إحنا روح المكان.. حراس التراث بين وعود تطوير الأسواق التاريخية ومخاوف البقاء

آخر تحديث: الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 12:25 م بتوقيت القاهرة

هند الشناوي

- خبيران: نجاح تطوير الأسواق التاريخية مرهون بحماية التراث الحي
- دعوات لإشراك الملاك والباعة في صياغة مستقبل الأسواق التاريخية

عند الحديث عن مشروعات تطوير القاهرة الخديوية، لا يقتصر الأمر على ترميم المباني أو تحسين الواجهات، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا عن البشر الذين صنعوا روح هذه الأماكن لعقود طويلة؟.

ففي قلب القاهرة، تمثل الأسواق التاريخية ذاكرة حية للمدينة، ليس فقط بطابعها المعماري، وإنما أيضًا بالباعة والحرفيين الذين ارتبطت حياتهم بها، وشكّلوا جزءًا من هويتها اليومية، لذلك، فإن أي مشروع لإحياء هذه الأسواق يظل مرهونًا بقدرته على الحفاظ على هذا التراث الحي، لا الاكتفاء بإعادة تأهيل الحجر.

وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت محافظة القاهرة إلى إعادة إحياء عدد من الأسواق التاريخية ضمن خطة أوسع لتطوير القاهرة الخديوية واستعادة طابعها العمراني والتراثي، من بينها سوق العتبة وسور الأزبكية، إلى جانب دراسة تطوير سوق باب اللوق، أحد أقدم الأسواق المركزية في العاصمة.

وتشمل خطط التطوير تحسين البنية التحتية، وترميم المباني التراثية، وإعادة تنظيم الأنشطة التجارية، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية داخل القاهرة الخديوية لكن، بالتوازي مع هذه الجهود، تبرز تساؤلات حول كيفية الحفاظ على الطابع الشعبي والأنشطة التقليدية التي تشكل روح هذه الأسواق، خاصة مع تخوف بعض الباعة من أن تتحول مشروعات الإحياء إلى تغيير كامل لطبيعة المكان.

وترى الدكتور سهير حواس أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة أن تطوير الأسواق التاريخية لا يجب أن يقتصر على ترميم المبنى فقط، بل يجب أن يحافظ على الأنشطة والحياة اليومية التي تميز هذه الأسواق منذ عقود.

وقالت حواس في تصريحات لـ«الشروق»: "الأسواق التاريخية عانت لفترات طويلة من الإهمال والتهميش وغياب الرقابة، ما أدى إلى انتشار العشوائيات والتعديات داخلها، مشيرة إلى أن سوق باب اللوق مسجل ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز والخاضعة للحماية وفقًا للقانون رقم 144 لسنة 2006.

وأضافت أن السوق واجه على مدار سنوات مشكلات متعددة، من بينها الإشغالات والبناء العشوائي داخل الممرات، إلى جانب صعوبة أعمال الصيانة والترميم بسبب تعدد الورثة وارتفاع التكلفة.

وأكدت حواس أن أي مشروع لإعادة إحياء السوق يجب أن يخضع لدراسة دقيقة تضمن الحفاظ على عناصره المعمارية الأساسية، مع توفير اشتراطات تضمن استدامة المشروع وعدم عودة الإهمال مرة أخرى، موضحة أن الحفاظ على الأسواق التاريخية لا يتحقق بالشكل المعماري فقط، وإنما بحماية طبيعتها الاجتماعية والاقتصادية أيضًا.

وفي السياق نفسه، قال الدكتور خالد زكي حواس أستاذ التصميم الداخلي بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان، إن نجاح تطوير سوق باب اللوق يرتبط بتحقيق توازن بين الحفاظ على القيمة التراثية للمبنى، واستمرار النشاط التجاري والإنساني داخله.

ويستند حواس في رؤيته إلى دراسة أكاديمية سابقة أعدها حول سوق باب اللوق وإعادة توظيفه عمرانيًا، مشيرًا إلى أن السوق يعاني من تعديات وإضافات غير مدروسة غطّت على الممرات الداخلية ووحدات البيع، ما تسبب في تشويه بصري وفقدان جزء من الطابع الأصلي للمكان.

ويضيف حواس في تصريحات لـ"الشروق": "ضعف الإيجارات وارتفاع تكاليف الصيانة دفعا بعض الملاك على مدار سنوات إلى السماح بإضافات عشوائية داخل السوق، ما ساهم في زيادة حالة التدهور".

وطالب حواس بوجود منظومة متكاملة تضم الجهات الحكومية بالاشتراك مع المُلاك لوضع ضوابط واضحة للترميم وإعادة التأهيل، مع دراسة احتياجات سكان المنطقة والباعة قبل تحديد طبيعة الاستخدامات المستقبلية، حتى لا يتحول السوق إلى مجرد واجهة معمارية منفصلة عن الناس الذين صنعوا تاريخه.

ويبرز سوق باب اللوق كأحد أبرز النماذج التي تعكس هذا التحدي، بالتزامن مع تحركات محافظة القاهرة لدراسة مشروع تطويره وإعادة إحيائه واستعادة طابعه التاريخي، بعد سنوات من التراجع والإهمال.

وكانت محافظة القاهرة قد أعلنت عن تشكيل لجنة فنية وقانونية لدراسة مشروع تطوير السوق، بهدف الحفاظ على قيمته التراثية والمعمارية، وإعادة تنظيمه بما يتناسب مع طبيعة المنطقة المحيطة، بحسب تصريحات سابقة للدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة.

أُنشئ سوق باب اللوق عام 1912 على يد رجل الأعمال يوسف أصلان قطاوي، مستلهمًا تصميمه من الأسواق الفرنسية المغطاة، وعلى رأسها سوق “ليه آل” الشهير في باريس.

ويقع السوق على مساحة تتجاوز 6200 متر مربع، وعلى مدار أكثر من قرن، ظل شاهدًا على تحولات القاهرة، من عصر الازدهار الخديوي وحتى فترات التراجع والعشوائية، قبل أن تعود خطط الإحياء لتضعه مجددًا في دائرة الاهتمام.

داخل الممرات القديمة للسوق، لا تبدو الحكاية مجرد محال تجارية، بل سنوات طويلة من العمل والعلاقات اليومية والذكريات التي صنعت هوية المكان.

من أبو النمرس بالجيزة إلى باب اللوق، رحلة امتدت لأكثر من 35 عامًا داخل السوق، هكذا يروي عم زكريا صالح، 72 عامًا، قصته مع “صنعة الجلود” التي أفنى فيها عمره.

يقول وهو يجلس وسط حقائب جلدية صنعها بيديه «أنا جيت السوق سنة 90، واشتغلت في الجلود من سنة 70. بدأت صنايعي في ورشة صغيرة في شارع صبري أبو علم، وبعدها أجرت الورشة هنا عشان يبقى عندي شغلي الخاص».

ترك عم زكريا المدرسة في الصف الرابع الابتدائي، وتنقل بين مهن مختلفة قبل أن يستقر في صناعة الجلود، التي يعتبرها “صنعة العمر”. وحتى اليوم، لا يزال يصنع الشنط الحريمي يدويًا، ويستقبل زبائن يعرفونه منذ سنوات طويلة.

ورغم ترحيبه بفكرة تطوير السوق، فإنه يخشى من ارتفاع الرسوم والتكاليف الجديدة، موضحًا أن الحي أرسل منشورًا عبر اتحاد ممثلي التجار يطالب بدفع 500 جنيه شهريًا مقابل أعمال الصيانة والنظافة، بينما لا يتجاوز إيجار الورشة 100 جنيه.

ويقول: «لو دفعت كل التكاليف دي، ممكن أضطر أبيع الورشة مع الوقت. لازم يكون فيه فرق بين الورش الصغيرة والمحلات الكبيرة، مش كل الناس تدفع نفس الرسوم».

فيما اشتكى أحد الباعة من غياب التواصل مع أصحاب المحال قبل بدء بعض الأعمال داخل السوق، مؤكدًا أنه فوجئ بإزالة أجزاء من محله دون إنذار واضح.

ويقول: «لما يحصل تطوير لازم يمشي على الكل مش ناس وناس. أنا مفيش حد سألني ولا حد بلغني بحاجة، واتفاجئت إنهم هدّوا جزء من المحل وشالوا عدادات الكهربا».

وأضاف :«أنا بقالي هنا 50 سنة ببيع كوارع، وورثت المكان عن والدي، وورقنا كله سليم. لو الدولة عاوزة تطور السوق لازم تقعد مع الناس وتشركهم في المشروع، لأن السوق ده مش مجرد مبنى، ده أكل عيش ناس كتير».

أما عم سعيد إبراهيم، تاجر خضروات، فيرى أن الخطر الأكبر لا يتعلق بالمباني فقط، بل بتغيير طبيعة السوق نفسه، يقول:«السوق من ساعة ما اشتغلنا فيه محصلش فيه تطوير حقيقي، والعشوائية زادت مع الوقت. التطوير مهم، لكن مينفعش يتحول لمكان سياحي بس أو يتغير نشاطه، لأن ده شغل ناس كتير وأكل عيشهم».

وأكد أن السوق يؤدي دورًا خدميًا مهمًا لأهالي المنطقة، مضيفًا: «الناس بتيجي هنا لأنها متعودة على السوق وأسعاره وطبيعته. لو فقد روحه الشعبية، هيبقى مجرد مبنى شكله حلو وخلاص».

وفي نهاية الممر الضيق، يجلس عم زكريا داخل ورشته الصغيرة، يواصل العمل على حقيبة جلدية بيديه اللتين أنهكهما العمر بالنسبة له، لا يبدو السوق مجرد مبنى قديم ينتظر الترميم، بل حياة كاملة يخشى أن تختفي بهدوء وسط خطط التطوير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved