وزير الأوقاف: الأسرة هي المؤسسة الأولى لصناعة الإنسان وحماية هويته
آخر تحديث: الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 12:23 م بتوقيت القاهرة
فهد أبو الفضل
القى الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، كلمة خلال افتتاح المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، نائبًا عن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وذلك تحت عنوان "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربات إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة هويتها".
وأشار وزير الأوقاف إلى أن المؤتمر ينعقد برعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، في القاهرة، بدعوة وترتيب من الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الفتوى في العالم، وبمشاركة حاشدة من العلماء والمفتين والقيادات الدينية الكبرى من مختلف أنحاء العالم.
وأوضح أن انعقاد المؤتمر في شهر ربيع الأول يحمل دلالة خاصة، قائلاً إن ذلك يأتي «ونحن ما زلنا في أجواء الطهر والنور، والاحتفال والفرح بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده الشريف»، داعيًا الله أن يرزق المسلمين شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يوفقهم في حسن القيام بخدمة مواريث النبوة.
واستشهد وزير الأوقاف بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، مؤكدًا أن خدمة الأسرة وحمايتها تمثل جزءًا أساسيًا من القيام بمسؤولية بناء الإنسان والمجتمع.
بناء الإنسان منوط بخمس مؤسسات كبرى
وقال وزير الأوقاف إن بناء الإنسان منوط بخمس مؤسسات كبرى، هي: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والشارع، والإعلام، موضحًا أن هذه المؤسسات تتكامل في تشكيل شخصية الإنسان وبناء منظومة القيم لديه.
وأوضح أن الأسرة تمثل «الوعاء الأول ونقطة الارتكاز» التي تقوم بغرس بواكير القيم وبناء المقدمات الأولى لشخصية الإنسان، ومن ثم وجبت إحاطتها بكل عوامل الدعم التي تمكنها من النجاح في مهمتها، مع ضرورة تضافر الجميع لحمايتها من عوامل الهدم والتشويش.
وأكد أن أهمية المؤتمر تأتي في ظل تحولات كبرى وجارفة تنحت الهوية وتجور على الثقافة والمفاهيم والقيم، مستشهدًا بقول أمير الشعراء أحمد شوقي:"ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من همِّ الحياةِ وخَلَّفاهُ ذليلا إن اليتيمَ هو الذي تلقى لهُ
أُمًّا تخلت أو أبًا مشغولا".
المدرسة تستكمل ما بدأته الأسرة
وانتقل الأزهري إلى المؤسسة الثانية، وهي المدرسة، موضحًا أن الأسرة تخرج الإنسان وتسلمه إلى المؤسسة التعليمية التي ينبغي أن تكمل وتشيد وتضيف وتبني وتتمم ما بدأته الأسرة من غرس القيم.
وأكد أن المقصود بالتعليم هنا هو كل مسار التعليم، بما يشمل المدارس والمعاهد والكليات والجامعات ودورات التدريب والتأهيل، مشددًا على أهمية العناية بالتعليم في مختلف عناصره، مع العمل على تجويد صناعته وتعظيم الاهتمام به.
الخطاب الديني يحمي الإنسان من الغلو والتطرف
وتحدث وزير الأوقاف عن المؤسسة الثالثة، وهي المسجد، موضحًا أنه يقصد بها الخطاب الديني كله، بما يشمل المسجد والكنيسة والخطب والمواعظ والندوات والبرامج الدينية وكل الأنشطة الدينية التي تعزز ما تصنعه الأسرة والتعليم.
وأضاف أن هذا الخطاب «ينير ويهدي ويزكي الأنفس ويربط بالحق ويصوغ الإنسان العابد المتزكي المهتدي المعمر الذاكر المفكر السائر إلى الله على بصيرة».
وشدد على ضرورة حماية هذا المسار من جميع صور الغلو والتطرف والإرهاب والانحراف والتزمت والشطط، حتى يظل «حنيفًا طهورًا رحمانيًّا كأصله وجوهره».
الشارع قد يهدم ما تبنيه الأسرة والتعليم والخطاب الديني
وأوضح الأزهري أن المؤسسة الرابعة التي تكمل بناء الإنسان هي الشارع، والمقصود به احتكاك الإنسان بالمجتمع في حركة الحياة اليومية، منذ خروجه من منزله وحتى عودته، من خلال الطرقات والشوارع ووسائل المواصلات والمتاجر والأسواق والمتنزهات ومنافذ البيع والشراء.
وقال إن الشارع قد يهدم منظومة القيم ويشوشها، وقد يغرس في النفس قيم المغالبة والتوحش وإدارة الحياة بالتعدي والتطاول، بما يؤدي إلى تدمير ما شيدته الأسرة والتعليم والخطاب الديني.
وأشار إلى أن ذلك قد يصيب الإنسان بحالة من الانفصام بين القيم التي تلقاها وحفظها من الأسرة والمسجد، وبين قيم الحياة التي لا يمكنه العيش إلا بها، فضلاً عن إمكانية غرس الأنانية والانتهازية والشح وغيرها من القيم السلبية.
وفي المقابل، أكد أن الشارع يمكن، إذا ترشد، أن يكون منسجمًا وداعمًا ومتخلقًا وهاديًا، وأن يزيد قيم الأسرة رسوخًا، ويعلم التعاون والتنسيق والإيثار والإنصاف والمسامحة.
واستشهد الأزهري بالهدي النبوي الداعي إلى تعظيم حق الطريق، قائلاً إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطوا الطريق حقها»، مشيرًا إلى تعدد الأحاديث النبوية في هذا الباب، حتى جمعها شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، وحصرها في ثلاثة عشر أدبًا للطريق، نظمها في أبيات شعرية.
الإعلام ووسائل التواصل والذكاء الاصطناعي تصنع شخصية الإنسان
وتناول وزير الأوقاف المؤسسة الخامسة، وهي الإعلام بكل صوره، من التلفزيون والإذاعة والصحافة والفضائيات، وصولاً إلى الانفجار المعلوماتي المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم القفزة الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقال إن هذا "الطوفان الجارف صار هو الجاذب الأخاذ والصانع الأكبر والمكون الأول لشخصية الإنسان وعقله وطريقة تفكيره"، مشيرا إلى أن الإعلام ووسائل التواصل والتقنيات الحديثة قد تغرس في نفس الإنسان معاني التشويش والحيرة والعنف أو غير ذلك من القيم، مؤكدًا أن "لا ضامن ولا حامي منه إلا الأسرة".
وأكد الأزهري أن هذه الصورة تجعل الدائرة تكتمل ويعود دور الأسرة إلى صدارة مؤسسات صناعة الإنسان.
الأسرة هي مؤسسة المؤسسات
وشدد وزير الأوقاف على أن الأسرة هي «الرحِم، والوشيجة، والقُربى، والرعاية، والتربية، والتعهد الدائم»، مؤكدًا أنها تمثل السكن وبذرة الوطن، والمؤسسة الحاضرة لمتابعة أثر المؤسسات الأخرى على شخصية الطفل ومنظومة قيمه.
وأضاف أن الأسرة تلاحظ ما يطرأ من عوج على طبع الإنسان إذا اختل أداء إحدى المؤسسات، ولذلك فهي "مؤسسة المؤسسات، وميزان انضباط أداء الجميع، وهي عرين الإنسان، وملاذه، ومحضنه إذا اشتدت به الخطوب".
وأكد ضرورة حماية الأسرة من التحولات العاصفة التي تفكك دورها أو تشوشه أو تعكر عليه، فضلاً عن حمايتها من التدمير الكلي الذي يتمثل في الشجار والتنازع والقبح ثم الطلاق.
دعوة للعمل المشترك لحماية الأسرة
وقال الأزهري إن حماية الأسرة أصبحت مسؤولية مشتركة، داعيًا إلى العمل المشترك وتبادل الخبرات والتفكير الجماعي في كل ما من شأنه حماية الأسرة في ظل زمن التحولات الكبرى.
وأوضح أن هذا هو الهدف الذي جاء المؤتمر ليضعه أمام العلماء والمفتين والقيادات الدينية المشاركين، من أجل التفكير والبحث والمدارسة، والوصول إلى مقاربات إفتائية قادرة على حماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة هويتها.
القضية الفلسطينية ستظل قضيتنا الكبرى
وأكد وزير الأوقاف أن هناك قضيتين لا يمكن أن يخلو منهما أي محفل أو تجمع لعلماء الأمة الإسلامية، مشددًا على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية الكبرى.
وقال: "ستظل القضية الفلسطينية قضيتنا الكبرى، وسنظل هنا في مصر داعمين لأشقائنا في فلسطين، رافضين رفضًا قاطعًا لتهجيرهم من أرضهم، ورافضين رفضًا قاطعًا لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية".
وأكد دعم الدولة المصرية لحقوق الشعب الفلسطيني، قائلاً إن مصر متمسكة بدفع الظلم والعدوان عن الأشقاء في فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا، مع إنفاذ الإغاثة إليها، بما يعزز تمسك الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم.
وشدد على دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.