محمد فؤاد يكتب: العثمانيون الجدد

آخر تحديث: الخميس 28 مارس 2013 - 12:50 م بتوقيت القاهرة

 في وسط الأحداث المتلاحقة يجب على المرء أن يتوقف عن متابعة أدق التفاصيل ليراقب الخطوط العريضة للمشهد. ‫  ‫المشهد المصري صار ملئ بالتفاصيل بصورة أفقدتنا القدرة على إستيعاب مغزى الأحداث ورؤية الصورة بأكملها. لقد صرنا محاصرين بردود الأفعال التي تفرز مشاهد غاية في التعقيد. وطبعا لا نستطيع أن نقاوم ولعنا بهذه التفاصيل، والتندر بها والجلوس معلقين بشاشات التلفاز و مواقع التواصل الإجتماعي.

 

‫ما نراه هو دولة فقدت السيطرة على مجريات الأمور بل وفقدت السيطرة على تصرفات شعبها. فصارت حكومتها تملك ولا تحكم، تمتلك الشرعية ولا تستطيع التنفيذ، تستطيع الوصول إلى سدة الحكم ولا تستطيع أن تبسط سطوتها على مقدرات الأمور. ‫والسؤال الذي يشغل بال الكثير من الناس هو: إلى متي تستطيع جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الإستمرار في الحكم بهذه الطريقة؟  ‫للإجابة على هذا السؤال، ربما يستوجب أن نبحث عن أمثلة مشابهة في التاريخ. ‫‫لقد دامت الإمبراطورية العثمانية قرابة ٦٢٣ عام قضت منها ٤٦٩ في حالة من الركود والإنحدار حتى أطلق عليها نيكولاس الأول قيصر روسيا لقب "إمبراطورية الرجل المريض".

 

وفي خلال القرون الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية تجرأت عليها كل دول الجوار و غاصت في المشاكل الإقتصادية بل ولجأت للإقتراض حتى قضي أمرها تماما بحلول الحرب العالمية الأولى. ‫  ‫لقد حولت جماعة الإخوان المسلمين مصر إلى دولة تغوص في المشاكل الإجتماعية والأمنية والإقتصادية بل وتتبع سياسات خارجية متخبطة. قد يهب البعض مدافعاً بحجة أن هذا من جراء أعوام من الفساد والإفساد أو أنها مؤامرات من صنع "الفلول". لكن تبقى حقيقة واحدة وأزلية وهي أن المسئولية عند من لديه المسئولية.

 

إن التعلل والتبرير لا ينفي من الواقع شئ. أننا نغوص رويدا رويدا في غياهب الجب على يد طبقة حاكمة إحترفت كيفية الوصول إلى الحكم دون أدنى فكرة عن تطبيقه. ‫‫والأسباب الحقيقية لهذا الموقف لا ترجع بشكل أساسي إلى "التركة الثقيلة" التي ورثها الإخوان المسلمون أو "جبهة الخراب" وغيرها من التبريرات. السبب هو أن التنظيم والحفاظ عليه كان الشغل الشاغل للإخوان طوال قرن مضى. لقد إستعدوا ببراعة لبسط سيطرة شعبية تكفل لهم الوصول للحكم دون مشروع مكتمل سوى أهداف عريضة تبدأ من الفرد المسلم وتنتهي بأستاذية العالم. ‫  ‫

 

للأسف تلك أفكار لا تحتوي على أليات تنفيذ واضحة. حتى أن مشروع النهضة الذي تم تسويقه كحل سحري أثناء الإنتخابات الرئاسية لم يتعدى كونه بروباجندا إعلامية. ونجح الرئيس وتحول مشروع النهضة و"طائره الحزين" إلى مزحة يومية يتندر بها شعب مازال يداوي همومه بخفة دمه كما كان يفعل من مئات السنين.

 

العثمانيون الجدد سيستطيعون الإستمرار في الحكم لأن تصميم دولتهم الجديدة قائم على كيفية الوصول إليه. ولكن إن لم يتم تعديل المسار بشكل سريع بإتجاه فكر مستنير يقدم حلولاً حقيقية سيكون سقوط العثمانيون الجدد مؤلماً وشديد البطء. 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved