عائدات السندات العالمية تقفز لأعلى مستوياتها منذ أزمة 2008

آخر تحديث: الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 - 3:16 م بتوقيت القاهرة

أميرة عاصي

• ارتفاع عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.78%.. واليابانية لـ 2.99%
• عزام: ارتفاع العوائد يعبر عن إعادة تسعير شاملة لتكلفة التمويل عالميا

ارتفعت عوائد السندات العالمية إلى أعلى مستوياتها في نحو عقدين، مع تصاعد مخاوف التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، في وقت رفع فيه المستثمرون رهاناتهم على احتمال أن يمضي مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي نحو زيادة أسعار الفائدة قبل نهاية العام الحالي.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية أجل 10 سنوات القياسية 3 نقاط أساس إلى 4.78%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. وصعد عائد السندات اليابانية أجل 10 سنوات 5 نقاط أساس إلى 2.99%، وهو أعلى مستوى له في ثلاثة عقود، بينما بلغ نظيره الأسترالي أعلى مستوى منذ 2011.

وقفزت عوائد السندات مع زيادة احتمالات رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه لجنة السوق المفتوحة يومي 15 و16 سبتمبر الحالي إلى 74%، وفقاً لبيانات جمعتها وكالة "بلومبرج" للأنباء استناداً إلى عقود المبادلة.

وقال أحمد عزام، رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي، إن الارتفاع المتزامن في عوائد السندات الأمريكية والأوروبية واليابانية يعكس عملية إعادة تسعير واسعة لتكلفة التمويل على مستوى العالم، موكدا أن هذه التحركات تتجاوز كونها رد فعل مؤقت على خبر سياسي أو بيانات اقتصادية؛ بل تعبر عن مطالب المستثمرين بعائد أعلى في مواجهة تضخم يصعب احتواؤه، وديون حكومية متزايده، وإصدارات دين ضخمة.

وأوضح عزام، أن الشرارة المباشرة للارتفاع جاءت من سوق الطاقة، حيث أعاد صعود خام برنت فوق 91 دولارًا مخاوف التضخم إلى الواجهة، لأن أثر النفط لا يتوقف عند أسعار الوقود، ولكن ينتقل إلى النقل والإنتاج والغذاء والخدمات، ويجعل الوصول بالتضخم إلى مستهدف 2% أكثر صعوبة. وكلما استمرت هذه الضغوط، تراجعت قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة، وارتفع احتمال العودة إلى التشديد النقدي.

وأضاف عزام، أن هذه المخاوف تزامنت مع لهجة أكثر تشددًا من كيفين وارش رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع الأسواق إلى إعادة حساب مسار الفائدة الأمريكية، وبالتالى ارتفع عائدات السندات الدولية، لافتا إلى أن ارتفاع العوائد في دولة واحدة، يمكن تفسيره بعوامل محلية، أما ارتفاعها في معظم الاقتصادات الكبرى في الوقت نفسه، فيعني أن المستثمرين يعيدون تقييم مستوى الفائدة والتضخم والمخاطر المالية في النظام العالمي بأكمله.

ولفت عزام إلى أزمة تفاقم حجم الدين العام للدول الكبرى؛ حيث تخطى الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، وتتجه اليابان نحو إنفاق إضافي، بينما تسعى أوروبا لتمويل مشاريع الدفاع والطاقة والبنية التحتية عبر التوسع في الاقتراض. يرافق ذلك دخول شركات التكنولوجيا الكبرى أسواق الدين لجمع مئات المليارات لتمويل مشروعات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، مما وضع الحكومات والشركات في منافسة مباشرة على السيولة المتاحة، وبالتالى يطالب المستثمر بسعر أعلى مقابل توفيرها.

وأشار إلي أن اليابان تضيف بُعدًا أكثر حساسية لهذه المعادلة، فبعد عقود من شراء المؤسسات اليابانية للسندات الأجنبية بحثاً عن العائد، فإن حصول المستثمر الياباني على عائد يقارب 3% محلياً يضعف جاذبية السندات الخارجية بعد احتساب تكلفة التحوط من تقلبات العملة، مضيفا أن تراجع الطلب الياباني الجديد على السندات الأمريكية والأوروبية قد يكون كافيًا لإبقاء العوائد العالمية مرتفعة، حتى من دون حدوث عودة جماعية لرؤوس الأموال إلى طوكيو.

وأكد عزام، أن الرسالة الرئيسية الصادره عن السوق هي أن عصر التمويل الرخيص انتهى، وأن البنوك المركزية لم تعد الجهة الوحيدة التي تحدد تكلفة الاقتراض، بل بدأت سوق السندات نفسها تفرض شروطها على الحكومات، فكل توسع مالي غير ممول، أو زيادة كبيرة في الإصدارات، قد تُقابل بعوائد أعلى وعلاوة مخاطر أكبر.

وأوضح أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل يعكس شكوكًا متزايدة بشأن قدرة الحكومات على السيطرة على ديونها، حيث تُظهر التحركات أن المخاطر المالية والتضخمية أصبحت المحرك الرئيسي للارتفاع حتى مع ظهور علامات تباطؤ النمو وسوق العمل، مما يهدد ببقاء تكلفة التمويل مرتفعة رغم ضعف النشاط الاقتصادي.

ويرجح عزام، استمرار موجات بيع إضافية فى أسواق السندات خلال الفترة المقبلة، مع ظهور فرض للشراء كلما وصلت العوائد إلى مستويات جذابة، موضحا أن التحول إلى موجة بيع واسعة وغير منظمة، يحتاج إلى اجتماع عدة عوامل؛ منها بقاء النفط مرتفعًا واقترابه من 100 دولار، وتنفيذ زيادات جديدة للفائدة، وضعف الطلب في مزادات السندات الحكومية، واستقرار العائد الأمريكي لعشر سنوات فوق 5%.

وبالنسبة إلى الأسواق الناشئة، أكد عزام، أن هذه الأسواق استقطبت أكثر من 214 مليار دولار من تدفقات الديون منذ بداية العام وحتى يوليو الماضي، مستفيدةً من العوائد الحقيقية المرتفعة وتحسن الاحتياطيات الأجنبية واتساع قاعدة المستثمرين المحليين، لذلك لا توجد حاليًّا مؤشرات كافية على هروب جماعي من سنداتها، ولكن الخطر سيرتفع سريعًا إذا تزامن صعود العوائد الأمريكية مع قوة الدولار.

وأوضح أن سندات الأسواق الناشئة المقومة بالدولار ستتأثر بارتفاع الفائدة الأمريكية واتساع علاوة المخاطر السيادية، بينما يبدأ الضرر فى السندات بالعملة المحلية من تراجع أسعار الصرف الذي قد يلتهم العوائد المحققة للمستثمرين من السند.

وأكد أن الدول المستوردة للطاقة، وصاحبة العجز الكبير في الحساب الجاري، والاحتياجات المرتفعة لإعادة تمويل الديون ستكون الأكثر تعرضًا للبيع. أما الاقتصادات التي تمتلك احتياطيات قوية، وعوائد حقيقية مرتفعة، وسياسة نقدية تحظى بالثقة، فستكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالتدفقات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved