لغز المشي أثناء النوم.. لماذا ينفرد الإنسان بهذه الظاهرة عن سائر المخلوقات؟

آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 12:55 م بتوقيت القاهرة

سان فرانسيسكو (د ب أ)

طرقت كثير من الروايات الأدبية والأعمال السينمائية ظاهرة المشي أثناء النوم، وتناولتها تارة في صورة درامية، وتارات أخرى في صورة هزلية. ولعل مكمن الاهتمام بهذه الظاهرة يعود إلى أن النوم بطبيعته يرتبط لدينا بالراحة والسكون، وبالتالي فإذا ما اقترن بالحركة والنشاط على خلاف الفكرة البديهية الراسخة في العقل البشري، فإن ذلك يثير في النفس شعورا بالارتباك والحيرة والغموض، بل وقد يكون مدعاة للضحك والفكاهة في بعض الأحيان.

وقد تعجب حين تعرف أن هذه المشكلة تصيب 1.5% من البشر البالغين، وما يقدر بـ5% من الأطفال، وقد تندهش أكثر حيث تعرف أن الانسان وحده ينفرد بهذه الظاهرة عن سائر المخلوقات على وجه الأرض.

ويقول الباحث ديفيد سامسون المتخصص في علم الانسان التطوري بجامعة تورنتو الكندي، إن "القيام بإيماءات حركية أثناء النوم لا يقتصر على البشر وحدهم بطبيعة الحال، ولكن المشي أثناء النوم هو ظاهرة بشرية إلى حد كبير".

ويوضح في تصريحات للموقع الإلكتروني "بوبيولار ساينس" المتخصص في الأبحاث العلمية أن مؤشرات النوم المضطرب تظهر لدى مختلف الأنواع الحيوانية، فقد نجد كلبا يركل بقدميه دون وعي أثناء النوم، وقد ترتعش شوارب قطة أثناء نومها، في استجابة لشعور داخلي غير معلوم، ولكن المشي الحقيقي أثناء النوم، وهو ما يتضمن النهوض والسير وتفادي العقبات أثناء الحركة، فهو بالقطع ظاهرة لم يتم توثيقها لدى أي فصائل أخرى بخلاف الانسان.

ثغرة نادرة في منظومة النوم

ويصف سامسون المشي أثناء النوم بأنه "عملية انفصال" في سياق علم النفس، ويحدث بشكل أساسي في مرحلة النوم العميق غير المصحوب بحركة العين السريعة، ويقول إنه أثناء حدوث هذه الظاهرة "تتيقظ أجزاء المخ المرتبطة بالنشاط الحركي، في حين تظل الأجزاء الأخرى المرتبطة بالوعي والذاكرة واتخاذ القرار في حالة تشبه السبات".

ومن هذه المنطلق، يستطيع الجسم خلال المشي أثناء النوم الإتيان بأفعال مركبة تبعث على الدهشة مثل صعود درجات السلم وفتح الأبواب والتجول في ممرات مظلمة، وهو ما يجعل الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة يظهرون كما لو كانوا يمشون ولديهم دافع يسعون لتحقيقه، بينما لا تعي عقولهم الواعية ما الذي يفعلونه في حقيقة الأمر. ويصف سامسون هذه الحالة قائلا إن "الجسم يتحرك قبل أن يستيقظ العقل الواعي بشكل كامل".

وفي معرض دراساته في مجال النشوء والارتقاء، لا يرى سامسون أن هذا السلوك قد تطور لدى البشر لخدمة غرض معين، ويقول إنه ثغرة نادرة في منظومة النوم المنضبطة بدقة بالغة لدى الانسان.

ويعتقد أنه لو كانت هذه الثغرة قد ظهرت لدى أنواع حيوانية أخرى مثل الرئيسيات أي القرود بأنواعها على سبيل المثال "لكان قد ترتب عليها نتائج كارثية"، ويوضح أن "القرود مثلا تنام عادة فوق الأغصان، وبالتالي فإن الحركة دون وعي أثناء النوم قد يترتب عليها سقوطها وإصابتها بجروح وكسور قد تقضي عليها".

ويعتقد الباحث أن عملية الانتقاء الطبيعي، وهي العملية التطورية التي تساعد في تكيف الكائنات الحية مع بيئتها الطبيعية، لم تدفع الانسان للتخلص من داء المشي أثناء النوم، وأرجع السبب في ذلك إلى أن بيئة الإنسان الأول كانت تكفل له الحماية في حالة المشي أثناء النوم، "لأن أجدادنا الاوائل كانوا ينامون في أماكن آمنة تحظى بمظلة حماية اجتماعية من باقي أفراد الجماعة في المكان الواحد".

كأنه حلم

ويقول سامسون إن من أكثر الأشياء اللافتة بالنسبة له فيما يتعلق بالمشي أثناء النوم أن الشخص المصاب بهذا الداء قد يأتي بأفعال وسلوكيات حادة أثناء نوبة المشي، وعندما يتم الاستفسار منه بعد الاستيقاظ، فإنه عادة ما يروي ما حدث كما لو كان حلما أو رواية لا تخلو من منطق أو ترابط انفعالي.

ورغم أن العلم الحديث لم يعثر حتى الآن على الجين المسئول عن داء المشي أثناء النوم، يعتقد سامسون أن هذه الظاهرة ترتبط إلى حد كبير بعوامل وراثية، ويقول إن إصابة الأب أو الأم بداء المشي أثناء النوم يزيد بالقطع من احتمالات إصابة أحد الأبناء بهذه المشكلة. وقد أثبتت إحدى الدراسات أن الأطفال الذين ليس لديهم تاريخ أسري فيما يتعلق بالمشي أثناء النوم، تصل نسبة إصابتهم بهذه المشكلة إلى 22%، ولكن النسبة ترتفع إلى 47% لدى الأطفال الذين يشكو أحد الأبوين من هذه المشكلة وتقفز إلى 61% إذا كان الأبوان يعانيان من هذا الداء.

وفي حين أن المشي أثناء النوم قد يبدو كعادة غريبة أو حبكة درامية خيالية لدى الكتاب والمؤلفين، يرى سامسون أنه يكشف أمورا كثيرا بشأن الحالة الصحية للمصابين بهذا الداء.

ويقول إن "الحرمان من النوم والحمى والتوتر وتناول الكحوليات وبعض الأدوية وبعض مشكلات واضطرابات النوم هي كلها عوامل قد تفضي إلى الإصابة بهذه المشكلة"، وبالتالي فإذا كان شخص ما معرض للإصابة بهذا الداء لأسباب وراثية، فمن الأجدر أن يتلافي قدر المستطاع تلك العوامل الخارجية التي تزيد من مخاطر الإصابة بهذه الحالة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved