سمير فؤاد يكتب عن الشكل الحلزوني في الفن والحياة

آخر تحديث: الجمعة 1 نوفمبر 2019 - 9:57 م بتوقيت القاهرة

فى الكون الشاسع تتشكل مجرة من دخان وغبار كونى يدور حول المركز فى شكل حلزونى.. وكذلك تكونت المجموعات الشمسية من شكل حلزونى يلف ويدور لتتركز معظم المادة فى المركز حيث ستكون الشمس.. والقليل المتبقى فى مدارات حولها لتصبح كواكبا وأقمارا.. وعندما تخمد الشموس العملاقة وتموت تتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل ما يقترب منه فى دوامة حلزونية هائلة.

الشكل الحلزونى أو اللولبى شكل كونى موجود فى كل أشكال الحياة.. فى أصل الحياة تنتظم الجينات فى الحمض النووى فى شكل حلزونى مزدوج.. وتتراص البذور فى صرة أنواع عديدة من الزهورمثل عباد الشمس فى شكل حلزونى حول نقطة المنتصف.. وينمو الشعر على رأس الإنسان فى شكل حلزونى حول نقطة المركز فى قمة الجمجمة.

تجد الشكل الحلزونى فى أشكال القواقع والنباتات.. وأنياب الأفيال وقرون الأيائل.. فى دوران الماء فى الدوامات ينسحب نحو القاع.. ودوران الهواء فى الأعاصير مندفعا من الأرض إلى العلاء.. فى مسار ريشة تسقط فى الهواء.. وإلتفاف ثعبان يعصر فريسته بين حلقاته.. ودوران عنكبوت يبنى نسيج بيته.

الحلزون هو مسار النمو فى الطبيعة وقد وعى الإنسان هذا كشكل ومفهوم.. فلا تخلو حضارة ولا فن من الفنون من الشكل الحلزونى منذ رسامى الكهوف والحضارة المصرية والإفريقية إلى حضارات أمريكا الجنوبية وفنون سكان أستراليا الأصليين.. فهو أحيانا يمثل مسار دورة الحياة والموت ثم البعث.. وأحيانا أخرى يصور تتابع الفصول سنة بعد سنة وحقبة بعد الأخرى عبر زمن لانهائى.. وقد مثلته الأساطير كمسار رحلة الإنسان البطل هبوطا فى كفاحه الدائم للوصول إلى السكينة فى مركز المعرفة.. كما مثلته الأديان رمزا لصعود الروح فى رحلتها وتساميها نحو مستويات الوعى العليا حيث الحياة السرمدية.

استعمل الفنان الإسلامى الشكل الحلزونى بكثرة لإنه كان يلجأ إلى الطبيعة يستلهم من أشكالها فى تصميماته المعمارية وفى تكويناته الزخرفية ولأن الشكل الحلزونى تطابق مع الفكر الإسلامى فى رحلة المؤمن من شقاء الأرض إلى نعيم السماء.. وتجسد هذا فى التصميم العجيب للمئذنة الملوية لجامع السامراء فى بغداد وشقيقتها فى جامع إبن طولون بالقاهرة.. كما نراه فى الكثير من التصميمات الزخرفية لوحدات لولبية متداخلة توحى بدورة الحياة وسعى المؤمن الحثيث نحو الحياة الآخرة.. ونجد أكثر نماذج إستعمال الحلزون ذكاء وإمتاعا تلك الموجودة فى الكثير من المنمنمات الإسلامية والتى تم ترتيب عناصر اللوحة فيها فى شكل حلزونى.

ظهر الحلزون كثيرا فى الفن التشكيلى فى جميع العصور..فى مولد «فينوس» للفنان الإيطالى «بوتتشيللى» فى القرن الخامس عشر.. فى «خلق آدم» لـ«مايكل أنجلو» والتى رسمها على سقف كنيسة السيستين بالفاتيكان فى عصر النهضة.. وفى القرن العشرين فى العمل الكبير «الحلزون حاجز البحر» للفنان الأمريكى «روبرت سميثسون»، وهو العمل الذى ينتمى إلى فن الأرض والذى نفذه على شاطئ البحيرة المالحة الكبرى فى يوتاه بالولايات المتحدة.

فى فننا التشكيلى المعاصر إستعمل الفنان محمود سعيد التكوين الحلزونى فى لوحة رقصة الدراويش من إنتاج عام 1928 وتمثل الدراويش المولوية فى رقصهم وهم يدورون حول نفسهم متمثلين حركة الكواكب فى دورانها حول نفسها ودورانها حول الشمس.

وكمثال يوضح القدرة التعبيرية لاستعمال الشكل الحلزونى فى الفن التشكيلى تقفز إلى الذهن لوحة فان جوخ الرائعة «ليلة مضاءة بالنجوم» والتى رسمها عام 1889 من نافذة المصحة التى احتجز بها فى سان ريمى فى بروفنس بعد إصابته بإنهيار عصبى.. صور فان جوخ فيها القرية الوادعة فى حضن الجبل تطل عليها من مقدمة اللوحة شجرة سرو عملاقة تتلوى أوراقها صاعدة فى أشكال لولبية نحو السماء المضاءة بالنجوم البراقة وكذلك هلال القمر اللامع.. وتزحف السحب متلاطمة فى تكوينات حلزونية متداخلة تكمل معزوفة الكون الإلهى.. وقد عبر فان جوخ عن إحساسه بهذا فقال: «فى البدء تذبذبت النجوم البراقة.. ولكنها ظلت ساكنة فى الفضاء.. ثم توحدت الأجرام الكونية فى سلسلة واحدة من الحركات.. وتلاشت السماء والكواكب.. وظلت أنفاس العلى القدير باقية.. فهى التى تهب جميع المخلوقات وتربطها جميعا معا».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved