الوصول المقطوع.. رشا عدلى تفتح دفاتر المنسيين بين أسرار الوثائق ودهشة الخيال
آخر تحديث: الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
- تطرح الرواية سؤالها المركزى عن مصير الإنسان حين يتحول اسمه إلى رقم فى سجل وتختزل حياته وتضحياته فى وثيقة أرشيفية جافة
- تستعيد الرواية مصائر آلاف الرجال الذين جرفتهم آلة الحرب بعيدًا عن بيوتهم
تخوض الكاتبة رشا عدلى فى روايتها «الوصول المقطوع» مغامرة سردية تستند إلى صفحة من التاريخ المصرى ظلت بعيدة عن الذاكرة العامة، هى قصة «فرقة العمال المصرية» التى عمل أفرادها خلف خطوط الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الأولى، فكانوا جزءًا من آلة الحرب دون أن يحملوا بالضرورة السلاح أو يحظوا بالمكانة التى حازها المقاتلون فى السرديات الرسمية. ومن هذه المنطقة المنسية تنطلق الرواية الصادرة حديثًا عن دار الشروق، لتطرح سؤالها المركزى حول مصير الإنسان حين يتحول اسمه إلى رقم فى سجل، وحين تختزل حياته وتضحياته فى وثيقة أرشيفية جافة، ثم تختفى آثاره مع مرور الزمن.
منذ الإهداء والتمهيد، تحدد الرواية مشروعها بوضوح، إذ تتوجه إلى «الجيش وراء الجيش المقاتل»، وتعلن رغبتها فى إعادة وجودهم المفقود إلى الذاكرة. غير أن قيمة العمل تتجاوز هذا الهدف المعلن، لأن رشا عدلى تستخدم الواقعة التاريخية لتفتح مجموعة من الأسئلة المتشابكة حول الذاكرة والهوية والاستعمار والفقر والاقتلاع، وتضع الماضى فى مواجهة الحاضر من خلال شخصيات تبحث عن الحقيقة، وفى مقدمتها المحامية الحقوقية ليلى المرغنى وزميلها كريم.
تدور الرواية فى فلك بناء زمنى مزدوج، يتحرك بين عام 2023 وعام 1916، فينشأ حوار مستمر بين زمنين يفصل بينهما أكثر من قرن، يقودنا الخط المعاصر إلى ليلى ورحلة البحث فى ملف فرقة العمال المصرية، مستعينة بفريق من الباحثين والحقوقيين، بينما يعود السرد فى خط الماضى إلى حياة العامل ثابت هارون، الذى يتحول تدريجيًا من شخصية عادية تبحث عن الرزق ولقمة العيش إلى مدخل روائى لاستعادة مصائر آلاف الرجال الذين جرفتهم آلة الحرب بعيدًا عن بيوتهم، فيمنح هذا البناء الرواية قدرة على جعل البحث نفسه جزءًا من الحدث، فكل وثيقة يعثر عليها الأبطال تفتح بابًا جديدًا فى الماضى، وكل معلومة تعيد تشكيل فهمهم للحاضر.
واللافت فى الرواية هو حجم البحث الوثائقى المكثف الذى بذلته رشا عدلى وتبذله دائمًا فى مؤلفاتها، لتتمكن من كتابة التاريخ ليس باعتباره خلفية للأحداث، وإنما موضوع الرواية ومحركها الأساسى. فنجدها فى «الوصول المقطوع» على سبيل المثال تستحضر الأرشيفات البريطانية والفرنسية، وسجلات وزارة الحرب والمراسلات والتقارير، إلى جانب الشهادات والصور والأغانى والمسرحيات التى ارتبطت بالعمال المصريين. لكن الوثيقة فى «الوصول المقطوع» تؤدى وظيفة أكثر تعقيدًا من إثبات الواقعة؛ إنها تكشف حدود المعرفة التاريخية نفسها. فالوثيقة تحفظ جزءًا من الحقيقة، بينما تظل مساحات واسعة من حياة أصحابها غائبة، وهنا يتدخل التخييل ليمنح الاسم وجهًا، والرقم حياة، والحدث ذاكرة إنسانية.
تتجسد هذه الفكرة بصورة واضحة فى شخصية ثابت هارون، فاختيار رجل واحد من بين آلاف العمال يمنح الرواية مركزًا إنسانيًا، ويمنع القضية من التحول إلى رقم ضخم يصعب تخيله، فهنا نتتبع سيرة «ثابت» المنقوش اسمه فوق شاهد قبره، إلى ثابت رب الأسرة العامل الفقير، الزوج والأب، الذى يتنقل بين المهن بحثًا عن مصدر رزق أسرته، وتدفعه الحاجة إلى التفكير فى الانضمام إلى فرقة العمال، ومن خلال حياته اليومية، ترسم الرواية صورة لمجتمع فقير كان الجوع فيه قوة ضاغطة تدفع الإنسان إلى قبول خيارات شديدة القسوة. بذلك تصبح مشاركته فى الحرب امتدادًا للظروف الاقتصادية التى أحاطت به، ويصبح الفقر أحد المفاتيح التى تساعد على فهم آلية تجنيد العمال.
وتنجح الرواية فى الاقتراب من هذه الشخصيات من خلال التفاصيل الصغيرة، فالزوجة والبيت والأطفال والبحث عن العمل تمنح الشخصية حياة سابقة على الحرب، وهو أمر مهم فنيًا لأن مصير العامل يكتسب قيمته من معرفة ما فقده، إذ تصبح الحرب تُقاس بما انتزعته من الإنسان، من أسرته ومكانه وأمانه، أكثر مما تُقاس بالمعارك والخرائط العسكرية.
ومن هذه النقطة تحديدًا تتسع الرواية لتصبح عن فكرة الاقتلاع؛ فعمال الفرقة ينتقلون بين مصر وفرنسا وإنجلترا وفلسطين وسيناء، فيتحولون إلى أجساد متنقلة تخدم احتياجات الحرب، وفى المقابل تحمل ليلى داخل سيرتها الشخصية تجربة أخرى من تجارب الاقتلاع، إذ تنتمى إلى «النوبة» والتى غمرت المياه قراها بعد بناء السد العالى، وتعيش منذ طفولتها إحساس الاختلاف بسبب لون بشرتها وأصولها، وهنا تقيم الرواية صلة بين تجربتين تفصل بينهما عقود طويلة، تجمعهما فكرة فقدان المكان والبحث عن معنى الانتماء.
هذه الصلة تمنح شخصية ليلى أهمية تتجاوز كونها محركة للبحث. فهى تحمل داخلها جرحًا شخصيًا يجعلها أكثر حساسية تجاه قضية العمال، إذ عرفت مبكرًا معنى أن ينظر الآخر إلى الإنسان باعتباره مختلفًا. ومع تقدمها فى العمر، تتحول علاقتها بلونها وهويتها من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة، كما يتعمق ارتباطها بالنوبة بوصفها ذاكرة ومكانًا وروحًا. وهكذا يصبح بحثها عن العمال امتدادًا لبحثها عن الذات، وتتحول القضية العامة إلى مرآة لتجربتها الخاصة.
وتبدو هذه الموازاة من أكثر طبقات الرواية أهمية، لأنها تمنع التاريخ من أن يبقى محصورًا فى عام 1916. فالماضى يستمر فى الحاضر عبر أشكال أخرى من فقدان المكان والاسم والاعتراف. النوبة التى تسكن ذاكرة ليلى، والعمال الذين يبحث كريم عن آثارهم فى مقابر أوروبا، يجتمعون فى سؤال واحد: ماذا يبقى من الإنسان حين ينقطع عن المكان الذى ينتمى إليه؟
وعبر صفحات الرواية يتجلى الثقل الدلالى لعنوانها؛ فمصطلح «الوصول المقطوع» يظهر داخل الأرشيف الفرنسى بوصفه تصنيفًا إداريًا لحالات لم تتوافر لها أوراق انتقال رسمية أو معلومات دقيقة عن نقطة انطلاقها، ثم يتحول تدريجيًا إلى مفتاح لفهم العمل كله؛ فـ«الوصول المقطوع» يعنى فى مستواه الأعمق وجودًا لم يكتمل تسجيله، وأشخاصًا انقطعت صلتهم بأوطانهم وتاريخهم، وأرواحًا بقيت معلقة بين مكان غادرته ومكان لم يصبح وطنًا لها، لذلك يتحول المصطلح من عبارة أرشيفية إلى استعارة عن مصير جماعى، وهو من أنجح التحولات الرمزية فى الرواية.
وعلى صعيد مواز تكتسب شخصية كريم شريك ليلى فى مكتب المحاماة أهمية خاصة من خلال علاقته بثابت هارون، خصوصًا بعد وصوله إلى مقابر دنكيرك ورؤيته شاهده؛ إذ تأخذنا رشا عدلى إلى أكثر مناطق الرواية غرائبية، حين يتقاطع الحاضر مع الماضى عبر تجربة تتجاوز المنطق الواقعى، رغم أن هذه المنطقة لا تبدو دخيلة تمامًا على البناء، لأنها تنسجم مع فكرة أن الذاكرة قد تتجاوز الوثيقة، وأن الماضى يمكن أن يعود عبر الإحساس والصورة والحلم. مشاهد المقبرة، واللقاء العابر مع الجندى الجريح، ثم العثور على اسم ثابت هارون، تمنح البحث التاريخى بعدًا روحيًا وتأمليًا، وتجعل استعادة الذاكرة تجربة يعيشها كريم بجسده ووجدانه، وليس مجرد مهمة مهنية.
وتستثمر الرواية المكان بصورة لافتة، فمقابر دنكيرك تتحول إلى مساحة تأمل فى معنى الموت خارج الوطن، والشواهد المتجاورة لأشخاص من جنسيات مختلفة تضع ثابت هارون داخل تاريخ عالمى واسع، بينما يظل شاهده يحمل خصوصيته المصرية، وفى المقابل، تحضر الإسكندرية والنوبة والقاهرة بوصفها أماكن للذاكرة والانتماء، بينما تبدو المدن الأوروبية فى بعض المواضع أماكن عبور أكثر منها أوطانًا. وهكذا يصبح المكان فى الرواية مرتبطًا بفكرة الهوية، ويصبح فقدانه أحد أشكال فقدان الذات.
ومن الجوانب التى تمنح القارئ متعة موازية لجمال الحكاية اهتمام رشا عدلى بالثقافة الشعبية التى أحاطت بالعمال، فالأغانى والمسرحيات والفكاهة التى قدموها داخل المعسكرات تكشف جانبًا مختلفًا من تجربتهم، إذ يتحول الفن إلى وسيلة للحفاظ على الذات فى ظروف قاسية، فمسرحية «الفنطيطة»، على سبيل المثال وما ارتبط بها من سخرية وتنكر وأداء كوميدى، والأغانى التى حملت مشاعر الغربة والسخرة والحنين، كلها عوامل تمنح الرواية فرصة للانتقال من صورة العامل بوصفه جسدًا يؤدى مهمة إلى صورة الإنسان الذى يضحك ويغنى ويقاوم بطريقته الخاصة.
وبهذا يتضح رفض الرواية ومن ورائها مؤلفتها اختزال هؤلاء الرجال فى موقع الضحية فقط، فمع تعرضهم للقهر والاقتلاع، يحتفظون بقدرتهم على إنتاج الثقافة والسخرية والتواصل، ومن خلال ذلك تقدم الرواية المقاومة فى صورة يومية بسيطة، بعيدًا عن الخطابات الكبرى، بحيث يصبح الاحتفاظ بالضحكة والأغنية واللغة جزءًا من الحفاظ على الهوية.
وتتميز الرواية على المستوى الفنى بلغة واضحة تميل إلى السلاسة، وتتنوع بين الوصف والحوار والمادة الوثائقية، وتظهر شاعرية اللغة بصورة خاصة فى مشاهد المقابر والضباب والمطر والبرد، وهى عناصر تتجاوز وظيفتها المناخية لتصبح انعكاسًا للحالة النفسية للشخصيات وللغموض الذى يحيط بالماضى، كما أن الصور البصرية التى تستخدمها صاحبة «شغف»، و«أنت تشرق أنت تضىء»، و«جزء ناقص من الحكاية»، و«آخر أيام الباشا»، و«شواطئ الرحيل»، وغيرها، تمنح بعض المشاهد حضورًا سينمائيًا، خصوصًا أثناء انتقال كريم بين المدن أو وجوده فى المقبرة.
ويحسب للرواية كذلك قدرتها على جعل الأرشيف جزءًا من الدراما، فمشاهد البحث داخل الوثائق لا تأتى بوصفها معلومات جاهزة، وإنما تصنع توترًا قائمًا على انتظار ما ستكشفه الورقة التالية.
وتصل الرواية إلى فكرتها الأوسع: التاريخ الذى يكتبه المنتصرون يترك دائمًا مساحات واسعة من الصمت، والأدب يستطيع أن يدخل هذه المساحات ويمنحها صوتًا، غير أن الرواية لا تستبدل وثيقة بوثيقة، وإنما تحاول أن تكمل ما تركته الوثائق ناقصًا، فتستعيد الإنسان الموجود خلف السجل الرسمى، لذلك فإن قيمتها الأساسية تكمن فى المسافة التى تقيمها بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الإنسانية؛ الأولى تحتاج إلى الأرشيف، والثانية تحتاج إلى الخيال كى تستعيد نبضها.
فى النهاية، نجد أن «الوصول المقطوع» رواية عن الذاكرة أكثر مما هى رواية عن الحرب، وعن الإنسان قبل أن تكون عن المؤسسة العسكرية أو الاستعمار، تبدأ من ملف أرشيفى غامض، ثم تتسع لتصبح رحلة بحث عن أسماء غابت، وأماكن ابتعدت، وحيوات انقطعت صلتها بمصادرها الأولى. وتنجح رشا عدلى فى تحويل واقعة تاريخية مهملة إلى مادة روائية تطرح أسئلة تتجاوز زمنها، حول معنى أن يُرى الإنسان، وأن يُحفظ اسمه، وأن يكون له مكان فى ذاكرة وطنه، كل ذلك تغزله رشا عدلى كما جاء فى تقديم الناشر «دار الشروق» للرواية «كنص يفيض بالصدق والجسارة، يورطنا فى تجربة إنسانية وتاريخية فريدة، تثبت أن استعادة الذاكرة هى فعل المقاومة الأسمى، وأن الكلمة وحدها هى التى تمنح الراحلين وجودهم المفقود، ليواجه صمت النسيان بدفء الحقيقة والإنصاف».