باجو الكورية.. مشروع ثقافي ضخم لحماية صناعة الكتاب في العصر الرقمي
آخر تحديث: الإثنين 1 يونيو 2026 - 10:07 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
مدينة بنيت بالكامل من أجل صناعة الكتب وتشجيع ثقافة القراءة
نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" تقريرًا عن تجربة "مدينة باجو للكتب" في كوريا الجنوبية، وهي مجمع ثقافي وصناعي فريد خُصص بالكامل لصناعة الكتاب والنشر، مستعرضة كيف تحولت المدينة إلى مركز يجمع مئات المؤسسات المرتبطة بالكتب، من دور النشر والمطابع إلى مراكز التصميم والمكتبات، في محاولة للحفاظ على ثقافة القراءة وتعزيزها.
كما سلط التقرير الضوء على المرافق الثقافية والتعليمية التي تحتضنها المدينة، ودورها في جذب القراء والطلاب والناشرين، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الوسائط الرقمية حول العالم.
وتحتفي كوريا الجنوبية بالكتب وصناعتها عبر مشروع فريد يضم نحو 900 مؤسسة وشركة مرتبطة بعالم النشر في مدينة باجو، الواقعة شمال غربي سيول، وهي مدينة تابعة للعاصمة ويبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، وتتميز شوارعها بهدوء أكبر مقارنة بسيول الصاخبة، كما أن هواءها أنقى وإيقاع الحياة فيها أبطأ قليلًا.
ورغم أن كثيرين يعرفون باجو بسبب قاعدتها العسكرية، فإنها تحتضن أيضًا أحد أبرز مراكز صناعة النشر في البلاد، وهو مجمع يُعرف رسميًا باسم "مجمع باجو للنشر والثقافة والمعلومات والصناعة الوطنية"، بينما يُشار إليه على نطاق واسع باسم "مدينة باجو للكتب"، وتنتشر في شوارع المنطقة نحو 900 مؤسسة مرتبطة بصناعة الكتاب، من بينها المطابع وشركات التوزيع واستوديوهات التصميم، فيما تظهر لافتات تحمل اسم "مدينة باجو للكتب" في مختلف الأنحاء.
وافتتحت الحكومة الكورية الجنوبية هذا المركز عام 1998 بعد ما يقرب من عقد من التخطيط، ضمن جهود أوسع لتحديث البلاد. وكان قطاع النشر في كوريا الجنوبية موزعًا في السابق على مناطق مختلفة، لكن مدير أحد المرافق الثقافية الرئيسية في باجو، وهو "المركز الآسيوي لثقافة النشر والمعلومات"، لي سانج يون، أوضح أن مؤسسي المدينة رأوا أن هذا الأسلوب المتفرق واللامركزي في صناعة الكتب غير فعّال.
ومن خلال جمع مختلف العاملين في صناعة الكتاب في مكان واحد، سعت كوريا الجنوبية إلى تحسين إنتاج وتوزيع أحد أهم عناصر ثقافتها الوطنية. وتمثل الكتب قطاعًا اقتصاديًا مهمًا في البلاد؛ إذ بيّنت بيانات اتحاد الناشرين الكوريين أن أكثر من 115 مليون كتاب بيعوا على مستوى كوريا الجنوبية خلال العام الماضي.
وتنعكس رسالة مدينة الكتب، المتمثلة في الدعم الفاعل للثقافة والفنون القائمة على الكتب في العديد من مبانيها؛ فمبنى "فوتوبيا"، على سبيل المثال، وهو منشأة هادئة ذات لون أرجواني ومنحنية الشكل كأمواج البحر، يعمل كمركز لإنتاج ومعالجة الصور الفوتوغرافية. كما تتخذ دار النشر "دولنيوك" مقرًا لها داخل مبنى هندسي شاهق يشبه مركبات النقل الضخمة التي تظهر في سلسلة أفلام «حرب النجوم». وتنتشر المقاهي الصغيرة في زوايا الشوارع، حيث يمكن للزوار احتساء المشروبات أثناء القراءة. وقد صُممت المدينة بأكملها للحفاظ على حب الكتب ونشرها.
ويقع في قلب مدينة باجو للكتب "المركز الآسيوي لثقافة النشر والمعلومات" الذي يعمل فيه لي سانج يون، ويتكون المركز من خمسة طوابق تضم منشآت تعليمية وقاعات للفعاليات ومساحات للمعارض، كما يمثل مركزًا اجتماعيًا ومهنيًا لناشري المنطقة، ويستقبل نحو عشرة آلاف زائر سنويًا.
وفي الطابق الأول من المبنى تقع مكتبة "غابة الحكمة"، وهي المكتبة الرئيسية للمجمع.،وتضم عشرات الآلاف من الكتب المعروضة، إلى جانب عشرات الآلاف الأخرى المخزنة، بحسب لي سانج يون. وتغطي رفوف الكتب الممتدة من الأرض إلى السقف جدران المكتبة، ويصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 25 قدمًا.
ورغم أن الزوار لا يستطيعون استعارة الكتب، التي تشمل الروايات والكتب غير الروائية والمراجع وكتب الأطفال وغيرها، فإنهم يستطيعون تصفحها والقراءة داخل المساحات المخصصة لذلك، ويجذب هذا الرصيد الضخم من الكتب فئات متنوعة من الزوار، من العائلات والأطفال إلى الأزواج الشباب وكبار السن الذين يزورون المكان ضمن أنشطة اجتماعية. كما يضم المركز فندقًا للراغبين في قضاء الليل هناك.
ويفخر المركز أيضًا بدوره في الحفاظ على النصوص القديمة وفنون الطباعة التقليدية؛ حيث يضم "متحف الطباعة بالحروف المعدنية في مدينة الكتب"، المجاور للمبنى الرئيسي، مجموعة كبيرة من معدات الطباعة التراثية، من بينها 35 مليون قالب معدني للحروف.
وفي كل خريف، يستضيف المركز مهرجانًا للكتاب يجمع الكتّاب والفنانين ومحبي القراءة، وشهدت النسخة الثانية عشرة من المهرجان هذا العام معارض فنية وعروضًا موسيقية حية ومسابقة للكتابة على الآلة الكاتبة، جلس خلالها المشاركون في صفوف طويلة وتم تقييمهم وفق السرعة والدقة، إلى جانب مجموعة واسعة من الأنشطة التي تحتفي بثقافة الكتاب.
وقال لي سانج يون: "حتى مع ازدياد الطابع الرقمي للعالم، فإن سحر الكتب لا يفقد تأثيره لدى القراء أبدًا"، وأضاف: "الأشخاص الذين يحبون القراءة سيعودون دائمًا إلى الكتب".