في ذكرى ميلاد كافكا.. الوصية التي صنعت أسطورته

آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

محمود عماد

«عزيزي ماكس.. احرقها بالكامل دون قراءتها»

 

هكذا أوصى فرانز كافكا صديقه المقرب ماكس برود، طالبًا منه التخلص من كل ما كتبه ولم يُنشر في حياته، سواء كان مخطوطات روائية أو قصصية، بالإضافة إلى يومياته التي كان يدوّنها ورسائله ورسوماته.

في كل عام، يستعيد العالم ذكرى ميلاد كافكا، لكن ربما تكون وصيته الأخيرة أكثر ما يستحق التوقف عنده؛ لأنها لم تحدد مصير أوراقه فحسب، بل كان من الممكن أن تغير تاريخ الأدب العالمي بأكمله.

كتب كافكا ونشر في حياته قصصًا وروايات، ولكنه لم يحظَ بالنجاح أو الشهرة الكبيرة؛ فمثلاً عند نشره رواية «التحول» لأول مرة لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وصاحب هذا الفتور في استقبال منجز كافكا الأدبي تشكك ذاتي دائم فيما يكتب، رغم الإشادة التي كان يتلقاها دائمًا من صديقه برود.

كانت وصية كافكا واضحة لا تحتمل التأويل، ومع ذلك كان يرى ماكس برود أنه لن يتخلص من إرث كافكا، وأنه لو أراد فرانز التخلص فعلاً من أعماله غير المنشورة فيجب عليه استئمان شخص آخر لينفذ الوصية.

 

مات كافكا عام 1924 مريضًا بالسل عن عمر يناهز الأربعين عامًا، وهو يشعر بالمرض والوحدة الوجودية، دون أن يصيب التقدير الأدبي المنشود، ولكنه لم يعلم أن بموته كـ«فرانز» سيولد كافكا الأسطورة.

نشر ماكس برود رواية «المحاكمة» عام 1925، وهي إحدى الروايات التي تؤكد على عبث الحياة، وعلى القيود البيروقراطية التي تقيد الفرد وتعزله في العالم الحديث، وهي العمل الذي لم يكملْه كافكا، وقام ماكس بتحريره ونشره.

ثم رواية «القلعة» عام 1926، التي تستمر في الأجواء الكابوسية والعبثية ذاتها، وهي أيضًا لم يكملها كافكا، بل إنه كتب لماكس برود أثناء كتابتها أنه لن يكملها، ولكن ماكس قام بتحريرها واختيار نهاية لها.

رواية «أمريكا» عام 1927، وهي أولى الروايات التي كتبها كافكا بين عامي 1911 و1914، وقد كتب في هذا التوقيت قصة منفصلة بعنوان «الوقاد» عام 1913، ووضع تلك القصة كفصل أول في بداية الرواية التي حملت بعد ذلك اسم «الرجل الذي اختفى»، ورغم ذلك فهو لم يكملها أيضًا، ولم ينشرها في حياته.

ويمكننا أن نلمس الروح السوداوية التي تطغى على الرواية، وهي تتسق مع مشروع كافكا في الكتابة عن الإنسان المنعزل، وهذا عبر الكتابة عن الفرد الأوروبي في أمريكا، وهي التعبير الأكبر عن شكل الحياة التي سيحياها الفرد في عصر العولمة.

وقد استمد كافكا بعض الأحداث من حكايات أقربائه الذين زاروا أمريكا. قام ماكس برود بتحرير الرواية، ونشرها بعد رحيل كافكا تحت اسم «أمريكا».

رحلة أعمال كافكا أخذت منعطفًا جديدًا عندما بدأت الحرب العالمية الثانية، وخوفًا من التنكيل النازي باليهود، هرب برود من براغ إلى فلسطين وبصحبته حقيبة تحتوي على أوراق كافكا، وكان كثير منها مسودات غير منشورة، ومذكرات يومية، ورسومات.

لاحقًا عُدّلت تلك الأوراق ونُشرت في ستة مجلدات من الأعمال المجموعة، ورغم ذلك بقي الكثير منها غير منشور. وعند وفاة برود انتقل إرث كافكا الأدبي إلى سكرتيرته إيستر هوفه، التي أوصى برود بأن تدير تركة كافكا الأدبية.

احتفظت إيستر بالحق في إدارة الإرث الأدبي لكافكا حتى وفاتها عام 2007، لتدخل أعمال كافكا في نزاع قضائي بين مكتبة إسرائيل الوطنية، التي رأت أن برود أراد أن تنتقل ملكية أعمال كافكا إليها بعد إيستر هوفه، وبين بنات إيستر اللاتي ادعين أن برود قد وهب إرث كافكا لأمهن باعتباره إرثًا خالصًا، وأردن بيع المخطوطات والأوراق في مزادات علنية في ألمانيا.

في النهاية حكمت المحكمة العليا في إسرائيل عام 2016 لصالح مكتبة إسرائيل الوطنية، معتبرة أوراق ومخطوطات كافكا إرثًا وطنيًا.

في عالم اليوم، ورغم مرور أكثر من قرن على رحيل كافكا، لا يمكن الإنكار بأي شكل من الأشكال أن تأثير الكاتب التشيكي أصبح عالميًا بشكل فاق كل توقعاته الشخصية.

وبعد كل هذه السنوات ما زالت كتابة كافكا الكابوسية معبرة عن الإنسان الحديث المنعزل، وعن عبث الحياة البيروقراطية المتطورة، بل إن اسمه نفسه تحول إلى مصطلح؛ فأصبحت "الكافكاوية" تعبر عن كل ما هو عبثي وسوداوي.

في وقتها لم يكن لكتابة كافكا مثيل يُرى؛ لأنه كان متمردًا على الكتابة التقليدية، جامحًا بخياله، ومع هذا مرتبطًا بالواقع للغاية، وكل من قرأ كافكا صدقه؛ صدق أنه في رواية «التحول» تحول غريغور سامسا إلى حشرة عملاقة دون أن يسأل: كيف؟

تأثير كافكا العالمي يمكننا لمسه في وصف الكاتب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز الذي قال إنه عندما قرأ افتتاحية رواية «التحول» سقط من على السرير، وإن تلك الرواية قد فتحت له أبواب الكتابة بطريقته الشهيرة "الواقعية السحرية"، حيث قال لنفسه: هل يمكن كتابة مثل هذه الأشياء؟.

أوصى كافكا أن تُحرق كل أعماله غير المكتملة، لكن ماكس برود أخلّ بالوصية، وخان صديقه، ولكنه لم يعلم في هذه اللحظة تحديًدا أن ما سيفعله سيحفظ للعالم إرثًا أدبيًا سيُخلد في التاريخ بعد ذلك.

إن تصرف ماكس برود بعدم حرق أعمال كافكا غير المكتملة، بل وتحريرها ومن ثم نشرها، يجعلنا نطرح عدة أسئلة: هل خان برود فعلاً صديقه المقرب؟ ما الذي كان من الممكن أن يحدث في عالم الأدب لو حُرم من أعمال كافكا؟.

لقد قام برود بدور المحرر الذي صاغ الأعمال غير المكتملة وقام بنشرها، وهذا يفتح سؤالاً آخر عن سلطة المحرر الأدبي على النص الإبداعي، وحدود سلطة الكاتب ذاته على نصه، بل إنه يفتح سؤالاً أكثر جدلية حول كتابة كافكا ذاتها: هل كانت هذه كتابة كافكا الحقيقية، أم أن ماكس برود قد ساهم في صنع تلك الأسطورة؟.

وتتعمق هذه الأسئلة أكثر، خاصة في عالم اليوم الذي أضحت فيه مطروحة بقوة وتؤرق الأوساط الأدبية، سواء العربية أو العالمية، حول علاقة المحرر والكاتب.

إن وصية كافكا تتماهى بشكل جلي مع شخصيته وقراراته في حياته، وتتوج مسيرة من الوحدة والخذلان والشك؛ كافكا الخاسر قرر أنه يجب أن يُمحى من التاريخ، لكنه لم يعلم أبدًا أن كافكا الحالي فائزٌ على الدوام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved