دار الإفتاء تواصل تدريب طلاب إندونيسيا على الأحكام الفقهية للمصارف
آخر تحديث: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 11:46 ص بتوقيت القاهرة
آلاء يوسف
وزير المالية الأسبق: التمويل في المصارف الإسلامية يرتكز على قاعدة الغُرم بالغُنم والخراج بالضمان ويرتبط بالأصول الحقيقية
أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر: الفتوى المصرفية تتطلب فهما دقيقا لواقع المعاملات ومقاصد الشريعة ومآلات الأحكام
تواصل إدارة التدريب بدار الإفتاء المصرية فعاليات دورة «الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف»، المخصصة لطلاب مركز الاقتصاد الإسلامي للدراسات والبحوث بإندونيسيا، في يومها الخامس، من خلال محاضرات علمية تناولت أسس الائتمان والتمويل المصرفي، والقواعد الأصولية الحاكمة للفتاوى المصرفية، إلى جانب زيارة تعريفية لعدد من الإدارات الشرعية بالدار للتعرف على آليات العمل الإفتائي المؤسسي ومراحل إصدار الفتوى.
وقدم الدكتور فياض عبد المنعم، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر ووزير المالية الأسبق والمستشار المالي لمفتي الجمهورية، محاضرة بعنوان «الائتمان والتمويل المصرفي»، تناول خلالها الإطار المفاهيمي للائتمان والتمويل، موضحًا أن الائتمان يرتبط في أصله اللغوي بمعاني الأمانة والثقة، وأن النشاط التمويلي لا يستقيم دون توافر قدر من الجدارة الائتمانية والثقة المتبادلة بين المؤسسة التمويلية والعميل.

وأوضح أن الائتمان يعبر عن قدرة العميل على الحصول على الأموال أو التسهيلات مع الالتزام بالوفاء بها مستقبلًا، فيما يمثل التمويل المصرفي الآليات والإجراءات التي تتيح للمؤسسات المصرفية توفير الأموال اللازمة لدعم قطاعات النشاط الاقتصادي.
واستعرض الفروق الجوهرية بين التمويل في البنوك التقليدية والمصارف الإسلامية، مبينًا أن النموذج التقليدي يقوم أساسًا على إقراض المال مقابل فائدة، مع ضمان استرداد أصل القرض وعائده، بينما يرتكز التمويل الإسلامي على قاعدتي «الغُرم بالغُنم» و«الخراج بالضمان»، ويرتبط بأصول حقيقية وأنشطة اقتصادية فعلية تقوم على التجارة والمشاركة، بدلًا من مجرد الإقراض بفائدة.
وتناول عبد المنعم أبرز صيغ التمويل المصرفي الإسلامي، سواء القائمة على البيوع، مثل المرابحة للآمر بالشراء والإجارة المنتهية بالتمليك والسلم والاستصناع، أو القائمة على المشاركات، مثل المشاركة المتناقصة والمضاربة.
وأكد أهمية مراعاة الضوابط الفنية والأخلاقية عند منح التمويل، وفي مقدمتها تقييم الجدارة الائتمانية للعميل من خلال دراسة شخصيته وسمعته ومدى التزامه، وقدرته على السداد وتدفقاته النقدية، ورأس المال الذي يساهم به، والضمانات المتاحة، فضلًا عن الظروف الاقتصادية والقطاعية المحيطة بالمشروع.
وشدد على ضرورة تفعيل الرقابة المصرفية وإدارة مخاطر التعثر، والتحقق من توجيه التمويل إلى مشروعات إنتاجية تحقق قيمة مضافة للمجتمع، بما يسهم في الحد من تضخم الديون وتعزيز الاستقرار المالي.

وأشار إلى أن دور التمويل لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق الربح، بل يمتد إلى عمارة الأرض واستثمار الأموال وتحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل، مؤكدًا ضرورة تفعيل دور الفتوى والرقابة الشرعية للتحقق من سلامة العقود وخلوها من الربا والغرر، وضمان اتساق الممارسات المصرفية مع الضوابط الشرعية والأهداف التنموية.
وفي محاضرة بعنوان «القواعد الأصولية المؤثرة في الفتاوى المصرفية»، تناول الدكتور محمود حامد عثمان، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر الشريف، الدور المحوري للقواعد الأصولية في ضبط الاجتهاد عند التعامل مع المستجدات المصرفية.
وأوضح أن الفتوى في هذا المجال لا تقتصر على تطبيق النصوص الشرعية بمعزل عن الواقع، وإنما تستلزم الجمع بين فقه النص وفقه الواقع، وفهم طبيعة المعاملات الاقتصادية المتجددة، بما يجعل القواعد الأصولية حلقة وصل بين الأحكام الشرعية الثابتة والتطبيقات المصرفية المعاصرة، ويساعد المفتي على إدراك حقيقة المعاملة قبل إصدار الحكم المتعلق بها، وتحديد مدى توافقها مع مقاصد الشريعة وضوابطها.
واستعرض عثمان عددًا من القواعد الأصولية المؤثرة في الفتاوى المصرفية وتطبيقاتها العملية، وفي مقدمتها قاعدة «العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، التي تقتضي النظر إلى حقيقة العقود وغاياتها الاقتصادية بعيدًا عن المسميات التسويقية.
كما تناول قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» وما يتصل بها من أحكام الحاجات العامة والخاصة، مع مراعاة أن الضرورة تُقدَّر بقدرها، ولا يجوز اتخاذها ذريعة لإهدار الأصول الشرعية، إلى جانب قاعدة «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» عند تقييم المنتجات الاستثمارية التي قد تحقق عوائد مالية، لكنها تنطوي على أضرار ومفاسد أكبر.
وتطرق إلى قاعدة «الأصل في المعاملات الإباحة»، التي تتيح ابتكار صيغ تمويلية جديدة ما دامت لا تصطدم بنص قطعي أو أصل شرعي كلي.
وأكد أهمية التكامل المعرفي لدى المفتي المتخصص في الشؤون المصرفية، بحيث يجمع بين التخصص الفقهي والإلمام بالاقتصاد وآليات العمل المصرفي والمحاسبة، فضلًا عن ترجيح الاجتهاد المؤسسي في القضايا المعقدة، ومراعاة مآلات الفتاوى وآثارها المستقبلية في استقرار الأسواق المالية وحماية أموال المتعاملين.
وفي إطار الجانب التطبيقي للدورة، نظمت إدارة التدريب بدار الإفتاء المصرية زيارة تعريفية لطلاب إندونيسيا إلى عدد من الإدارات الشرعية بالدار، بهدف تعريفهم بطبيعة العمل المؤسسي وآليات التنسيق بين الإدارات المختلفة في إعداد الفتاوى وإصدارها.
وتعرف الوفد خلال الزيارة على اختصاصات الإدارات والمهام التي تضطلع بها داخل منظومة العمل الإفتائي، والجوانب العلمية والإدارية المنظمة لسير العمل.

كما استمع الطلاب إلى شرح تفصيلي لمراحل إصدار الفتوى، بدءًا من استقبال الأسئلة وتحريرها، مرورًا بدراسة الأحكام الشرعية المتعلقة بها، واستحضار أقوال العلماء المعتمدة، ومراعاة مقاصد الشريعة وطبيعة الواقع المعاصر، وصولًا إلى صياغة الفتوى ومراجعتها علميًا واعتمادها النهائي.
وأتاحت الزيارة للمشاركين الاطلاع عن قرب على طبيعة التكامل بين الجوانب العلمية والبحثية والتنظيمية داخل الدار، والتعرف على الخبرات المؤسسية التي راكمتها في التعامل مع الأسئلة والقضايا المعاصرة.
وتأتي هذه الفعاليات ضمن البرنامج التدريبي الذي يستهدف تزويد الطلاب بالمعارف الشرعية والاقتصادية والتطبيقية اللازمة لفهم الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف، وتعريفهم بالمنهجية العلمية التي تستند إليها دار الإفتاء المصرية في معالجة النوازل المالية والمصرفية.