لميس سعيدي تستعيد ذكريات زيارة أحمد فؤاد نجم للجزائر وتحولات الثمانينيات
آخر تحديث: الخميس 1 أكتوبر 2026 - 1:53 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
قالت الشاعرة والمترجمة الجزائرية لميس سعيدي إن قصيدتها «جينز أحمد فؤاد نجم»، الواردة ضمن ديوانها الصادر حديثاً «ورق حائط»، تستعيد ذكريات زيارة الشاعر المصري الكبير لبيت أسرتها في الجزائر خلال بداية ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ كان والديها يفيضان بالترحيب بالشعراء والرموز الثقافية، مشيرةً إلى أنها كانت طفلة في ذلك الوقت ولا تذكر تفاصيل تلك الزيارة بدقة، لكنها استعادتها وتأملت معانيها عبر قوة الشعر التي تمنح ميزة التوثيق التاريخي من زاوية ذاتية وإنسانية.
جاء ذلك خلال حفل إطلاق ومناقشة ديوانها الجديد «ورق حائط»، والذي نظمته «دار العين للنشر» بمقرها في وسط البلد بالقاهرة، بحضور نخبة من الكُتّاب والمثقفين والإعلاميين.
وأوضحت سعيدي أن الجزائر كانت في فترة الثمانينيات حاضنة ومستقبلة للكثير من الشعراء والقوى السياسية والثقافية العربية؛ حيث زارها أحمد فؤاد نجم عقب خروجه من السجن، كما عاش فيها الشاعر العراقي سعدي يوسف لسنوات طويلة ودرّس بها، وكان فيها الشاعر عبد الوهاب البياتي والشاعر محمود درويش، فضلاً عن احتضان الجزائر لمنظمة التحرير الفلسطينية وإعلان قيام الدولة الفلسطينية على أرضها عام 1988.
وأضافت سعيدي أنه بالتوازي مع هذا الحراك الثقافي، عاشت الجزائر في تلك الفترة مرحلة صعبة تمثلت في «موت حلم الستينيات» والأحلام الكبرى، ودخول البلاد في أزمة اقتصادية وسياسية حادة وصلت ذروتها مع انتفاضة 5 أكتوبر 1988.
وأشارت إلى أن تلك التحولات تشبه إلى حد كبير ما عاشه المصريون في فترة السبعينيات مع سياسات الانفتاح الاقتصادي، والانتقال من النظام الاشتراكي القائم على تقليص الفوارق بين الطبقات إلى «اقتصاد السوق المفتوحة»، ودخول البضائع المستوردة التي غيرت النمط الاستهلاكي للمجتمع.
وألقت سعيدي الضوء على رمزية «سروال الجينز» في القصيدة، مبينةً كيف أن التحول الاقتصادي جعل الأطفال والشباب يتطلعون إلى اقتناء المنتجات المستوردة كـ «الجينز الأمريكي»، بعد أن كان المجتمع يرتدي من إنتاج الشركات الوطنية الموحدة.
وأكدت سعيدي خلال كلمتها أن قصيدة الشعر قادرة بأسطر قليلة على تلخيص هذا المشهد المعقد، لتكون مدخلاً لقراءة وتحليل تاريخ سياسي وثقافي واقتصادي مركب، مشددةً على إيمانها بأن الكتابة تجربة ذاتية بالمقام الأول لكن اتصال الذاتي بالعام يتيح تقديم زاوية مختلفة ومفيدة لقراءة التاريخ.
وبينت إن ديوانها «ورق حائط» يمثل «مخاطرة» حقيقية، مشيرة إلى أن الشاعر هو من لا يقبل العالم كما هو، ويحاول أن يقدم نفسه والعالم بطريقة مختلفة، وقد يخسر في سبيل ذلك بعض ما يحيط به، لكنه «يربح نفسه».
وأضافت سعيدي أن تجربتها مع الديوان بدأت منذ ديوانها الأول «نسيت حقيبتي ككل مرة»، والذي تناول السفر والقطارات والعوالم الداخلية، وكانت تحاول من خلاله تقديم نفسها إلى العالم كشاعرة والعثور على صوتها الخاص. لكنها بعد ذلك، عندما حاولت كتابة ديوان آخر بالطريقة نفسها، شعرت بأنها ستكرر تجربتها السابقة، ولم تستطع مواصلة الكتابة بالطريقة ذاتها.
وأوضحت أن الشاعر يحاول دائمًا أن يحفر داخل ذاته للوصول إلى مناطق غير مكتشفة في عوالمه الداخلية، لكن استمرار هذا الحفر باستخدام التجربة الذاتية وحدها قد يتحول إلى عملية عقيمة وإلى استئثار بالذات، مؤكدة أنها، مع تقديرها للتجارب التي تركز على الذاتية، أصبحت تشعر أحيانًا بأن بعضها، رغم اشتغاله على تقنيات شعرية كبيرة، لا يقدم لها شيئًا إضافيًا.
وأشارت إلى أن اطلاعها على تجارب شعرية أخرى، خصوصًا في الشعر الجزائري الذي كُتب بين نهاية الأربعينيات والستينيات من القرن الماضي، بعد الحرب العالمية الثانية وثورة التحرير وما بعد الاستقلال، ساعدها على إعادة النظر في علاقتها بالذات والقضايا العامة.
ولفتت سعيدي إلى أن اطلاعها على تجارب الشعر الجزائري المكتوب بالفرنسية في الخمسينيات والستينيات، بالإضافة إلى تيارات الحداثة في أمريكا اللاتينية (مثل إيديا فيلارينيو وماريو بينيديتي)، أعاد إليها التوازن الشعري؛ حيث أثبتت هذه التجارب إمكانية التعبير عن القضايا الكبرى والتاريخ والواقع دون التخلي عن الشرط الجمالي.
وأشارت إلى أن تجارب قامات مثل الشاعرة أنّا جريكي ويوسف سبتي الذي كتب عن تجربته بعد خروجه من مستشفى الأمراض العقلية، وغيرها من التجارب التي جمعت بين الهم الشخصي والقضايا الأوسع، كشفت لها عن آفاق جديدة لكتابة شعر يتجاوز الهرب الحداثي من العبء الجمعي، ويلتحم بالواقع والإنسان دون الوقوع في فخ الخطابية أو المباشرة.
وأوضحت إن هذه التجارب كانت مهمة بالنسبة إليها، لأنها جاءت في مواجهة انقسام داخل الشعرية العربية بين الشعراء التقليديين وشعراء القضايا والخطابة والغنائية من جهة، والشعراء الحداثيين الذين ابتعدوا عن هذا الضغط الجمعي وانغمسوا في همومهم الذاتية من جهة أخرى.
وقالت: «كنت بحاجة إلى العودة إلى التوازن»، موضحة أن الشاعر يستطيع أن يتحدث عن القضايا الكبرى والتحديات والتاريخ والواقع، من دون أن يتخلى عن شرط الجمال الشعري.
كما أشارت إلى اطلاعها على الشعر الأمريكي اللاتيني والتيارات الحديثة فيه، موضحة أنها وجدت تقاطعات بين السياقات السياسية والثقافية في الجزائر وأمريكا اللاتينية، خصوصًا في العلاقة الشائكة مع الغرب، والنضال التاريخي ضد الإمبريالية، والأزمات السياسية والانقلابات والحروب والأزمات المرتبطة باللغة وتعدد الأعراق.
وقالت إن الجزائر عاشت صراعًا داخليًا في تسعينيات القرن الماضي، بينما شهدت دول أمريكا اللاتينية بدورها أزمات سياسية متكررة، وهو ما جعل تجاربها الشعرية الحديثة قريبة منها على مستوى السياق والتجربة.
وأوضحت أن اطلاعها على التيار الحداثي في أمريكا اللاتينية بعد عام 1945، عقب الحرب العالمية الثانية، كشف لها عن تجارب شعرية تناولت موضوعات شخصية مثل الحب، ولكن بعيدًا عن الرومانسية التقليدية، من خلال تفاصيل واقعية ويومية.