هل تتجه العلاقات الأمريكية-الهندية نحو صدام الحضارات؟

آخر تحديث: الإثنين 1 يونيو 2026 - 10:54 ص بتوقيت القاهرة

واشنطن - (د ب أ)

شهد مسار العلاقات الأمريكية الهندية في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تتجاوز الخلافات التقليدية حول التجارة والأمن والجغرافيا السياسية. فمع تنامي النزعات القومية والثقافية في البلدين، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن ونيودلهي تواجه تحديات أعمق مرتبطة باختلاف القيم والرؤى المجتمعية، بما قد يفتح الباب أمام ما يشبه "صدام الحضارات" داخل واحدة من أهم العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.

هذا ما أكده أمبوج ساهو، باحث الدكتوراه المتخصص في السياسة الخارجية الهندية بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست.

ويقول ساهو إنه غالبا ما ينظر إلى تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والهند في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية من خلال عدسات الخلافات التجارية، أو التحولات في المواقف الأمريكية تجاه الصين وباكستان، أو تراجع أولوية منطقة المحيطين الهندي والهادئ في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. لكنه يقول إن هناك عاملا خفيا يتمثل في التوترات الثقافية المتنامية التي باتت تشكل الخطاب السياسي في البلدين. فخطوط الصدع بين الولايات المتحدة والهند لم تعد تقتصر على أدوات السياسة التقليدية، بل امتدت إلى قضايا الدين والهوية.

وفي 23 مايو، استهل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو زيارة استمرت أربعة أيام إلى الهند بجولة في المقر الرئيسي لجمعية "مرسلات المحبة" في كولكاتا، وهي مؤسسة كاثوليكية أسستها الأم تيريزا. وتتهم جماعات قومية هندوسية الجمعية بإعطاء الأولوية للتحول الديني على حساب خدمة الفقراء. وقبل ذلك بيومين، نشر النائب الجمهوري كريس سميث عن ولاية نيوجيرسي مقالا رأى فيه أن التشريعات الهندية المنظمة لأصول المنظمات التي تتلقى تمويلا أجنبيا قد تلحق "ضررا طويل الأمد" بالعلاقات الثنائية. ومن اللافت أن جمعية الأم تيريزا كانت موضع تدقيق بموجب هذا التشريع.

ويرى ساهو أنه منذ فترة، عززت تطورات داخل الهند الانطباعات بوجود تدخل أمريكي في الشؤون الداخلية للبلاد، من خلال نقطتين.

أولا، واصلت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية تصنيف الهند باعتبارها "دولة مثيرة لقلق خاص" فيما يتعلق بالحرية الدينية، وهو توصيف ترفضه نيودلهي وتعتبره منحازا وذا دوافع سياسية.

ثانيا، جرى التطرق إلى المخاوف المتعلقة بشبكات مقرها الولايات المتحدة يعتقد أنها تعمل ضد الهند داخل البرلمان الهندي وعلى لسان رئيس الوزراء نفسه خلال عام 2024.

كما أسهمت العمليات السرية والجدل المرتبط بالأجهزة الاستخباراتية في البلدين في تعميق حالة انعدام الثقة. فقد أثارت قضية المخطط المزعوم لاغتيال جورباتوانت سينج بانون، وهو مواطن أمريكي وناشط انفصالي من حركة خالستان، والمتهم فيه مواطن هندي يعتقد أن له صلات بالاستخبارات الهندية (وهي اتهامات تنفيها الحكومة الهندية)، إلى جانب اعتقال المتعاقد العسكري الأمريكي الخاص ماثيو فان دايك في كولكاتا بتهمة تسهيل عمليات عبور غير قانونية للحدود، مزيدا من الشكوك المتبادلة. وفي ظل نشاط الجاليات الداعمة للانفصال السيخي في ولاية البنجاب، وأعمال العنف العرقي بين الهندوس والمسيحيين في ولاية مانيبور، تبدو الصورة وكأن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والهندية منخرطة في عمليات تخريبية على أراضي كل منهما.

وعلى الجانب الآخر، يعتقد كثيرون في الولايات المتحدة أن الهنود استغلوا ثغرات في نظام الهجرة لإبعاد الأمريكيين عن الوظائف ذات الأجور المرتفعة. ففي الشهر الماضي، قدم النائب الجمهوري إيلي كرين عن ولاية أريزونا مشروع قانون يقترح تعليق إصدار تأشيرات "إتش 1 بي" لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب إصلاحات من شأنها استبعاد عدد كبير من الموظفين الهنود العاملين في الولايات المتحدة، وسط اتهامات بأن الهنود استغلوا نظام هذه التأشيرات بصورة غير عادلة. وتجلت الإحباطات الاقتصادية في مظاهر ثقافية عدائية، من بينها استهداف الأمريكيين من أصول هندية في جرائم كراهية، والتنمر على مسؤولين حكوميين من أصول هندية، وتصاعد المشاعر المناهضة للهند على منصات التواصل الاجتماعي مثل "إكس".

ومع تصاعد المخاوف الاجتماعية والثقافية لدى الجانبين، برز توافق نادر بين الحزبين السياسيين، ولكن في الاتجاه المعاكس. فباستثناء عدد محدود من جماعات الضغط التابعة للجاليات، يصعب العثور على قاعدة سياسية مؤثرة تدافع باستمرار عن تعزيز العلاقات الأمريكية-الهندية. وعبر مختلف التيارات السياسية في البلدين، تتزايد النظرة المتشائمة تجاه الطرف الآخر بصورة مطردة.

فبالنسبة لليبراليين في الولايات المتحدة، أصبحت الهند شريكا ديمقراطيا يصعب التعامل معه بسبب ما يعتبرونه اعتداءات من رئيس الوزراء ناريندرا مودي على الحرية الدينية والمؤسسات الديمقراطية. أما اليمين المؤيد لشعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، فينظر إلى المهاجرين الهنود باعتبارهم مستفيدين من نظام هجرة معيب أدى إلى إقصاء العمال الأمريكيين عن وظائف ذات أجور مرتفعة. كما يرى المحافظون المسيحيون في كثير من الأحيان أن معتقدات الأمريكيين الهندوس لا تتوافق مع القيم المسيحية.

في المقابل، يرى القوميون الهندوس أن عدم التسامح الديني لدى اليمين المسيحي، إلى جانب القيم التقدمية التي يتبناها اليسار الأمريكي، يشكلان بيئة خصبة للتدخل في الشؤون الداخلية للهند من خلال الأنشطة التبشيرية وشبكات المجتمع المدني العالمية على التوالي. أما الليبراليون في الهند، فينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة إمبريالية والمقوض الرئيسي للنظام الدولي القائم على القواعد. كما توصل أنصار "الاستقلال الاستراتيجي" في السياسة الخارجية الهندية إلى قناعة بأن واشنطن لا تنظر إلى الهند كشريك متكافئ. وفي الوقت نفسه، يعتقد صقور السياسة في نيودلهي أن الولايات المتحدة لا تزال غير مرتاحة لصعود الهند، وهو تصور يتأثر جزئيا بتجربة واشنطن السابقة مع الصين.

وكان عالم السياسة صامويل هنتنجتون قد جادل في أطروحته الشهيرة "صدام الحضارات" بأن المصدر الرئيسي للصراعات في مرحلة ما بعد الحرب الباردة سيكون ثقافيا. وصنف هنتنجتون الهند باعتبارها "حضارة متأرجحة"، قادرة على الاصطفاف مع الغرب أو مع قوى أخرى تبعا لمصالحها الاستراتيجية. ورغم انتماء البلدين إلى حضارتين مختلفتين، فإن احتمالات الصراع بينهما كانت ستظل محدودة ما دامت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تتفوق على الخلافات الثقافية.

غير أن منتقدي أطروحة "صدام الحضارات" يرون أنها تتعامل مع الحضارات باعتبارها كيانات متجانسة، وتقلل من أهمية العوامل الاقتصادية والاستراتيجية، كما لا تمنح التفاعل بين الحضارات والسياسات الداخلية في عالم معولم ما يستحقه من اهتمام. وعلى مدى معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، لم تفسر هذه الأطروحة العلاقات الأمريكية-الهندية، إذ كانت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المتكاملة تربط البلدين. لكن الاتجاهات الحالية تشير إلى أن العوامل التي حدت من صلاحية هذه النظرية في تفسير العلاقات بين البلدين بدأت تضعف تدريجيا.

أولا، يبدو أن الهند تتجه نحو هوية حضارية هندوسية أكثر تماسكا، في حين تكافح الولايات المتحدة لاستيعاب الهندوس داخل التيارات الاجتماعية الجديدة التي تتشكل فيها.

ثانيا، تراجعت قوة الأسس الجيوسياسية والاقتصادية للشراكة بين البلدين، بينما تظهر الأولويات الاستراتيجية مؤشرات واضحة على التباعد.

ثالثا، أصبحت التفاعلات بين الهندوس والمسيحيين في كل من الولايات المتحدة والهند أكثر تصادمية مقارنة بالماضي.

ويقول ساهو إنه على المدى القريب، من غير المرجح أن يتراجع توجه الهند نحو القومية الهندوسية. فالهند الأكثر تماسكا ثقافيا ستصبح أكثر حساسية تجاه قضايا الدين والسيادة والتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية. وفي الوقت ذاته، تواجه الأسس الاقتصادية للعلاقة ضغوطا متزايدة. ففي ظل إدارة ترامب الثانية، لا يبدو أن هناك رغبة كبيرة في استعادة التوافق السابق بشأن الهجرة والتجارة الحرة.

ويختم ساهو بأنه في هذا المناخ، سيكون على البلدين بناء أشكال جديدة من الاعتماد المتبادل. فعلى سبيل المثال، قد يوفر توسيع التعاون في مجالي الطاقة والابتكار التكنولوجي أحد المسارات الممكنة. كما قد يمثل إصلاح أطر الهجرة بما يسهم في تنمية رأس المال البشري، مع الحفاظ على الوظائف الماهرة للأمريكيين والحد من هجرة العقول من الهند، حلًا آخر. وما لم تظهر مجالات جديدة للتكامل الاستراتيجي والاقتصادي، فقد يصبح من الصعب على البلدين إثبات خطأ صامويل هنتنجتون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved