«الشروق» تتتبع حكايات الهجرة غير الشرعية في قرى المنوفية عبر ليبيا: من أحلام الثراء السريع إلى القفز للمجهول

آخر تحديث: الإثنين 1 يونيو 2026 - 7:51 م بتوقيت القاهرة

تحقيق ــ مصطفى الملاح:

شهادات حية لناجين من رحلات الموت إلى أوروبا

أسر المفقودين: «كنا فاكرينها حكايات بعيدة.. لحد ما الموت خطف ولادنا في البحر»

شباب تراجعوا عن الفكرة بعد تجارب الأصدقاء: «المشروع الصغير هنا أفضل من رحلة بلا عودة»

محافظ المنوفية: مناطقنا الصناعية تفتح أبوابها بآلاف فرص العمل.. ووفرنا 480 فرصة عمل فى 10 أيام بالمنطقة اللوجستية ببركة السبع

الغريب: «مشروعك» قدم 90 مليون جنيه لدعم 193 مشروعًا فى المحافظة

خبراء اجتماع: فقدان الأمل وثقافة الثراء السريع والسوشيال ميديا سبب انتشار الظاهرة.. والاهتمام بالتعليم وتأهيل الشباب والمشروعات الصغيرة أبرز وسائل المواجهة

بعد أن نجحت مصر فى منع الهجرة غير الشرعية تماما قبل نحو ثلاث سنوات، خرج عدد من شباب محافظة المنوفية فى رحلة هجرة غير شرعية انطلقت من ليبيا باتجاه اليونان، على متن مركب واحد، أملًا فى تحقيق حياة أفضل فى أى دولة أوروبية، لكن المركب اختفى فى عرض البحر، ومن وقتها لم يعرف أحد مصير ركابه.

كان على متن المركب المختفى 10 شباب من قرية زنارة التابعة لمركز تلا، وشاب من مدينة السادات، ولا تزال أسرهم تعيش بين الانتظار والخوف، دون معرفة مصيرهم.

فى بعض قرى محافظة المنوفية، لم يعد السفر إلى أوروبا مجرد حلم لدى الشباب، بل تحول مع الوقت إلى هدف يسعى إليه كثيرون، مدفوعين بضغوط المعيشة والرغبة فى تحسين أوضاعهم الاقتصادية، حتى وإن انتهى الطريق فى عرض البحر.

داخل المقاهى والشوارع الضيقة، تتكرر الحكايات نفسها؛ شباب باعوا ما يملكون لتدبير رحلة السفر، وأسر انتظرت أبناءها سنوات دون خبر، وآخرون عادوا بعدما اكتشفوا أن الرحلة التى تصوروا أنها بداية لحياة أفضل، كانت أقرب إلى طريق للموت.

فى قرية زنارة التابعة لمركز تلا، لا تزال آثار إحدى رحلات الهجرة غير الشرعية حاضرة داخل بيوت كثيرة، بعدما فقدت القرية وحدها منذ ثلاثة أعوام تقريبا نحو 10 شباب فى رحلة واحدة، اختفى بعضهم فى البحر دون العثور عليهم.

وتروى شقيقة أحد المفقودين، التى رفضت ذكر اسمها، أن شقيقها «م. ب» كان يبلغ من العمر 28 عامًا عندما سافر إلى ليبيا برفقة عدد من أصدقائه، بعدما أخبر أسرته أنه ذاهب للعمل هناك وتحسين دخله.

وتضيف خلال حديثها لـ«الشروق»، أنه عقب وصوله إلى ليبيا تواصل معهم وأخبرهم بنيته السفر إلى اليونان مع مجموعة من أصدقائه، مردفة: «تفاجأنا بقرار سفره إلى اليونان.. وحاولنا منعه لكنه رفض».

وأوضحت، أن آخر اتصال معه كان فى 8 يونيو قبل نحو 3 سنوات، مشيرة إلى أنه ظل يعمل فى ليبيا لمدة 3 أو 4 أشهر قبل التحرك عبر البحر.

وأشارت إلى أن شقيقها كان يمر بحالة نفسية سيئة قبل سفره، بعدما عاش وحيدًا فى المنزل عقب وفاة والده ثم شقيقه الأوسط، قبل أن تتوفى والدته لاحقًا حزنًا على فقدان ابنها، مبيّنة أن شقيقه الأكبر كان قد سافر إلى إيطاليا بطريقة شرعية وبعقد عمل، وهو ما جعله يفكر لاحقًا فى السفر هو الآخر، لكن عبر طريق غير قانونى.

وتابعت بصوت متأثر: «نفسى بس أعرف أخويا فين عشان يرتاح قلبى، أنا مش عارفة هو عايش ولا ميت».

وفى منزل بسيط داخل القرية، لا تزال والدة الطفل رامى شاشة، الذى كان يبلغ من العمر 15 عامًا وقت سفره، تعيش على أمل عودته، بعدما فُقد خلال الرحلة المتجهة إلى اليونان.
وفى حديث مرير لـ«الشروق»، تروى والدة الطفل «رامى» تفاصيل رحلته قائلة: «سافر ابنى إلى ليبيا بطريقة قانونية بحثًا عن لقمة العيش، ولمساعدة والده الذى يعمل باليومية، وليلبى احتياجات شقيقه من ذوى الهمم».

وتتابع الأم والدموع تسبق كلماتها: «كان كل حلمه أن يسند والده ويقف بجانب شقيقه.. لكن الطموح قاده لركوب البحر مع أصدقائه للسفر إلى أوروبا، لينقطع أثره منذ ذلك الحين مع من فقدوا فى المركب».

ومن بين الحالات أيضًا، عبده أحمد أبو سعدة، 35 عامًا، كان يعمل صنايعى سيراميك، وقرر السفر لتحسين دخله، تاركًا خلفه ثلاثة أطفال، أكبرهم يبلغ الآن خمس سنوات، بينما كانت طفلته الصغرى تبلغ عامًا واحدًا فقط وقت سفره.

ويقول والد أحمد أبو سعدة لـ«الشروق»، إن الأسرة لا تزال تعيش ظروفًا صعبة حتى الآن، مضيفًا: «إخوته وأعمامه هما من ينفقون على أولاده منذ انقطاع أخباره». ويضيف: «أسرته تحتفظ بصوره وأغراضه الشخصية انتظارًا لعودته».

وفى مدينة السادات، تعيش ياسمين عزت ظروفًا معيشية صعبة بعد انقطاع أخبار زوجها أيمن بيومى، الذى كان يبلغ من العمر نحو 34 عامًا وقت سفره فى الرحلة نفسها، قبل نحو ثلاث سنوات.

تروى ياسمين فى حديثها لـ«الشروق»، أن زوجها كان يسعى لتحسين دخله من أجل أسرته وأطفاله الثلاثة، مضيفة: «دلوقتى بشتغل فى مصنع عشان أعرف أصرف على الأولاد، وإحنا عايشين فى شقة إيجار».

ومن قرية «شنتنا الحجر» التابعة لمركز بركة السبع، يروى محمد أشرف مأساة أسرته المستمرة منذ سنوات، عقب سفر شقيقه فى رحلة هجرة غير شرعية، انقطعت بعدها أخباره تمامًا، دون أن تتمكن العائلة من الوصول إلى أى معلومة عنه.

وأضاف محمد أشرف لـ«الشروق»: «أخويا سافر على أمل أن يصل أوروبا، ومن وقتها انقطعت أخباره ولا نعلم إن كان على قيد الحياة أم توفى».
وأوضح، أن الأسرة عاشت شهورًا طويلة بين الاتصالات والبحث والسؤال، دون الوصول إلى إجابة، بينما لا تزال والدته تنتظر عودته أو معرفة مصيره.

ولم تتوقف المأساة عند ذلك، إذ يؤكد محمد أن أحد أصدقائه المقربين لقى مصرعه بعدما غرق المركب الذى كان يستقله خلال رحلة مماثلة. وتابع: «كنا نسمع عن الموت فى البحر ونفتكرها حكايات بعيدة، لكن لما صاحبك يموت بسبب حلم السفر تعرف أن الموضوع أكبر من مجرد رحلة».

ومن السعودية، استعاد أحمد البنا ابن مدينة تلا، تفاصيل رحلة كادت أن تنتهى بغرقه قبل أن تبدأ، بعدما قرر عام 2022 خوض تجربة الهجرة غير الشرعية إلى اليونان عبر ليبيا، فى وقت كان فيه حلم السفر السريع يسيطر على عقول كثير من الشباب.

وأضاف أحمد البنا لـ«الشروق»: «كنت فاكر إن السفر غير الشرعى هو أسرع طريق للنجاح، لكن اللى شوفته هناك غيّر نظرتى لكل حاجة». ويروى أحمد، أن السماسرة نقلوه إلى ليبيا قبل احتجازه مع مجموعة من الشباب داخل خندق بعيد عن أعين السلطات، انتظارًا لتهريبهم عبر البحر المتوسط.

وقال: «كنا قاعدين فى ظروف صعبة جدًا، وكل تفكيرنا إننا نركب المركب ونصل أوروبا؛ لكن الرحلة لم تكتمل، بعدما ألقت السلطات الليبية القبض علينا قبل التحرك، لنعود إلى مصر ونكتشف لاحقًا أن المركب الذى كان من المفترض أن يقلنا غرق بالفعل خلال مارس 2022، وكان على متنها عدد من الشباب بينهم أبناء من المنوفية».

ويؤكد أحمد، أن تلك الواقعة غيّرت حياته بالكامل، مضيفًا: «ربنا كتبلى عمر جديد.. ناس ماتت وأنا كنت ممكن أكون معاهم».

ولم تكن المخاطرة وحدها هى الثمن، بحسب أحمد، الذى أوضح أن بعض الشباب كانوا يبيعون كل ما يملكون لتدبير تكاليف الرحلة، مشيرًا إلى أن أحد أصدقائه باع ذهب زوجته، بينما وصلت تكلفة السفر وقتها إلى نحو 250 ألف جنيه تقريبًا للفرد.

ورغم نجاته، تركت التجربة أثرًا نفسيًا كبيرًا داخله، دفعه لتغيير طريقه بالكامل، موضحًا: «بعد اللى شوفته قررت أسافر بشكل قانونى، والحمد لله اشتغلت فى السعودية ومستقر دلوقتى.. وبقول لأى شاب بلاش تضيع عمرك فى البحر».

وفى قرية شنتنا الحجر، تظهر صورة مختلفة للهجرة غير الشرعية، بطلها مصطفى النمر، صاحب الـ30 عامًا، الذى وقف يومًا أمام الفكرة نفسها، لكنه قرر التراجع قبل خوض التجربة.

سألته «الشروق»: «هل فكرت تسافر بشكل غير رسمى مثل بعض شباب القرية؟»، أجاب: «فكرت طبعًا، لكن سألت نفسى أنا عاوز أسافر ليه؟.. ووجدت أن هدفى فى الآخر أن يكون لدى مشروع، ووقتها قررت أبدأ هنا وأعمل مشروع حتى لو صغير وأكبر واحدة واحدة بإيدى، بدل ما أخاطر بحياتى».

وأكد النمر، أنه بدأ مشروعه برأس مال يقارب 50 ألف جنيه، قبل أن يتمكن تدريجيًا من التوسع وافتتاح فرعين لمشروعه، معتبرًا أن كثيرًا من الشباب يمتلكون أفكارًا جيدة لكنهم يفتقدون الدعم والثقة فى البداية.

ويرى الدكتور محسن عزام، الأستاذ بكلية التجارة بجامعة المنوفية، أن الهجرة غير الشرعية ترتبط فى كثير من الأحيان بغياب الوعى بفرص العمل المتاحة داخل المحافظات.

وقال عزام لـ«الشروق»: إن بعض الشباب يتصورون أن السفر وحده هو الطريق الوحيد لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، رغم وجود فرص حقيقية داخل المناطق الصناعية والمشروعات الصغيرة.

وأضاف أن نشر ثقافة العمل الحر ودعم المشروعات متناهية الصغر يمثلان أحد أهم الحلول لتقليل معدلات الهجرة غير النظامية، بخاصة فى القرى التى تنتشر فيها الظاهرة.

وأشار عزام، إلى أن نجاح بعض الشباب فى إنشاء مشروعات صغيرة داخل قراهم يساهم فى تغيير أفكار آخرين كانوا يفكرون فى السفر بطرق غير قانونية.

ويرى الدكتور جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية، أن أزمة الهجرة غير الشرعية ترتبط فى الأساس بتحولات سوق العمل والتغيرات الاقتصادية العالمية، موضحًا أن التطور التكنولوجى والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى خلقا متطلبات جديدة داخل سوق العمل، جعلت كثيرًا من الوظائف تعتمد على مهارات وقدرات محددة قد لا يمتلكها بعض الشباب.

وأوضح حماد فى تصريحات لـ«الشروق»، أن قطاعًا من الشباب يلجأ إلى الهجرة غير الشرعية باعتبارها البديل الأسرع لتحقيق أحلامه وتحسين أوضاعه المعيشية، بخاصة مع استمرار الصورة الذهنية القديمة عن أوروبا وتركيا باعتبارهما المكان الأسهل لتحقيق الثراء، رغم التغيرات الاقتصادية الكبيرة التى شهدتها تلك الدول خلال السنوات الأخيرة وارتفاع معدلات البطالة بها.

وذكر أن بعض الشباب لا يدركون أن فرص العمل التقليدية فى الخارج لم تعد متاحة كما كانت فى السابق، مبيّنا أن دولًا مثل إيطاليا أصبحت تعانى أيضًا من تشبع فى العمالة، بخاصة مع موجات الهجرة المتتالية من دول الشرق الأوسط.

ولفت حماد، إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالاقتصاد، لكنها ترتبط أيضًا بضغوط اجتماعية ونفسية تدفع الشباب للبحث عن حلول سريعة، مثل الرغبة فى الزواج أو مساعدة الأسرة أو تحسين مستوى المعيشة.

وأكد أن مواقع التواصل الاجتماعى ساهمت فى ترسيخ تلك الأفكار لدى الشباب، من خلال تقديم صورة غير واقعية عن الحياة فى الخارج، ما خلق حالة من «الخداع البصرى» دفعت البعض للنظر إلى الهجرة باعتبارها الطريق الوحيد للنجاح.

واعتبر حماد، أن مواجهة تلك الظاهرة تبدأ من التعليم وتأهيل الشباب لسوق العمل، إلى جانب التوسع فى تعليم الحرف والمهن الإنتاجية، منوها إلى أن الذكاء الاصطناعى لن يستبدل البشر، لكنه مجرد أداة تساعد الإنسان وتفرض فى الوقت نفسه تطوير المهارات والتأهيل المستمر لمواكبة تغيرات سوق العمل.

فيما يرى الدكتور محيى شحاتة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية، أن أخطر ما تسببه الهجرة غير الشرعية هو تأثيرها الاجتماعى والنفسى على القرى والأسر، بخاصة فى القرى التى فقدت عددًا من شبابها فى رحلات الهجرة خلال السنوات الأخيرة.

وقال شحاتة لـ«الشروق»، إن بعض القرى أصبحت أكثر تصديرًا للهجرة غير الشرعية بسبب وجود شبكات وسماسرة يشجعون الشباب على السفر، مستغلين فقدان الأمل لدى البعض.

وأضاف أن كثيرًا من الأسر تتحول بعد فقدان أبنائها إلى أسر تعيش حالة من الحرمان والأزمات النفسية والاقتصادية، موضحًا أن الشاب الذى يسافر بهدف مساعدة أسرته قد ينتهى به الأمر مفقودًا أو متوفى، فتفقد الأسرة عائلها بدلًا من أن يتحسن وضعها.

وشدد على ضرورة تكثيف التوعية داخل المدارس والجامعات وعبر مواقع التواصل الاجتماعى، لتصحيح الأفكار الخاطئة المرتبطة بالهجرة غير الشرعية، مستطردا: «محتاجين ندى أمل للشباب ونغيّر طريقة تفكيرهم.. النجاح الحقيقى محتاج تعب وصبر، وأى شاب يتعلم حرفة أو يبدأ مشروع صغير ممكن يبنى مستقبله بشكل آمن ومستقر بعيدًا عن مراكب الموت».

فيما قال اللواء عمرو الغريب، محافظ المنوفية: إن المحافظة تمتلك عددًا من المناطق الصناعية الكبرى، أبرزها مدينة السادات والمنطقة الصناعية بقويسنا والمنطقة الحرة بشبين الكوم، والتى توفر آلاف فرص العمل فى مجالات متعددة، بينها الصناعات الغذائية والهندسية والملابس ومواد البناء.

وأضاف الغريب، فى تصريحات لـ«الشروق»، أن تلك المناطق تشهد توسعات مستمرة وزيادة فى خطوط الإنتاج، ما ساهم فى توفير فرص عمل جديدة للشباب، بخاصة من أبناء القرى.

وأشار إلى أن ملف التشغيل يأتى على رأس أولويات العمل التنفيذى، موضحًا أن المنطقة اللوجستية ببركة السبع وفرت مؤخرًا نحو 480 فرصة عمل خلال 10 أيام فقط، مع الإعلان عن مئات الفرص الإضافية بالتنسيق مع الشركات.

وبيّن أن مبادرة «مشروعك» ساهمت خلال عام 2025 فى تنفيذ 193 مشروعًا بتمويل اقترب من 90 مليون جنيه، ووفرت نحو 370 فرصة عمل مباشرة، إلى جانب استمرار برامج دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

وأكد المحافظ استمرار برامج التدريب المهنى المجانية وتأهيل الشباب لسوق العمل، بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات والاتحاد الأوروبى، ضمن خطط تستهدف توفير بدائل حقيقية للشباب والحد من الهجرة غير النظامية.

وبين قوارب ابتلعها البحر، وأسر لا تزال تنتظر أبناءها منذ سنوات، وشباب قرروا البقاء ومحاولة بناء مستقبلهم داخل قراهم، تبقى التنمية وتوفير فرص العمل والأمل فى مستقبل أكثر استقرارًا، هى الطريق الوحيد لإنقاذ مزيد من الشباب من مصير مجهول فوق «مراكب بلا عودة».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved