أطفال خرجوا من أجل لقمة العيش فعادوا في نعوش.. حكايات ضحايا حادث الطريق الأوسطي
آخر تحديث: الأحد 1 نوفمبر 2026 - 11:48 ص بتوقيت القاهرة
مصطفى البنا
- أهالي الفيوم يروون اللحظات الأخيرة لأبنائهم.. طفلة سلمت والدها يوميتها قبل رحيلها وأخرى كانت تستعد للزفاف وطفل أصر على العمل رغم رفض أبيه
- محافظ الفيوم يوجه مديرية التضامن الاجتماعي بسرعة إنهاء إجراءات صرف المساعدات المالية العاجلة
"خدهم يا أبويا".. بهذه الكلمات منحت الطفلة آلاء والدها حصيلة يوم عملها، دون أن تعلم أنها ستكون آخر كلماتها إليه، وأن المبلغ الصغير الذي وضعته في يده سيتحول إلى ذكرى موجعة لا تفارق قلبه، وفي منزل آخر، كان أب ينتظر عودة ابنته جنا، بينما كانت حبيبة تحلم باستكمال جهاز زفافها، وأحمد يصر على الذهاب إلى العمل لمساعدة أسرته، رغم رفض والده.
لم تكن هذه مجرد حكايات لأسماء وردت في قائمة ضحايا حادث مروري، بل قصص أطفال وشباب ونساء خرجوا من عزبتي سليمان تادروس وأبو حجاب بمركز سنورس في محافظة الفيوم، بحثًا عن لقمة العيش، فعاد بعضهم في نعوش، تاركين خلفهم أسرًا لم تستوعب بعد أن أبناءها لن يعودوا مرة أخرى.
ففي الساعات الأولى من صباح السبت، تحولت رحلة عمال إلى مأساة، إثر تصادم سيارة ميكروباص تقل عمالًا بسيارة نقل ثقيل «تريلا»، عند تقاطع الطريق الأوسطي مع طريق الضبعة بنطاق قسم ثاني 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، ما أسفر عن مصرع 10 أشخاص وإصابة 22 آخرين، معظمهم من أبناء مركز سنورس، بينهم أطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم 12 عامًا.
• جنا.. أول رحلة عمل انتهت بالرحيل
داخل منزل يكسوه الحزن، يستعيد سيد جودة، 50 عاما، سائق، تفاصيل ابنته جنا، صاحبة الـ12 عاما، تلميذة الصف السادس الابتدائي، التي لم تكن اعتادت الخروج للعمل، إذ كانت رحلتها الأخيرة أول تجربة لها في العمل باليومية، بعدما ذهبت برفقة إحدى قريباتها لمساعدة أسرتها في نفقات المعيشة.
وبين دموعه، قال الأب لـ«الشروق»، إن جنا كانت روحه وعقله، وإنه لم يرها منذ 3 أيام بسبب ظروف عمله، قبل أن يتلقى خبر الحادث، الذي لم يستطع استيعابه.
لم يتخيل أن تكون رحلة ابنته الأولى للعمل هي الأخيرة، وأن الطفلة التي كان ينتظر عودتها إلى المنزل ستعود إليه جثمان، بعدما خرجت تحمل أحلامًا أكبر من سنوات عمرها.
• آلاء.. يومية صغيرة تركتها لوالدها قبل الرحيل
أما عبد الهادي سيد، سائق توك توك، فقد فقد ابنته آلاء، البالغة من العمر 12 عامًا، في الحادث، كما فقد ابنة شقيقه جنا، التي كانت بين الضحايا أيضًا.
وقال والد الطلفة لـ«الشروق»، إنه يعول 4 أبناء، ويعاني ظروفًا صحية لا تمكنه من العمل بانتظام، إذ لا يستطيع العمل سوى يومين أسبوع، وهو ما دفع ابنته إلى الخروج للعمل باليومية مع أبناء القرية لمساعدته في توفير احتياجات الأسرة.
وأضاف، أن آخر لقاء جمعه بابنته كان ليلة الحادث، بعدما عادت من العمل وأعطته مبلغًا من المال حصلت عليه مقابل يوميتها، قائلة: «خدهم يا أبوي» كلمات لم يكن الأب يعلم أنها ستكون الأخيرة، مؤكدا أن المبلغ الذي منحته إياه ابنته سيبقى ذكرى تختصر حكاية طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة، خرجت لتساعد والدها المريض، فعادت إليه في نعش.
• حبيبة.. حلم الزفاف لم يكتمل
وفي منزل آخر، يعيش عصام محمد، الذي يعمل في مهنة التنجيد، مأساة فقدان ابنته حبيبة، البالغة من العمر 17 عامًا، والتي كانت تسعى للعمل باليومية للمساهمة في تجهيز نفسها واستكمال متطلبات زواجها.
وقال والدها لـ«الشروق»، إن آخر لقاء جمعهما كان قبل الحادث بيوم واحد، عندما تحدثت معه بشأن جهازها، وقالت له: «أنا زعلانة منك عشان تجيب لي الجهاز بتاعي».
كانت حبيبة تحلم بيوم زفافها، وتعمل لتساعد أسرتها في تجهيز عش الزوجية، لكن حلمها انتهى قبل أن يتحقق، وبقيت كلماتها الأخيرة عالقة في ذاكرة والدها.
• آية وأحمد.. غياب الآباء وإصرار طفل على العمل
ولم تتوقف الحكايات عند جنا وآلاء وحبيبة، إذ فقد هاني كمال ابنته آية، البالغة من العمر 14 عام، بينما كان يعمل خارج المحافظة لتوفير احتياجات أسرته، ولم يكن قد رآها منذ 3 أيام بسبب ظروف عمله.
وفي الحادث نفسه، فقد شقيقه رجب كمال نجله أحمد، صاحب الـ12 عاما، الذي أصر على الذهاب للعمل في إحدى المزارع لمساعدة أسرته، رغم رفض والده في البداية.
وبحسب رواية الأسرة، طلب أحمد من والده السماح له بالعمل، لكن الأب رفض، غير أن الطفل أصر على الذهاب، وتوجه للمبيت لدى جدته انتظارًا لموعد تحرك سيارة العمال، قبل أن يستقل الميكروباص نحو الثانية صباحًا.
كان أحمد يعيش مع شقيقتيه أميرة وبسنت، فيما يعمل والده بمدينة السادس من أكتوبر بأحد مصانع الحديد والصلب، ويتحمل مشقة الغربة لتوفير احتياجات الأسرة.
لكن إصرار الطفل على مساعدة أسرته انتهى برحيله، ليجد والده نفسه أمام مأساة لم يكن يتخيلها.
• هيام.. رحلة كفاح انتهت قبل زفاف ابنتها
ولم تقتصر المأساة على الأطفال، فقد كانت هيام حسن حسين، البالغة من العمر 50 عاما، واحدة من ضحايا الحادث، بعدما خرجت للعمل اليومي في مزارع الطماطم وتنظيف حشائش البصل، بحث عن مبلغ يساعدها على استكمال تجهيز ابنتها، التي كان مقررًا عقد قرانها خلال 15 يوما.
كانت الأم تحلم برؤية ابنتها عروس، وتسعى إلى المساهمة بما تستطيع في تجهيز منزلها، لكنها لم تعد من رحلة العمل.
وكشف أحد أبناء القرية، لـ«الشروق»، أن هيام كانت تتولى تجميع العمالة من العزبة وعزبة جودة المجاورة، والتوجه بهم إلى أماكن العمل بالمزارع، مشيرًا إلى أن رحيلها ترك زوجًا بسيطًا و7 أبناء في مواجهة حياة أكثر صعوبة بعد فقدان الأم التي كانت تسعى لتوفير احتياجاتهم.
• 150 جنيها.. أجر يوم طويل في الحقول
خلف هذه الحكايات، تبرز الظروف المعيشية التي دفعت أطفالًا إلى الخروج للعمل في المزارع، مقابل أجور تتراوح، بحسب روايات الأهالي، بين 100 و150 جنيهًا، نظير تنظيف البصل وجمع المحاصيل، في ساعات عمل تمتد من الصباح الباكر حتى الخامسة مساءً.
مبالغ محدودة، لكنها كانت تمثل بالنسبة إلى أسر تعتمد على الدخل اليومي مساهمة مهمة في توفير الطعام والاحتياجات الأساسية، حتى أصبح بعض الأطفال يشاركون آباءهم وأمهاتهم أعباء الحياة، بدلًا من قضاء يومهم بين المدرسة واللعب.
وكان بين الضحايا أطفال لم يتجاوزوا الثانية عشرة والرابعة عشرة، خرجوا إلى الحقول في أعمار كان من المفترض أن تكون الأولوية فيها للتعليم والتنشئة، لكن ضغوط المعيشة دفعتهم إلى تحمل مسؤوليات تفوق سنوات عمرهم.
• قريتان في سرادق عزاء.. والحزن يتجاوز حدود الطريق
تحولت عزبتا سليمان تادروس وأبو حجاب إلى سرادق عزاء كبير، بعدما استقبلت الأسر جثامين أبنائها، وشيع المئات من الأهالي الضحايا عقب وصول الجثامين من مشرحة مستشفى 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة.
لم تكن جنا وآلاء وحبيبة وآية وأحمد وهيام مجرد أسماء في قائمة ضحايا حادث مروري، بل كان لكل منهم بيت ينتظره، وأحلام لم تكتمل، وأسرة كانت ترى في عمله مساعدة بسيطة لعبور أعباء الحياة.
خرجوا في الساعات الأولى من الصباح بحثًا عن بضعة جنيهات تخفف عن أسرهم قسوة المعيشة، لكن رحلتهم انتهت قبل أن يعودوا بما جمعوه من أجور.
• تفاصيل الحادث وتحرك المحافظة
وكان الطريق الأوسطي قد شهد، فجر السبت الماضي، تصادم بين سيارة ميكروباص وأخرى نقل ثقيل «تريلا»، أثناء توجه مستقلي الميكروباص للعمل بإحدى المزارع بطريق مصر الإسكندرية الصحراوي، ما أسفر عن مصرع 10 أشخاص وإصابة 22 آخرين بإصابات متفرقة.
وانتقلت سيارات الإسعاف والأجهزة الأمنية إلى موقع الحادث، وجرى نقل جثامين المتوفين إلى مشرحة مستشفى 6 أكتوبر، والمصابين إلى المستشفيات لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.
ومن جانبه، قدم الدكتور محمد هاني غنيم، محافظ الفيوم، واجب العزاء لأسر الضحايا، مؤكدًا متابعته منذ وقوع الحادث أعمال التنسيق مع الجهات المعنية بمحافظة الجيزة ووزارة الصحة، للوقوف على مستجداته وتسهيل نقل المصابين والجثامين واستخراج تصاريح الدفن.
ووجه المحافظ مديرية التضامن الاجتماعي بسرعة إنهاء إجراءات صرف المساعدات المالية العاجلة، وتوفير أوجه الرعاية والدعم لأسر المتوفين والمصابين، مؤكدًا استمرار متابعة الأجهزة التنفيذية للموقف وتلبية احتياجات الأسر المتضررة.