«المقاعد الثلاثة والعشرون» لمنال قابيل.. حين تكشف التفاصيل الصغيرة هشاشة الإنسان ومشاعر الفقد ودفء الذاكرة
آخر تحديث: الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 9:47 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
تقدم الكاتبة منال قابيل في مجموعتها القصصية «المقاعد الثلاثة والعشرون»، الصادرة عن دار بيت الحكمة، تجربة سردية تقوم على التقاط التفاصيل اليومية وإعادة النظر من خلالها في الذاكرة والعلاقات الإنسانية ومشاعر الفقد والاغتراب.
ولا تعتمد المجموعة على الصراعات الحادة أو المفارقات المفتعلة، بقدر ما تنشغل بما تخلفه المواقف الصغيرة من أثر نفسي، وما تكشفه التفاصيل العابرة عن الشخصيات وعلاقتها بأنفسها وبالعالم.
وتتحرك قصص المجموعة عبر عدد من الصور المتداخلة، في مقدمتها تأتي الذاكرة، وهى لا تظهر بوصفها عبئًا من الماضي بقدر ما تتحول إلى وسيلة لاستعادة التوازن في الحاضر؛ فنجد في القصة التي حملت «في الطائرة»، تجعل منال قابيل من رحلة جوية عادية مدخلًا إلى الذاكرة والاغتراب، إذا يبدأ الراوي رحلته بشعور من الرهبة داخل الطائرة، بما يحيط بها من أجهزة وتقنيات، قبل أن يبدد اهتمام المضيفة شيئًا من هذا التوتر، ويقوده كوب من الحليب إلى استعادة مشاهد من طفولته في مصر؛ مستعيدًا صوت «عم نادي» بائع اللبن، مع أغاني عبد الحليم حافظ وطقوس الصبا التي كانت تمنح الأيام دفئها.
ومن خلال هذا الانتقال المفاجئ بين الطائرة الحديثة وذكريات الطفولة، تكشف القصة عن قدرة التفاصيل الصغيرة على استدعاء عالم كامل من الألفة في لحظة اغتراب.
وتأتي قصة «طقس»، لتستعيد من خلالها الكاتبة يوم الغسيل الأسبوعي بوصفه جزءًا من الذاكرة المنزلية، حيث كان يمثل طقسًا متوارثًا في أغلب البيوت القديمة، فنجدها تتخذ من طشوت الألومنيوم ورائحة الصابون ووابور الجاز مدخلًا إلى تفاصيل حسية ترتبط في ذاكرتنا بالدفء الأسري، وتمنح الممارسة المنزلية العادية قيمة وجدانية تتجاوز وظيفتها اليومية.
ولهذا فإن ما يميز المجموعة القصصية أنها تحتفي كذلك بالتفاصيل الصغيرة، وربما العابرة، بوصفها مدخلًا إلى فهم العلاقات الإنسانية، فنجد في قصة «البلكونة» أن المكان يتحول من مجرد مساحة في البيت إلى عالم مفتوح تتداخل فيه حياة الأسرة مع الأشخاص والأشياء القادمة من الخارج، بحيث تصبح البلكونة جزءًا من الذاكرة لا مجرد امتداد مادي للمنزل.
ومن هذا المنطلق تقدم الكاتبة شخصية «عم عبده»، النجار الذي يأتي إلى البلكونة للعمل على تجديدها، فتتوقف عند تفاصيل مهنته وحركته وأدواته ويديه اللتين ترك العمل أثره عليهما. ولا تقف دلالة الشخصية عند حضورها في البيت، وإنما تمتد إلى معنى القرابة نفسه؛ فمع مرور السنوات تصبح يد «عم عبده» المتعبة من العمل كافية لتستدعي لدى الساردة إحساسًا بوجود صلة ما بينها وبين أصحاب هذه الأيدي، حتى لو لم تكن قرابة بالدم، وإنما قرابة يصنعها الأثر الإنساني.
وتكشف القصة كذلك عن قدرة الكاتبة على تحويل الأشياء اليومية، من الخشب وأدوات النجارة إلى رائحة الطلاء وتفاصيل المكان، إلى عناصر حية في الذاكرة، لتصبح «البلكونة» في النهاية أكثر من مكان، وإنما ذاكرة مفتوحة على أشخاص وحرف يدوية كان لإتقانها حضور في تفاصيل الحياة اليومية، وعلى مهارات أخذت في الانحسار مع تغير الزمن. وبين ما بقي من روائح الأمكنة وملامح الوجوه، يظل أثر هؤلاء الأشخاص حاضرًا في وجدان الساردة.
وتطل الغربة والاغتراب في أكثر من موضع داخل المجموعة، وإن اتخذ كل منهما صورًا مختلفة، ومنها قصص «الفراشة» و«أكان لا بد أن تأتي يا ليان؟» و«كارت معايدة»؛ التي تتناول قسوة الغربة وما يمكن أن تفرضه من ظروف قاسية على الإنسان، من خلال موقف تكتشف فيه الراوية جانبًا مختلفًا من حياة «جوانا»، العاملة في السكن الطلابي. فبينما تحمل الراوية وزملاؤها مشاعر الود تجاه جوانا، ويهدونها كارت معايدة تعبيرًا عن هذه المشاعر، تراها في أحد الأيام تلتقط طعامًا ولعبة من صندوق القمامة، ليغير هذا المشهد نظرة الراوية إلى الكارت الذي قدمته لها، فتشعر أن ما بدا لها تعبيرًا بسيطًا عن المودة لا يحمل المعنى نفسه أمام ما تعيشه جوانا من ظروف قاسية.
ومن خلال هذه المفارقة، تبتعد القصة عن تقديم الغربة باعتبارها مجرد اختلاف في الثقافة والعادات أو طرق التعبير، لتقترب من الجانب الإنساني الأكثر قسوة فيها؛ فالأشخاص الذين نلتقيهم في بلاد الغربة قد يحملون خلف سلوكهم الظاهر ظروفًا لا نعرف عنها شيئًا، وقد تبدو لفتاتنا الصغيرة عاجزة أمام احتياجاتهم الحقيقية، لتستمد القصة من هذه المفارقة قوتها وجعل الراوية تعيد التفكير في معنى التعاطف وفي المسافة بين ما نمنحه للآخرين وما يخفى علينا من معاناتهم.
أما الفقد، فيتخذ في المجموعة صورًا مختلفة بين الطفولة والصدمة وتجارب العمر، ففي «حزن عام» تستعيد الكاتبة رهبة الطفولة أمام مشاهد الحداد، حيث تتشابه النساء بوشاحهن الأسود، ويتداخل صوت الشيخ محمد رفعت مع الحزن الشخصي ليمنحه بعدًا جمعيًا.
ولا تغيب الحروب وصراعاتها عن المجموعة، بما تتركه من آثار تتجاوز لحظة وقوعها إلى حياة من يعيشونها ويفقدون أحباءهم بسببها، ولعل مقولة الفيلسوف والشاعر الفرنسي فرانسوا فينلون«كل الحروب هي حروب أهلية لأن جميع البشر إخوة» تضيء جانبًا من قصة «أكان لا بد أن تأتي يا ليان؟»، حيث يصبح الفقد أكثر قسوة مع دمار المدينة واستشهاد الأخ الأكبر وموت الأم كمدًا عليه، فيجد «لؤي» نفسه أسيرًا لذكرياته، منسحبًا إلى الصمت، خالطًا بين الأزمنة ومستحضرًا الراحلين. ومن خلال حالته، ترصد صاحبة «ثمن عدم المساواة» و«الجذور الشرقية للحضارة الغربية»، ما تفعله الحرب في الإنسان، حين لا تنتهي آثارها بانتهاء الصراع، وإنما تمتد إلى الذاكرة والوعي وعلاقته بالعالم من حوله.
وتتميز شخصيات المجموعة بتركيبها النفسي، فلا تقدمها الكاتبة بوصفها نماذج أحادية، وإنما تكشف، عبر مواقف محددة، عن دوافعها وآليات دفاعها. وقد لا نعرف أحيانًا أسماء بعض هذه الشخصيات، ولا يبدو ذلك مهمًا، لأن حضورها لا يتوقف على الاسم أو التفاصيل التعريفية، وإنما على ما تكشفه أفعالها ومواقفها من طبائع بشرية ودوافع خفية. ويبرز ذلك بوضوح في قصة «الشاطر»، التي لا نعرف فيها اسم الطفل أو الرجل أو حتى الجدة، ومع ذلك تبدو الشخصيات حاضرة بملامحها النفسية من خلال موقف واحد يكشف الكثير عن كل منها.
ففي قصة «الشاطر»، يكتشف الطفل أن الرجل الذي يزور جدته هو نفسه الذي رآه في عزاء جده، ثم يراقب محاولته التقليل من قيمة التحف والأشياء التي يعرض شراءها. وحين يقول الرجل عن إحدى القطع: «لا أحد يقدر ذلك في أيامنا هذه»، يواجهه الطفل بكلمة «كذاب!»، التي تختصر رفضه لما أدركه من مكر الرجل، أما استجابة الجدة لصرخة الطفل، وإنهاؤها الزيارة دون توبيخه، فتضيف بدورها ملمحًا إلى شخصيتها، وتترك للقارئ مساحة لقراءة موقفها دون تفسير مباشر.
وتأتي قصة «24 ساعة» لتقدم الكاتبة والمترجمة منال قابيل شخصية «أنطونيو»، الرجل الذي يجيد قراءة الآخرين والتعامل مع اختلاف طباعهم. فهو يقترب من الخجول بكسر الحواجز، ويتعامل مع المتحفظ بخفة ومرح، بينما يواجه المتعالي بحكايات عن أثرياء لا يعرفون حتى أسماء العاملين في ممتلكاتهم، فيعيد المتكبر إلى مساحة أكثر طبيعية من خلال السخرية غير المباشرة. ومن خلال «أنطونيو»، تلتقط الكاتبة قدرة بعض الشخصيات على فهم الآخرين والتعامل معهم دون أحكام مسبقة، لتجعل من اختلاف الطباع فرصة للكشف عن طبيعة العلاقات الإنسانية وكيف يمكن للبساطة وخفة الظل أن تزيلا كثيرًا من الحواجز بين الناس.
ومن شخصية «أنطونيو» في «24 ساعة» إلى شخصية «سعدية» في «حاجات صغيرة»، تنتقل قابيل بالقارئ إلى أبعاد طبقية ونفسية واضحة؛ فمن خلال سعدية، القادمة من القرية للعمل في بيوت العاصمة، ترصد الكاتبة احتفاظها ببعض المقتنيات الصغيرة من بيوت مخدوميها، دون أن تنظر إلى هذا السلوك باعتباره سرقة مجردة، وإنما تكشف دوافعه بوصفه محاولة للتعويض عن شعور بالحرمان والاغتراب.
وحين تُواجه أصحاب البيوت سعدية بما ينقص من الأشياء في المنزل، ترد قائلة: «أنا مش محتاجة.. أنا عندي بيت على النيل»، فيكشف ردها عن عالم داخلي يتجاوز قيمة تلك المقتنيات، ويؤكد شعورها بالاستغناء والاعتزاز بما تملكه من انتماء وبيت وذاكرة، وتمنح الأشياء البسيطة في القصة معنى يتجاوز قيمتها المادية، لتصبح وسيلة تكشف بها الكاتبة أثر الفوارق الطبقية في النفس الإنسانية، وما يمكن أن يختبئ وراء سلوك يبدو في ظاهره محظورًا ويعاقب عليه القانون، بينما تكشف دوافعه عن احتياج ورغبة في استعادة الإحساس بالذات، والتأكيد على أنها ليست أقل من الآخرين وأن لها عالمها وبيتها وانتماءها الخاص.
وتواصل منال قابيل في «الفراشة» تأمل أثر الزمن في الإنسان، من خلال ذاكرة طفولية تستعيد فيها الراوية جارتها «عالية»، التي كانت تراها وهي تدرب فتيات الباليه كفراشة خفيفة تحلق فوق الأرض، وبعد ثلاثين عامًا، تلتقي بها من جديد، فتسمع عن سنوات الغربة والمشقة والكفاح، لكنها لا تجد على وجهها ما يروي أثر هذه السنوات، ومن هنا تتشكل مفارقة القصة؛ فالزمن الذي يفترض أن يترك علاماته على الجسد يبدو غائبًا، بينما تكشف الذاكرة عن أثر آخر أعمق للتجربة، وفي استعادة «عالية» الأولى، تبدو الراوية كأنها لا تبحث عن المرأة التي أصبحت عليها، وإنما عن الصورة التي صنعتها طفلة في خيالها، ليصبح الماضي في القصة أكثر حضورًا من الحاضر، والذكرى أكثر قدرة على الاحتفاظ بما فقده الواقع.
وتصل هذه الرؤية إلى ذروتها في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، «المقاعد الثلاثة والعشرون». تدور القصة في صالة علاج واسعة ومضيئة، تزينها لوحات ومناظر طبيعية، فتبدو بعيدة عن الصورة التقليدية للأماكن المرتبطة بالمرض.
ومع تكرار الجلسات، تتحول الصالة إلى مجتمع صغير، ويتحول المرضى ومرافقوهم إلى مجموعة تجمعها الألفة، ويختلف بطل القصة عن الآخرين في كونه الوحيد الذي يحضر دون مرافق، ومع الوقت، يجد نفسه محاطًا باهتمام الجالسين على المقاعد الثلاثة والعشرين، فتتحول رهبة العلاج وتوتره إلى شعور بالطمأنينة والانتماء، لكن انتهاء العلاج يضعه أمام فقد آخر؛ إذ يخبره الطبيب بأنه لم يعد بحاجة إلى الحضور.
وبينما يغادر المكان، يكتشف أن انتهاء العلاج يعني أيضًا انتهاء تلك العلاقة الإنسانية التي منحته قدرًا من الدفء والمعنى، لتصبح لحظة الخروج من الصالة مواجهة جديدة مع الوحدة.
ويتصل هذا المعنى بصورة الغلاف، التي تحمل لوحة للفنانة الروسية ماريان فون ويرفكين، وتظهر فيها ظلال أشجار عارية على ممر جليدي يسير فيه شخص وحيد مبتعدًا تحت سماء زرقاء داكنة، ويجاور المشهد البصري أجواء المجموعة في ما يحمله من عزلة وتأمل داخلي، ومن بحث عن الدفء الإنساني في عالم يمكن أن يبدو باردًا ووحيدًا.
وفي النهاية لا تنشغل «المقاعد الثلاثة والعشرون» بالصراعات الكبرى بقدر اهتمامها بما يمكن أن تكشفه اللحظات الصغيرة عن الإنسان؛ كوب حليب، يوم غسيل، بلكونة بحرية، كارت معايدة، قطعة أثاث أو مقاعد انتظار تجمع غرباء في مكان واحد، ومن خلال هذه التفاصيل، تعيد المجموعة النظر في الذاكرة والفقد والاغتراب والقرابة، وتطرح سؤالًا عن قدرة الإنسان على العثور على معنى ودفء في علاقاته اليومية، حتى في أكثر اللحظات عادية.