الانسحاب الأمريكي من العراق وأوجه التشابه والاختلاف مع التجربة الأفغانية

آخر تحديث: الخميس 1 أكتوبر 2026 - 9:28 ص بتوقيت القاهرة

القاهرة - د ب أ

مع إعلان الجيش الأمريكي إتمام انسحاب جميع قواته من العراق، عقد كثيرون مقارنة بين ما حدث هناك بعد أكثر من عقدين من الانخراط الأمريكي، والتجربة الأمريكية في أفغانستان والتي استمرت لفترة مماثلة تقريبا، وإن بدا الانسحاب الأمريكي من العراق أكثر تنظيما.

ويتشابه الانسحاب الأمريكي من العراق، والذي تم على مرحلتين كانت الأولى في عام 2011 والثانية التي أتمت بنهاية سبتمبر 2026، والانسحاب من أفغانستان في عام 2021 في الرغبة السياسية لإنهاء الحروب الطويلة، لكنهما يختلفان بشكل كبير من حيث ظروف التنفيذ والتداعيات الميدانية.

وكان من الدوافع السياسية الداخلية للانسحابين، سعي الرئيسين السابقين، باراك أوباما وجو بايدن، للوفاء بوعود انتخابية تقضي بوقف استنزاف الموارد البشرية والمالية في حروب الشرق الأوسط. كما جاء كلا القرارين تحت وطأة أزمات اقتصادية وانتقادات داخلية واسعة لجدوى استمرار التواجد العسكري المباشر.

وتقاطع الانسحابان إلى حد كبير في تداعياتهما، حيث خلفا فراغا أمنيا ومخاوف إقليمية ودولية من عودة وتمدد الجماعات المتطرفة، لاسيما ما حدث مع المرحلة الأولى من الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية القتالية من العراق بنهاية عام 2011، حيث استغل تنظيم داعش الوضع لاحقا وسيطر على مساحات واسعة من البلاد في عام 2014، مما استدعى عودة القوات الأمريكية ضمن تحالف دولي لمحاربة التنظيم، وهو ما حدث مع مغادرة القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2021، حيث استولت حركة طالبان على السلطة.

وكان هناك تأكيد أمريكي في الحالتين على القضاء على التنظيمات الإرهابية وأنه لم يعد لهما وجود. وربما تكرر هذا التأكيد على لسان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي أشاد بانتهاء "رحلة باهظة التكاليف إلى الجحيم" في العراق.

ووصف ترامب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانسحاب بأنه "منظم"، وقال: "لقد استغرق الأمر وقتا طويلا، حيث تم اتخاذ قرارات سيئة للغاية أدت إلى تورطنا في هذا المستنقع في المقام الأول، لكن سرعان ما سيصبح ذلك جزءا من التاريخ".

واعتبر الرئيس الأمريكي هذا التحول "انتصارا" للولايات المتحدة والعراق، "ودليلا على الانتصار على تنظيم (داعش)".

ووسط قراءات مختلفة لهذا التطور، رأى المجلس الأطلنطي أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق فرصة لفتح صفحة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة المعقد هناك، "لكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى إنهاء الانخراط الأمريكي في العراق".

وقالت ألينا رومانوسكي السفيرة الأمريكية السابقة لدى بغداد (2022 – 2024) وفيكتوريا تايلور نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأدنى، في مقال بالمؤسسة البحثية التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، إن الإدارة الأمريكية انتهجت هذا المسار في محاولة لتجنب تكرار ما حدث عام 2011 من انسحاب من العراق وما تلاه من سيطرة تنظيم داعش على ما يقرب من ثلث الأراضي العراقية.

وأشارتا إلى أنهما كانتا جزءا من فريق التفاوض الأمريكي الصغير الذي عمل لمدة قاربت العام للتوصل إلى اتفاق مع بغداد يسمح بتقليص العملية على مراحل والانتقال إلى التعاون الأمني الثنائي.

وسردت الدبلوماسيتان السابقتان وجهتي نظر مختلفتين، فقالتا إنه بالنسبة لكثير من الأمريكيين، يعد العراق إحدى الحروب الأبدية الأصلية، ويأتي انسحاب الولايات المتحدة من العراق متوافقا مع رؤية الرئيس ترامب الرامية إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي الإجمالي في الشرق الأوسط، ولكن على الجانب الآخر سيحتفل بهذا الحدث التاريخي العديد من العراقيين والإيرانيين، الذين سعوا منذ فترة طويلة إلى رحيل القوات الأمريكية من العراق والمنطقة.

وأوضحتا أن الغزو الأمريكي الذي أطاح بـ"الديكتاتور" صدام حسين أدى إلى إزالة أكبر "عدو إقليمي" لطهران، ومهد الطريق لإيران لزيادة نفوذها في العراق اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

وبالنظر إلى الميليشيات العراقية المدعومة من إيران وتناميها قوة وعددا في السنوات التي تلت ذلك، رأت كاتبتا المقال أن أمام رئيس الوزراء العراقي الحالي علي الزيدي، مهمة صعبة، وهو الذي تعهد بنزع سلاح هذه الميليشيات. وقالت رومانوسكي وتايلور إنه رغم صعوبة هذه المهمة فهي "ليست مستحيلة، إذا كانت الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية مستعدة للعب دور على المدى الطويل في العراق".

وترك المقال الباب مفتوحا أمام احتمال عودة أمريكية من جديد، مشيرا إلى إن الدافع وراء الاستمرار في الانخراط في العراق يتجاوز مجرد "الأرواح والأموال" التي أنفقتها الولايات المتحدة بالفعل هناك، ويتعلق بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية على المدى الطويل، فعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، حاول كل رئيس أمريكي التوجه نحو آسيا وتقليص تركيز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، لكن كل إدارة وجدت نفسها "مجبرة على العودة" إلى المنطقة نتيجة للأزمات الإقليمية.

واستشهدتا بعودة القوات الأمريكية "لهزيمة تنظيم داعش، أو التصعيد الإقليمي الذي أعقب هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، أو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، فللولايات المتحدة مصالح دائمة في الشرق الأوسط أبقتها وستظل تبقيها منخرطة في المنطقة".

ورأتا أن حدوث هذا الانسحاب في خضم صراع أمريكي طويل الأمد مع إيران "يسلط الضوء على الأسباب ذاتها التي تدعو الولايات المتحدة إلى عدم الانسحاب من العراق". واعتبرتا أن الهجمات التي تشنها الميليشيات العراقية المدعومة من إيران طوال فترة هذه الحرب "تعد تذكيرا مهما بأن ما يحدث في العراق لا يقتصر على العراق وحده، سواء كانت حرب الخليج الأولى، أو حرب العراق، أو الحرب ضد تنظيم داعش، فقد كان لاستقرار العراق دائما تأثير إقليمي أوسع نطاقا. وبسكانه البالغ عددهم 45 مليون نسمة وموارده الهائلة من النفط والغاز، سيكون العراق لاعبا رئيسيا في اقتصاد المنطقة ويمكن أن يكون قوة للاستقرار... أو لعدم الاستقرار".

وقد يدفع البعض في واشنطن باتجاه أنه يجب التسليم بخسارة العراق بالفعل لصالح إيران، ويقولون إن استمرار الانخراط الأمريكي لن يسفر إلا عن مكاسب محدودة، وتقول رومانوسكي وتايلور "لكننا لا نرى الأمر على هذا النحو، فحتى مع تلاشي العراق من الوعي الأمريكي، تظل الولايات المتحدة في صدارة اهتمامات الطبقة السياسية العراقية، التي تنظر إليها باعتبارها ثقلا موازنا محوريا للتوسع الإيراني وشريان حياة اقتصاديا بالغ الأهمية. ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى آلاف الجنود لتغيير ميزان القوى"، وفقا للمقال.

وشددت الدبلوماسيتان السابقتان على ضرورة اضطلاع واشنطن بدور في مستقبل بغداد خلال المرحلة المقبلة لتضاف إلى حالة من الارتباك كشفتها تصريحات ترامب بشأن نهاية الصراع الذي وجدت من أجله القوات الأمريكية في العراق، حيث تحدث عن ضرورة عدم الانخراط في حروب تستنزف موارد بلاده البشرية والمادية في الوقت الذي يخوض فيه حربا مع إيران تقترب من شهرها السابع وسط عدم وضوح أهداف المهمة.

ومن جانبها، اعتبرت بغداد انتهاء المهمة الأمريكية مؤشرا على تنامي قوة العراق وسيادته. كما رحبت الجماعات المدعومة من إيران بالانسحاب، لكنه أثار مخاوف لدى عراقيين آخرين، خاصة في إقليم كردستان، حيث يخشى الكثيرون عودة ظهور تنظيم داعش، فضلا عن شن المزيد من الهجمات من جانب الجماعات المرتبطة بإيران، التي قد تزداد جرأة بعد رحيل القوات الأمريكية.

ومن ناحية أخرى، تثار تساؤلات حول مستقبل الميليشيات العراقية التي سعت حكومة بغداد إلى نزع سلاحها، دون تحقيق نجاح يذكر حتى الآن، في ظل حديث أبو حسين الحميداوي الأمين العام لكتائب حزب الله العراقي، وهي من أقوى الفصائل المسلحة وأكثرها تسليحا ونفوذا ضمن خريطة الميليشيات الموالية لإيران في العراق، عن انتصار "المقاومة الإسلامية الظافرة في هذه الجولة مع الاحتلال الأمريكي، والمنتصر فيها هو من يفرض شروطه على العدو".

وربما حملت كلماته دليلا على عدم النية في تسليم السلاح، حيث قال: "الكثير من دول العالم تمتلك أكثر من جيش وأكثر من منظومة عسكرية ويجب أن يكون القرار الأساسي في السلم والحرب واحدا، أو على الأقل متفقا عليه، وهو أمر مقبول لدينا".

ويرى مراقبون أن المحك الرئيسي أمام حكومة الزيدي سيبقى هو مدى قدرتها على بناء مؤسسات أمنية وطنية متماسكة، تعتمد على التوافق السياسي داخليا، بعيدا عن المظلة الدولية، وسط مخاوف من تحول المشهد الإقليمي إلى ساحة مفتوحة لنفوذ السلاح المنفلت، مما يجعل سيناريوهات الفوضى السابقة قابلة للتكرار في أي وقت.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved