بالفقر والذل والجوع، بحق العمال فى أن يكونوا بشر.
واشتدت حمى الثورة على الجميع، فخرجت الفئران من جحورها تتكلم عن ثورة لم تصنعها، وفى سرها تحمى نظام قد خلعه شعب حر، فهم لعبتهم الدنيئة وحاول أن يذكرنا ألف مرة، ونادى بالتغيير والسلمية حين قال: "الديمقراطية هى جوهر برنامج التغيير ومدخلنا الوحيد نحو حياة حرة كريمة".
وفى لحظة تاريخية، أعلن انسحابه من انتخابات مزيفة لرئاسة، ليعلن بذلك مشاركته إيانا فى يوم 25 يناير القادم كمواطن يبحث عن الحرية والعدل فى بلد ضاعت فيه أقل حقوق الإنسان إلا وهى حقوق الطفل.
فى لحظة يسجلها التاريخ ويكتب فيها شهداء مصريين عن حقيقة واقع مرير ما زلنا نعيش فيه، أتضامن مع هذا الرجل فى موقفه وأتفهمه وأناشده.. بأن يظل معنا كما عودنا، فنحن من قال عليهم: "معجب بالشباب المصري.. فهم يتمتعون بذكاء وحيوية ورغبة في مستقبل أفضل.. معهم سيصبح الحلم حقيقة".
مازال الحلم موجود، مازال الأمل فى الغد أن يكون أفضل من اليوم بكثير، سننتظر بجانبك وبجانب كل مصرى شريف أن يشرق فجر يبزغ على التاريخ، أن فى مصر شباب تعلموا الدرس، واجتهدوا ليحققوا حق كل مواطن يعيش على أرض الوطن.
وأتساؤل فى النهاية: هل ستطير حمامة السلام؟؟
حمامة السلام.. التى أتت من بعيد.. فكانت حلما.. حلم به كل ساعى للتغيير، كل محب للحرية، كل من يفهم ماهية الإنسان.. نطالبكم بالعدل والسلام..
وشكرا يا حمامة السلام.. فأننى حين انظر لما تعلمته من سيادتكم ورأيته فى كلمات عنايتكم..
أعلم أن الواقع مهما كان مر.. فلن يموت الحلم.. مادام هناك أمل.. متمثلا فى دم يجرى فى عروقنا.. فى حب نحمله لوطننا.. فى رؤية للتغيير والتقدم والرخاء.
فهل ستطير حمامة السلام.. أم ستختفى شياطين العسكر