«ملتقى الإبداع» في معرض الكتاب يسلط الضوء على «فنار» نعيم صبري
آخر تحديث: الأحد 1 فبراير 2026 - 12:49 ص بتوقيت القاهرة
مي فهمي
استضافت قاعة «ملتقى الإبداع»، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة رواية «الفنار» للروائي والشاعر نعيم صبري، أدارها الروائي فؤاد مرسي، وشارك في مناقشتها كل من الناقدة اعتدال عثمان، والكاتبة والشاعرة الدكتورة عزة بدر.
في مستهل الندوة، قال الروائي فؤاد مرسي إن رواية «الفنار» عمل خادع بذكاء، يمكن قراءته على مستويين؛ الأول حكاية تقليدية عن الصداقة والخيانة ومصير الشخصية الخائنة، أما المستوى الثاني فيكشف رواية فلسفية من الدرجة الأولى، تطرح سؤالًا جوهريًا، هل يمكن أن يكون الإيمان اختيارًا كما يمكن أن يكون الضلال اختيارًا؟
وأضاف «مرسي» أن الغلاف نفسه يحمل دلالة خادعة، إذ يقدم فنارًا تحيط به السحب وتتفجر الزهور من حوله، في إيحاء بالوعد والطمأنينة، بينما تكشف الرواية رحلة بحث شاقة عن الضوء وسط العتمة.
وأشار إلى أن الرواية تبني عالمها بعيدًا عن الحدث المباشر، معتمدة على الانتظار والترقب بوصفهما آليتين سرديتين، حيث لا يكون الانتظار انتظار حدث، بل انتظار لحظة كشف ووضوح، معتبرا أن قوة النص تكمن في مساحاته التأملية، وقدرته على إنتاج دلالات متجددة.
ورأت الناقدة اعتدال عثمان أن مناقشة «الفنار» تفتح الباب لفهم المشروع الإبداعي المتكامل للكاتب الكبير نعيم صبري، بوصفه يمتلك مسيرة طويلة في الأدب والمسرح، استطاع من خلالها تسليط الضوء على الواقع المصري والإنساني في آنٍ واحد.
وأضافت: «نعيم صبري لا يراهن على قارئ عابر، بل على عالم سردي ممتد، لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة، لتتوزع أسئلة الهوية والعزلة والزمن والمكان في أعماله»، مشيرة إلى أن روايته «شبرا»، الصادرة في عام 2000، تُعد من أبرز محطاته الإبداعية، لما قدمته من صورة لفضاء مصري متسامح ومتعدد الثقافات.
وأعتبرت أن «الفنار» تمثل مرحلة أكثر نضجًا وتأملًا في مسيرة الكاتب، مع اعتمادها على رؤية سردية رمزية، تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها مُحمَلة بدلالات عميقة، وتقوم على 3 محاور أساسية: المكان وتأثيره في الوعي، والزمن بتداخله بين الماضي والحاضر والذاكرة، والذات الباحثة عن نقطة ضوء في عالم معتم.
وواصلت: «الفنار في الرواية يتحول إلى استعارة مركزية، رمز للحماية والعزلة معًا، بينما النص مفتوح على قراءات متعددة، ويضيء حالة إنسانية عامة من التمزق والبحث عن المعنى».
أما الكاتبة والشاعرة الدكتورة عزة بدر فقالت إن رواية «الفنار» تفتح بابًا واسعًا لما هو مُبَاح ومسكوت عنه، خاصة فيما يتعلق ببناء الشخصيات، وعلاقاتها الإنسانية المعقدة.
وأضافت: «الكاتب قدم شخصيات من لحم ودم، غير مُدانة بشكل مباشر، لكنها مكشوفة في هشاشتها الإنسانية، وعلى رأسها شخصية (سميرة)، المرأة التي سعت إلى تحقيق حلم الأمومة بأي طريق، متجاوزة القوانين والأعراف، دون أن تتخلى عن رغبتها في الحفاظ على كيان الأسرة».
وأعتبرت أن «سميرة» تمثل نموذجًا إنسانيًا شديد التعقيد؛ فهي امرأة حققت أمومتها، لكنها في الوقت نفسه دفعت ثمنًا نفسيًا وأخلاقيًا باهظًا، بينما ظل الرجل «صلاح» مُحَاطًا بمساحة واسعة من الصمت.
وتساءلت: «هل سامح (صلاح) زوجته؟ وهل وصل إلى درجة من التسامح الإنساني جعلته يقبل بتربية أبناء لا يعلم يقينًا إن كانوا أبناءه أم لا»، مشيرة إلى أن «فرحته بالطفل، وخوفه ودهشته، تكشف شخصية مترددة لكنها إنسانية، قادرة على الاحتواء رغم الشك».
وتوقفت الدكتورة عزة بدر أيضا عند شخصية «كمال»، وهو شخصية ممزقة بين التعليم والطموح من جهة، والوضع الاجتماعي القاسي من جهة أخرى، بوصفه ابن بواب حصل على تعليم جامعي، لكنه ظل عالقًا بين عالمين لا ينتمي بالكامل لأي منهما.
ورأت أن «كمال» لم يستطع اتخاذ قرار حاسم في لحظات مصيرية، فخسر ذاته وأبوته معًا، وأصبح الخوف هو المحرك الأساسي لسلوكه، مؤكدة أن الخوف هو العدو الأول للتجربة الإنسانية في الرواية.
وبينت أن الرواية تستخدم الماء كفضاء رمزي، حيث تتحول إلى ما يشبه «سفينة ماء تائهة» في بحر الحياة، لا تغرق عمدًا ولا تصل إلى شاطئ آمن، بل تظل معلقة في حالة انتظار دائم، ويمثل الفنار هنا إشارة خاطفة للضوء، لا تمنح الخلاص الكامل، لكنها تفتح أفقًا للتساؤل والوعي.
وأضافت أن الكاتب بنى مشاهد شديدة الرمزية، مثل «مملكة الماء» وأحلام اليقظة، والاعتراف الاجتماعي الذي يسعى إليه «كمال» عبر علاقاته، خاصة مع «نادية» التي تجسد «عروس البحر»، حين يصبح الجسد أحيانًا وسيلة للهروب من الذات، لا لتحقيق الخلاص.
وواصلت: «نعيم صبري ينجح في تقديم مفارقات إنسانية حادة، تعكس تمزق الإنسان بين العام والخاص، وبين الثقافة والواقع الاجتماعي، بينما الفنار يطرح سؤالًا وجوديًا جوهريًا على بطل الرواية: ماذا فعلت لتكون أبًا؟».
وأكدت أن «الفنار» رواية إنسانية بامتياز، تضيء مناطق العتمة في النفس البشرية، وتطرح أسئلة المساواة والمعاناة والهوية، تاركة القارئ شريكًا في بناء المعنى، ومشاركًا في اكتشاف ضوء الفنار داخل وعيه هو.
واختتمت بقولها: «هناك جهد كبير في اللغة، خاصة فيما يتعلق بالعامية القريبة من الفصحى.. لقد استمتعت متعة كبيرة بهذه الرواية».
وعقّب الروائي فؤاد مرسي بقوله: «الدكتورة عزة بدر وضعت النقاط على المسكوت عنه، وسلطت الضوء على جوهر الرواية، خاصة في قراءتها لشخصية (سميرة)، المرأة التي حملت من صديق زوجها، وأنكرت الفعل سعيًا لتحقيق غريزة الأمومة بأي وسيلة».
ورأى أن الرواية تشبه سفينة تائهة، لم تسقط عمدًا، بل ظلت معلقة في بحر الأسئلة، بينما يلقي عنوانها «الفنار» بإشارات خاطفة للضوء دون أن يمنح يقين الخلاص.
وأضاف: «شخصية (كمال)، ابن البواب، تقف في منطقة وسطى قاسية؛ فلا هو قادر على الصعود إلى عالم (نادية) المنتمي إلى الطبقة الأعلى، ولا يستطيع العودة إلى موقعه الاجتماعي الأول، في حالة من السحق الطبقي الكامل. لم يجد ملاذًا حتى في ما يمكن تسميته بـ(الانتقام الجنسي)، إذ سعى إلى الانتقام من صديقه عبر زوجته، دون أن يحقق ذلك أي خلاص حقيقي».
وواصل: «شخصيات الرواية تحتمل العديد من التأويلات، وكل قراءة للنص مشروعة ومفتوحة، وهو ما يمنحها «ثراءّ وقدرة على الاستمرار والتجدد في وعي القارئ».
بدوره، قال الكاتب نعيم صبري إن مفتتح الرواية في القصيدة، يمثل الحلم لبطل ما يعيش حياة معذبة، له قدر من الثقافه والوضوح، بما يوضح حجم المعاناة والمأساة في المجتمع، وأحلام القهر في نهاية العمل.
وأضاف «صبري»: «الفنار يمثل ضميره الشخصي، مع معاناته من ضلالات الفصام، مثل القطة التي كان ينظر إليها ويشعر بالخوف منها، وأحلام اليقظة، وعمله على بناء عالم خيالي».
وواصل: «القصيدة تعبر عن الحلم والمثالية حتى وإن كانت مطعمة بطبيعة الحياة، وحتى لو كانت مليئة بالألم، وذلك يدل على طبيعة الحياة»، مشيراً إلى أن الجزء الخاص بالقصيدة يشير للحلم والتمني.
وفي ختام الندوة، قال فؤاد مرسي:«نحن أمام رواية لافتة، يمكن أن تُقرأ على أكثر من مستوى، توضح ماهية الكتابة».