صناعة المستقبل من قلب النار.. «الشروق» داخل «حلوان للمسبوكات» قلعة المسبوكات الهندسية
آخر تحديث: الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 7:41 م بتوقيت القاهرة
مصطفى المنشاوي:
سواعد مصرية تتحدى 1400 درجة مئوية.. «حلوان للمسبوكات» تصنع منتجات تنافس عالميا
من خردة معدنية إلى صناعات استراتيجية.. منتجات بمواصفات قياسية بمسبك لوازم المحركات وخط «الفيوران» لإنتاج جسم المحركات
طفرة تكنولوجية.. مسبك «سِنتو» يرفع طاقة الشركة إلى 30 ألف طن سنويا
صناعات تنفرد بها مصر.. لقم جنازير الدبابات وأجزاء المدافع بأيادٍ مصرية
معامل الجودة.. استخدام الأشعة السينية والجسيمات الممغنطة لاكتشاف العيوب
عمال مصنع 9 الحربى: العمل هنا ليس مجرد وظيفة بل رسالة وطنية لحماية الصناعة
المفوض العام لـ«حلوان للمسبوكات»: نمتلك كوادر هندسية وفنية قادرة على بناء صناعة متكاملة تنافس عالميًا
داخل أسوار شركة حلوان للمسبوكات، لا يشبه المشهد أى مصنع تقليدى، هنا تتوهج النيران بلا توقف، وتتعالى أصوات الأفران العملاقة، بينما يتحرك العمال والمهندسون فى تناغم دقيق أشبه بخلية نحل لا تهدأ.
وبين ألسنة اللهب وصوت الحديد المنصهر، يواصل رجال «حلوان للمسبوكات» كتابة فصل جديد من فصول الصناعة المصرية، مؤكدين أن المستقبل يبدأ من قلب المصانع.
فى هذا الصرح الصناعى التابع لوزارة الإنتاج الحربى، تتحول الخردة المعدنية إلى منتجات استراتيجية تدخل فى الصناعات العسكرية والمدنية، من قطع غيار القطارات والسيارات إلى مكونات الأسلحة والمركبات المدرعة.
مسافة قصيرة تقطعها سيرا على الأقدام من محطة مترو «عين حلوان»، حتى تواجهك لافتة تشير إلى الشركة «أهلاً بكم فى حلوان للمسبوكات مصنع 9 الحربى»، أسفل اللافتة تواجهك بوابة الصرح العملاق التى يمكنك من خلفها رؤية عنابر، كل منها مخصص لصنع مجد جديد من خلال تحويل الخردة المعدنية إلى منتجات استراتيجية.
وفى جولة «الشروق» الميدانية داخل الشركة، شهدنا منذ اللحظة الأولى ملامح الانضباط والدقة، وتفرض حرارة الأفران حضورها القاسى على الجميع، لكن العاملين هنا اعتادوا المواجهة اليومية مع درجات حرارة تتجاوز (1400) درجة مئوية، مدفوعين بإيمان أنهم يشاركون فى بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة.
أنشئت شركة حلوان للمسبوكات عام 1958 لتكون أكبر مجمع للمسابك المتخصصة فى مصر والشرق الأوسط، ومنذ ذلك الحين لعبت دورًا محوريًا فى دعم الصناعات الثقيلة والمشروعات القومية، عبر إنتاج مسبوكات هندسية عالية الدقة من الزهر الرمادى والمرن والصلب بمختلف أنواعه.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الشركة طفرة كبيرة فى التطوير التكنولوجى، بخاصة مع إنشاء مسبك «سِنتو» الحديث، الذى يعد من أحدث المسابك على مستوى الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 ألف طن سنويًا، ليرفع إجمالى الطاقة الإنتاجية للشركة إلى نحو 30 ألف طن سنويًا.
وتتنوع منتجات الشركة حيث تشمل ديسكات وطنابير الفرامل، وأغطية الصرف الصحى، وشمعات رباط السفن، وقطع غيار السكك الحديدية، ومكونات الطلمبات الغاطسة، بالإضافة إلى أجزاء تدخل فى الصناعات العسكرية الدقيقة.
فى قلب المسبك، يقف العمال أمام الأفران العملاقة فى مشهد يبدو أقرب إلى معركة يومية مع النار، شرارات المعادن المنصهرة تتطاير فى كل اتجاه، بينما يتحرك الفنيون بخبرة شديدة لصب المعدن بدقة داخل قوالب متناهية.
المهندس نصر الدين عطية، مدير عام مسبك السباكة الدقيقة، شرح تفاصيل هذه العملية الشاقة، موضحا أن الخردة المعدنية تُشحن داخل الأفران عبر أنظمة نصف آلية، ثم تخضع العينات لتحاليل كيميائية متتالية قبل بدء الصب، للتأكد من مطابقة الخلطة المعدنية للمواصفات المطلوبة.
وأضاف عطية، أن عملية الصهر تبدأ عند درجات حرارة تصل إلى 1300 درجة مئوية، بينما تبدأ عمليات الصب عند نحو 1525 درجة مئوية، مؤكدًا أن كل منتج يحتاج إلى درجات حرارة وطريقة معالجة مختلفة وفقًا لطبيعته الفنية.
وتحدث المهندس محمد خضر، رئيس قطاع مسبك لوازم المحركات، عن مدى أهمية المسبك الذى يعمل بالسباكة اليدوية للمسبوكات الثقيلة والمتوسطة وغيرها من المسبوكات الخاصة التى تحتاج إلى نعومة سطح مثل المحابس وشمعات الرباط والطلمبات والتروس وكذلك معظم المنتجات التى تحتاج إلى سباكة يدوية، سواء منتجات عسكرية أو مدنية، مما يسهم فى زيادة الاعتماد على المنتج المحلى الذى يتم تصنيعه بجودة عالية تنافس مثيلها المستورد.
وأوضح خضر، أن قسم الصهر يمد المسبك بالمعدن المطلوب سواء الزهر الرمادى أو المرن؛ حيث يتكون القسم من فرنى حث كهربائى بتكنولوجيا ألمانية، سعة الفرن بإنتاجية معدة لصهر 6 أطنان/ ساعة للفرن الواحد، بالإضافة إلى خلاطات رمال، بما يساهم فى تحقيق معدلات إنتاج عالية وجودة متميزة، مضيفا أن هذا المعدن المصهور تحتاج إليه الروازق التى يتم تشكيلها بقسم تجهيز الرمال الجديدة «فيوران» والتى تعد أحد أهم مستلزمات صناعة الإنتاج حيث تهدف إلى رفع جودة المنتج النهائى بالمواصفات القياسية المطلوبة.
وأكد أن هذا القسم يعمل وفق أحدث تكنولوجيا الإنتاج بالرمال والتى تحد من الهالك فى الصناعة، مبيّنا أن «الفيوران» حديثة وسريعة فى إنتاجيتها وتوفر نعومة وجودة سطح فائقة، والمسبوك بعد صبه يتم تنظيفه من أى شوائب فى قسم آخر حتى يصبح المنتج نهائيًا.
فى ورش النماذج المعدنية والخشبية، تبدو صورة أخرى للتطور الصناعى، ماكينات CNC الحديثة وماكينات الراوتر خماسية المحاور تعمل بدقة هائلة لتشكيل النماذج والقوالب المستخدمة فى عمليات الصب.
وقال المهندس محمد عبد المعطى، رئيس قطاع النماذج والتشغيلات: إن المصنع يعتمد على أحدث برامج التصميم الهندسى ثلاثى الأبعاد CAD، لإنتاج نماذج معقدة بدقة وسرعة كبيرتين، سواء لمحابس المياه أو شمعات رباط السفن أو المكونات العسكرية.
وأوضح عبد المعطى، أن بعض النماذج الصغيرة يتم تجهيزها خلال ساعات قليلة، بينما تستغرق النماذج العملاقة عدة أيام من العمل المتواصل. أما داخل مسبك «سِنتو»، فتعمل أفران الحث الألمانية العملاقة على إنتاج مسبوكات دقيقة تدخل فى صناعة السيارات والنقل الثقيل والمرافق العامة، وسط منظومة تشغيل مستمرة على مدار الساعة.
ما يميز «حلوان للمسبوكات» أنها تنفرد بإنتاج عدد من المنتجات الاستراتيجية التى لا يتم تصنيعها فى الشرق الأوسط إلا داخل هذه الشركة.
وفى الجانب العسكرى، تشارك الشركة فى تصنيع أجزاء من الأسلحة والذخائر والمركبات المدرعة، فضلًا عن لقم جنازير الدبابات وأجزاء المدافع والهاونات، ضمن منظومة التكامل بين شركات الإنتاج الحربى المختلفة.
وداخل معامل الجودة، تبدو الصورة مختلفة تمامًا، أجهزة تحليل متطورة، واختبارات دقيقة لا تتوقف لضمان مطابقة المنتجات للمواصفات العالمية.
ويقول الكيميائى أحمد مصطفى عزت، رئيس قطاع الجودة: إن الشركة تنتج شمعات رباط السفن المستخدمة فى الموانئ بأحمال تصل إلى 300 طن، مشيرًا إلى أن أغلب الموانئ المصرية المطورة خلال السنوات الأخيرة تعتمد على منتجات الشركة.
يضيف عزت: «حلوان للمسبوكات» تنتج أيضًا ديسكات الفرامل وقطع غيار النقل الثقيل والحفارات والكسارات، إلى جانب منتجات تدخل فى قطاعات الأسمنت والرى والبترول والسكك الحديدية.
وأشار إلى أن جميع مراحل الإنتاج تخضع لفحص صارم، بداية من تحليل الخامات وحتى المنتج النهائى، عبر اختبارات كيميائية وفيزيائية وإشعاعية.
وأوضح عزت أنه يتم استخدام أجهزة الأشعة السينية والجسيمات الممغنطة لاكتشاف العيوب الداخلية والسطحية للمسبوكات، مؤكدًا أن الشركة تطبق منظومة جودة متكاملة تضاهى كبرى الشركات العالمية.
وخلال تفقده المصنع، وجه المهندس صلاح سليمان جمبلاط، وزير الدولة للإنتاج الحربى، رؤساء مجالس إدارات كل الشركات التابعة للوزارة، بضرورة التواجد بصورة مستمرة وسط خطوط الإنتاج للاطمئنان على سير العمل، والاستماع إلى مقترحات العاملين بشأن العملية الإنتاجية واستفساراتهم ومطالبهم.
كما يحرص المهندس محمد على خليفة، المفوض العام لشركة حلوان للمسبوكات، فى جولته اليومية بين خطوط الإنتاج بالشركة، على متابعة سير العمل والحديث المباشر مع العمال والمهندسين.
وفى حديثه لـ«الشروق»، خلال الجولة، أكد خليفة، أن مصر تمتلك كوادر هندسية وفنية قادرة على بناء صناعة متكاملة تنافس عالميًا.
فى نهاية الجولة، كان واضحًا أن «مصنع 9 الحربى» ليس مجرد منشأة صناعية، بل مدرسة حقيقية للخبرة والانضباط والعمل الشاق، العاملون هنا يتحدثون بلغة واحدة عنوانها الانتماء، ويؤمنون بأن كل قطعة تخرج من خطوط الإنتاج تمثل مساهمة مباشرة فى دعم الاقتصاد الوطنى وتعزيز الاعتماد على المنتج المحلي.
ورغم صعوبة العمل، فإن العاملين يتحدثون بفخر واضح عن دورهم داخل هذا الكيان الصناعى الكبير. أحد العمال أكد أن العمل داخل مصانع الإنتاج الحربى ليس مجرد وظيفة، بل رسالة وطنية حيث نشعر أننا نشارك فى حماية الصناعة المصرية وتقليل الاستيراد.