الطاعون.. علماء يبحثون عن الجذور التاريخية للموت الأسود

آخر تحديث: الأربعاء 1 يوليه 2026 - 11:40 ص بتوقيت القاهرة

سان فرانسيسكو - (د ب أ)

يتذكر التاريخ الطاعون الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي وراح ضحيته ملايين البشر، وأدى إلى تغيير شكل المجتمعات في القارة العجوز. ورغم أن الفكرة العلمية السائدة هي أن وباء الطاعون أو "الموت الأسود"، وهو الاسم الذي اشتهر به هذا المرض، لم يظهر على وجه الأرض ويشكل تهديدا حقيقيا للجنس البشري إلا بعد ظهور المجتمعات الزراعية والبلدات ذات الكثافة السكانية المرتفعة نسبياً، والتي انتشرت فيها الفئران والقوارض التي تحمل جرثومة المرض المميت، فإن دراسة علمية جديدة كشفت أن تاريخ الطاعون يعود إلى 5500 عام مضت، وأنه أصاب الانسان الأول عندما كان مازال يعيش في مرحلة الصيد وجمع الثمار قبل أن تشرق شمس الحضارة على البشر.

وكشفت الدراسة التي أجراها فريق بحثي من جامعتي كوبنهاجن الدنماركية وكامبريدج الانجليزية عن أدلة علمية دامغة تثبت ان وباء الطاعون ظهر وانتشر بالفعل قبل آلاف السنين بين جماعات الصيد وجمع الثمار في منطقة سيبيريا بشمال روسيا. وقام الباحثون في إطار الدراسة بتحليل الحمض النووي لرفات بشرية مدفونة في أربع مقابر تعود إلى تلك الحقبة الزمنية البعيدة قرب بحيرة بايكال بشمال سيبيريا. وخلال البحث الذي نشرته الدورية العلمية "نيتشر"، استخلص الباحثون آثار من الحمض النووي للبكتيريا المسببة للطاعون داخل بقايا أسنان عثر عليها في تلك القبور، ويطلق عليها اسم البكتيريا اليرسينية الطاعونية Yersinia pestis. وأكدت الاختبارات المعملية أن تلك السلالة القديمة من المرض لم تكن أقل خطورة من السلالات الأحدث التي تشير الوثائق التاريخية أنها انتشرت في أوروبا خلال الفترة بين عامي 1347 و1352 وأودت بحياة قرابة ثلث سكان القارة.

ويقول الباحث إيسكه ويلرسليف من جامعة كوبنهاجن الدنماركية: "لقد تجادل العلماء كثيراً حول ما إذا كانت الأشكال الأقدم من الوباء أقل أو أكثر خطورة من السلالات الأحدث، ولكن هذه الدراسة تؤكد بالفعل أن السلالات القديمة كانت بالفعل مميتة للغاية". وجمع المشروع البحثي بين الأدلة العلمية التي يتم استخلاصها بواسطة علم الوراثة، وآليات تحديد التاريخ عن طريق الكربون المشع، بالإضافة إلى سجلات الدفن والصلات العائلية التي يمكن تتبعها عبر الجينات من أجل بناء تصور حول كيفية انتشار الوباء بين المجتمعات الانسانية في عصور ما قبل التاريخ.

وصرح رئيس فريق الدراسة رويريد ماكلويد الحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج: "عن طريق تحليل الحمض النووي للمرض، والعلاقات الوراثية بين الضحايا، والتحليلات القائمة على علم الحفريات، وتقنيات التأريخ بواسطة الكربون المشع، نجحنا في الوصول إلى صورة واضحة وكاملة لحقيقة ما كان يحدث عند انتشار تلك الأوبئة". ونجح الباحثون في رصد آثار للبكتيريا اليرسينية الطاعونية لدى 18 من بين 46 رفات تم فحصها، وتلاحظ لديهم أن هذه النسبة مرتفعة للغاية، وتفوق المعدلات المسجلة في بعض مواقع دفن ضحايا المرض في العصور الوسطى.

وعلى مدار سنوات، تحير العلماء من الزيادة الكبيرة في عدد الأطفال والمراهقين الصغار المدفونين في مقبرتين يعود تاريخهما للعصور الأولى، وبعكس أنماط الوفاة التي كانت معتادة في مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كان يبدو أن تلك المقابر تعكس حدثا مفاجئا أصاب صغار السن على وجه التحديد وبشكل غير متناسب مع تعداد السكان في تلك المرحلة. ويقول أندري ويبر خبير علم الحفريات بجامعة ألبرتا الكندية ورئيس الفريق البحثي في المشروع العلمي قرب بحيرة بايكال، في تصريحات للموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية إن "العدد الكبير بشكل غير معتاد من الأطفال الذين قضوا نحبهم خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة كان بمثابة لغز محير نعكف على محاولة تفسيره منذ تسعينيات القرن الماضي، ولقد كان اكتشاف أن الطاعون هو السبب وراء هذه الوفيات أمراً استثنائيا، ولكنه يبدو منطقيا للغاية".

وقد أظهرت تقنيات تحديد التاريخ بواسطة الكربون المشع ان كثيراً من الوفيات وقعت خلال فترة قصيرة، وكانت تشمل أشخاصا تجمعهم صلات قرابة وثيقة، مما كان يستدعي دفنهم بشكل جماعي، وهي سمة مجتمعية عادة ما ترتبط بحالات تفشي أوبئة مميتة.

ووجد الباحثون أن السلالات القديمة من الطاعون كانت تفتقر إلى العديد من الطفرات الوراثية التي ساعدت في انتشار الوباء في وقت لاحق عبر القوارض والبراغيث، مما دفعهم للتفكير في أن السلالات القديمة كانت أقل خطورة من السلالات الأحدث، ولكنهم اكتشفوا أن السلالة القديمة كانت تحتوي على "مستضد فائق القوة" له سمات فريدة، وهو عبارة عن مادة سمية بكتيرية، لم تكن موجودة في العائلات الاحدث من الطاعون. ويبدو أن هذا المستضد كان يصيب المريض برد فعل مناعي حاد يترتب عليه التهابات شديدة ومضاعفات قد تفضي إلى الوفاة.

ويقول الباحث مارتين سيكورا وهو استاذ مساعد من جامعة كوبنهاجن إن "هذه النتائج غيرت فهمنا للأشكال الأولى من انتشار الاوبئة، حتى قبل أن تتطور بكتيريا الطاعون حتى أصبحت أكثر قدرة على الانتقال عبر القوارض إلى الانسان". كما تشير نتائج الدراسة أيضا إلى بعض الأشكال الأولى من الجوائح كانت بنفس القدر من الخطورة على غرار الأوبئة التي وثقها التاريخ في مراحل لاحقة، لاسيما بالنسبة للاطفال الأصغر سنا. وتدعم الدراسة أيضا فكرة أن المرض ربما يكون قد ظهر في وسط أو شمال شرق آسيا قبل أن ينتقل إلى المنطقة الأوراسية، وأن الانسان الاول ربما كان على صلة ببعض القوارض البرية التي تعيش في الطبيعة مثل حيوان المارموط، الذي ينحدر من فصيلة السنجابيات، ويعتقد أنه كان له دور محوري في انتقال المرض إلى الانسان مباشرة في تلك الحقبة البعيدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved