من لا يملك لمن لا يستحق.. كواليس وأسرار وعد بلفور في ذكرى صدوره الـ 109
آخر تحديث: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 10:57 ص بتوقيت القاهرة
أدهم السيد
يوافق تاريخ الثاني من نوفمبر الذكرى الـ109 لوعد بلفور؛ حيث شكلت رسالة خاصة من وزير الخارجية البريطاني لرجل أعمال صهيوني إشارة البدء لاحتلال فلسطين. إذ لم يمضِ شهر على الوعد حتى دخلت القوات البريطانية إلى القدس، تمهيداً لوضع بذرة الحركة الصهيونية في فلسطين وإنشاء كيان إسرائيل.
وتسرد الشروق أهم الحقائق عن وعد بلفور وأسباب الدعم البريطاني لإقامة وطن صهيوني على أرض فلسطين، وذلك وفقاً لمعلومات وردت في: كتاب "لندن وصناعة الشرق الأوسط" لروجار أديلسون، كتاب "حدود فلسطين الحديثة" لبيجر غيديان، دائرة المعارف البريطانية، وموقع "هيستوري كولكشن".
• نشأة الحركة الصهيونية وتعاون بريطاني مبكر
شهد القرن التاسع عشر موجة مذابح وتهجير واسعة ليهود شرق أوروبا، ليلجأ أغلبهم إلى بريطانيا حيث لا توجد قيود على عدد اللاجئين، بينما قرر عدد من اليهود اتخاذ بريطانيا محطة للسفر نحو أمريكا الشمالية، وليفيض عدد اليهود المقيمين بالمملكة المتحدة من عدة ألوف بداية القرن التاسع عشر ليبلغ مئات الآلاف قبيل الحرب العالمية الأولى.
وتزامن تصاعد الوجود اليهودي في بريطانيا مع نشأة الحركة الصهيونية برئاسة ثيودور هيرتزل، الذي استغل انزعاج الحكومة البريطانية من كثرة اللاجئين اليهود لإقناعها بدعم إنشاء وطن قومي لليهود. وتنوعت المقترحات بين أوغندا والأرجنتين اللتين تحتلهما بريطانيا، وبين فلسطين التي يفضلها الصهاينة، ليموت هيرتزل قبل اتخاذ خطوات نحو أي مقترح.
• وايزمان وبلفور وروتشيلد.. مثلث الصهيونية وراء الوعد
تسلم حاييم وايزمان رئاسة الحركة الصهيونية بعد موت هيرتزل ليواصل خططه لإنشاء وطن قومي لليهود. ورغم موافقة هيرتزل على مقترح جعل الوطن اليهودي في أوغندا، فإن وايزمان تحمس لفكرة احتلال فلسطين، ليبدأ تعاونه مع مرشح الحزب المحافظ البريطاني بالبرلمان آرثر بلفور، الذي اقتنع بمقترحات وايزمان مقابل دعم الأخير له بالانتخابات.
وتحرك وايزمان الذي جاء كلاجئ من روسيا لتقوية علاقته بقيادات الجالية اليهودية في بريطانيا، ليتواصل مع عائلة روتشيلد التي كان كبيرها نيثان لا يؤيد الصهيونية، لكن بارون أحد أبنائه تحمس للحركة بتشجيع من وايزمان، لتجمع الحركة 8000 يهودي بريطاني مؤيدين للصهيونية.
• الحرب العالمية وأطماع بريطانية بفلسطين
اشتعلت الحرب العالمية الأولى لتعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية التي تملك أرض فلسطين. وخلال أشهر أبرمت بريطانيا مع فرنسا اتفاقية "سايكس بيكو" التي شملت تقسيم أراضي الدولة العثمانية بين البلدين مع جعل فلسطين تحت الإشراف الدولي. لكن حماس مارك سايكس، المفاوض البريطاني ضمن الاتفاقية، لأفكار الصهيونية جعله يقترح على الحكومة البريطانية اعتبار فلسطين وطناً قومياً لليهود.
وتحمست بريطانيا لاستخدام قضية اليهود كحجة للسيطرة على فلسطين وإجبار فرنسا على الموافقة، ليبدأ الجيش البريطاني تحركاته من المناطق التي يحتلها في مصر نحو سيناء. وخاض البريطانيون 3 محاولات فاشلة في اقتحام مدينة غزة لدخول فلسطين، لتنجح المحاولة التالية نهاية أكتوبر سنة 1917 قبل يومين فقط من إصدار وعد بلفور.
واهتم البريطانيون بالسيطرة على فلسطين لربط مستعمراتهم في مصر بالمستعمرات الهندية، كما اعتقد السياسيون البريطانيون أن دعم وطن قومي لليهود سيجلب تعاطف يهود روسيا للضغط على حكومة البلاشفة للاستمرار في حرب القوات الألمانية، ومن جانب آخر الضغط على الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عبر الجالية اليهودية في أمريكا لإقناع الجيش الأمريكي بدخول الحرب.
• 67 كلمة وطرائف وعد بلفور
يعتبر وعد بلفور رسالة شخصية وليس مسودة قانونية، حيث يشمل 67 كلمة فقط أرسلها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى رجل الأعمال اليهودي ليونيل روتشيلد، الذي لا يملك أي صفة سياسية، حيث يعد بلفور في رسالته بجعل وطن قومي لليهود في فلسطين.
واشتهرت رسالة بلفور عند العرب بعبارة "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، حيث لم تكن فلسطين تحت السيطرة البريطانية ذلك الوقت إذ كانت قواتها على مشارف غزة، لكن خلال شهر من إرسال وعد بلفور تقدم الجيش البريطاني حتى احتل مدينة القدس.
ويذكر أن أغلب الأعضاء اليهود بمجلس الحرب البريطاني رفضوا وعد بلفور قلقاً من تقليله لانتماء اليهود البريطانيين لحكومة المملكة، بينما أيد أربعة أعضاء يهود فقط المقترح الذي تم تمريره بموافقة أغلبية الأعضاء.
شكل اليهود في فلسطين وقت إصدار وعد بلفور 3% فقط بواقع 25 ألف شخص، كثالث جالية بعد المسلمين والمسيحيين، في وطن يتحدث أغلب سكانه اللغة العربية.
اتخذت فلسطين بعد الاستعمار البريطاني وضعاً شبيهاً ببقية المستعمرات دون أي خطوة لتوطين اليهود خلافاً لوعد بلفور، لكن في اجتماع عصبة الأمم عام 1923 طالبت دول التحالف، مثل فرنسا وإيطاليا، أن تلتزم بريطانيا بوعدها لليهود رغم أنه لم يكن قانوناً رسمياً، لتبدأ الهجرات اليهودية الواسعة إلى فلسطين، ثم الاحتلال ونشأة كيان إسرائيل بعد حرب 1948.