الأول من نوعه منذ 1945.. لماذا أطلقت اليابان جهازاً جديداً للاستخبارات الآن؟

آخر تحديث: السبت 1 أغسطس 2026 - 11:48 ص بتوقيت القاهرة

وكالات

تخطو اليابان نحو إعادة هيكلة منظومتها الاستخباراتية بإطلاق المكتب الوطني للاستخبارات، في تحول كبير من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية المحيطة بها، ولا سيما من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وفقاً لما أوردته شبكة "سي إن إن ".

ومن المقرر أن يبدأ المكتب الوطني للاستخبارات عمله رسمياً السبت، ليحل محل هياكل سابقة تعرضت لانتقادات بسبب تشتتها وعدم فعاليتها، ويمهد الطريق، بحسب خبراء، لإصلاحات أوسع قد تشمل سن قانون لمكافحة التجسس وإنشاء جهاز استخبارات خارجي جديد شبيه بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA" أو جهاز الاستخبارات البريطاني "MI6".

وأشارت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إلى هذه الطموحات، قائلة إن "هذه الإجراءات ليست سوى الخطوة الأولى في إصلاح الاستخبارات"، مضيفة أنه في ظل الوضع العالمي المتزايد الاضطراب، من الضروري التعامل مع أساليب الحرب الجديدة.

وتقود تاكايتشي هذه الجهود منذ انتخابها في أكتوبر الماضي، وهي سياسية محافظة تدعو إلى تعزيز الأمن والدفاع وتؤيد تعديل الدستور الياباني السلمي.

كما تواصلت حكومتها مع شركاء غربيين، من بينهم الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا، للحصول على المشورة بشأن تعزيز القدرات الاستخباراتية اليابانية.

 

ما هو المكتب الوطني الجديد للاستخبارات؟

كان جهاز الاستخبارات الرئيسي في اليابان حتى الآن هو مكتب أبحاث ومعلومات مجلس الوزراء "CIRO"، الذي يضم نحو 700 موظف، لكنه يتمتع بصلاحيات محدودة.

وتجمع فرق استخباراتية أخرى في وزارات الخارجية والعدل والدفاع، إضافة إلى الشرطة الوطنية وغيرها من المؤسسات، المعلومات، لكنها غالباً ما تفشل في تبادلها بصورة منسقة أو استراتيجية.

واعتباراً من السبت، سيُرفع مستوى مكتب أبحاث ومعلومات مجلس الوزراء إلى المكتب الوطني للاستخبارات، ليصبح هيئة عمليات وإدارة تتولى جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية من مختلف أجهزة الحكومة.

والأهم أن المكتب الجديد سيحظى بمكانة أكبر، فيما ستصبح الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى ملزمة رسمياً بمشاركة معلوماتها معه. وسيخضع المكتب لإشراف مجلس الاستخبارات الوطني الذي أُنشئ حديثاً برئاسة تاكايتشي وعضوية كبار الوزراء.

وسيتركز نطاق عمله على مكافحة الإرهاب، والاستجابة للطوارئ الوطنية، والتصدي لأنشطة الاستخبارات الأجنبية، بما في ذلك التجسس والتأثير السري.

 

لماذا تحتاج اليابان إليه؟

كانت الإمبراطورية اليابانية تمتلك في الماضي جهازاً أمنياً واستخباراتياً قوياً، استُخدم ضد المواطنين خلال حملات قمع المعارضة في أوائل القرن العشرين، وفق "سي إن إن".

وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، جرت عملية متعمدة لإرساء الديمقراطية وإضعاف الأجهزة الاستخباراتية. لكن ذلك أدى إلى وجود نقاط ضعف كبيرة في اليابان، وهو أمر لافت بالنسبة إلى دولة متقدمة تؤدي دوراً جيوسياسياً مهماً.

وعلى سبيل المثال، لا تمتلك اليابان جهاز استخبارات خارجياً خاصاً بها، وهو أمر غير معتاد مقارنة بحلفاء رئيسيين للولايات المتحدة مثل بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا.

كما لا تملك قانوناً لمكافحة التجسس، ما يعني أن جواسيس أجانب ومخبرين محليين يمكنهم جمع معلومات داخل اليابان "من دون خرق القانون"، بحسب موقع "الشرق" الإخباري.

وقال خبراء، إن هذه الثغرات لها تداعيات كبيرة على أمن اليابان ومكانتها بين الدول الكبرى، إذ يُنظر إليها باعتبارها دولة "مخترقة" أمنياً، وهو ما قد يجعل دولاً أخرى أقل استعداداً لمشاركة المعلومات الحساسة معها.

وكشفت تحقيقات لصحيفة "نيويورك تايمز" في يوليو أن موسكو استغلت هذه الثغرات للحصول على مكونات يابانية وتهريبها إلى روسيا، حيث استُخدمت لاحقاً في صواريخ وطائرات مسيرة ضد أوكرانيا.

 

لماذا الآن؟

تغيرت الظروف بشكل كبير في اليابان والعالم، إذ تراجعت المخاوف لدى الرأي العام الياباني من العودة إلى دولة بوليسية مع مرور الوقت، بالتزامن مع تنامي الإدراك بأن اليابان تواجه تهديدات جديدة وقوية.

وعلى الجانب الآخر من البحر، تقع كوريا الشمالية والصين وروسيا، وهي دول تمتلك قدرات تجسس قوية لا تملك اليابان الوسائل الكاملة لمواجهتها. كما أن اليابان، باعتبارها حليفاً للولايات المتحدة وتستضيف نحو 55 ألف جندي أمريكي في قواعد عسكرية، تمثل هدفاً جذاباً لأنشطة التجسس.

وتسعى هذه الدول إلى الحصول على معلومات حول أنشطة القوات الأميركية في اليابان وانتشار الأسلحة الأمريكية الجديدة.

كما قد تهتم روسيا بالحصول على أسرار سياسية، مثل السياسات اليابانية المستقبلية تجاه أوكرانيا، فيما يمكن أن تسعى الصين إلى الحصول على أسرار تكنولوجية من الشركات اليابانية.

ويرى خبراء أن المخاوف اليابانية تتزايد أيضاً بسبب التقارب المتنامي بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وهو ما ظهر بوضوح خلال العرض العسكري الذي أقيم في بكين العام الماضي وشارك فيه قادة الدول الثلاث، إلى جانب تدريبات بحرية روسية-صينية مشتركة ومشاركة قوات كورية شمالية في الحرب الروسية الأوكرانية.

ويعزز هذا الشعور بأن ميزان القوى في المنطقة يتغير، خصوصاً مع تنامي النفوذ الصيني، ما يدفع طوكيو إلى الاعتقاد بضرورة القيام بدور أكبر في حماية التحالف مع الولايات المتحدة وتعزيز أمنها بنفسها.

 

لماذا الإصلاح مثير للجدل؟

لا يحظى مشروع إصلاح أجهزة الاستخبارات بدعم الجميع، فقد عارض عدد من المشرعين مشروع إنشاء المكتب الوطني للاستخبارات، كما شارك أكثر من 200 شخص في احتجاج ضده في مايو الماضي، قبل التصويت البرلماني.

ويخشى معارضو الإصلاح من أن يؤدي توسيع صلاحيات الجهاز الاستخباراتي إلى انتهاكات غير ضرورية للخصوصية والمعلومات الشخصية، فضلاً عن غياب آليات كافية للرقابة الديمقراطية والتوازنات التي تمنع إساءة استخدام السلطة.

ومن المرجح أن يثير بندان آخران على أجندة تاكايتشي، هما قانون مكافحة التجسس وإنشاء جهاز استخبارات خارجي، جدلاً أكبر.

ويحذر خبراء من أن قوانين مكافحة التجسس قد تكون ديمقراطية تماماً في بعض الدول، لكنها قد تُستخدم في أنظمة استبدادية لملاحقة المعارضين.

ولتجنب إساءة استخدام السلطة، تعتمد دول ديمقراطية مثل بريطانيا والولايات المتحدة على جلسات الاستماع واللجان وإجراءات أخرى لضمان خضوع أجهزة الاستخبارات للمساءلة.

ويرى خبراء أن اليابان لم توضح حتى الآن بالقدر الكافي آليات الرقابة على جهاز الاستخبارات الجديد، ما يجعل من المشروع استمرار المطالبات بتوضيح كيفية ضمان خضوعه للرقابة والمساءلة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved