في معزوفة اليوم السابع «مدينة الجد الأول».. نبوءة سردية تفتش عن ملامح الإنسان الضائعة

آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوى

فى روايته «معزوفة اليوم السابع» يواصل جلال برجس مشروعه الروائى القائم على مساءلة الإنسان فى لحظات الانكسار الكبرى، لكنه هذه المرة يبتعد عن المكان الواقعى المباشر ليشيّد مدينة متخيلة تحمل ملامح العالم كله. فـ«مدينة الجد الأول» ليست مجرد فضاء للأحداث، وإنما استعارة واسعة للحضارة الإنسانية التى بدأت بالحلم، ثم تسللت إليها الكراهية والتمييز والعنف حتى أصابها ما تسميه الرواية بـ«اختلال الحواس».

يفتتح جلال برجس روايته بحكاية ذات طابع أسطورى عن «الجد الأول» الذى يغادر قريته مصطحبًا نايًا موعودًا بزمن قادم، ليؤسس مع رفيقته فضاءً جديدًا يغدو لاحقًا «مدينة الجد الأول». ولا تأتى هذه الحكاية بوصفها مجرد خلفية زمنية، بل باعتبارها أصلا رمزيًا لعالم الرواية، الذى ينتقل من براءة البدايات إلى عالم تتآكله الكراهية والتمييز والاغتراب.

والمثير أن شخصية باختو، بطل الرواية، لم تولد من الخيال وحده، بل من مشهد واقعى رآه جلال برجس قبل سنوات؛ إذ شاهد عامل نظافة يكنس الشارع وهو يضع سماعات فى أذنيه، ويتحرك على إيقاع الموسيقى كأنه يراقص مكنسته. ظل هذا المشهد عالقًا فى ذاكرة الكاتب حتى تحول إلى نواة شخصية باختو، الذى أصبح فى الرواية عامل نظافة يعثر وسط قسوة الحياة على مساحة للجمال، ويواجه التهميش بالموسيقى والقراءة والإيمان بالإنسان.

ومنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه لا يقرأ رواية واقعية بالمعنى التقليدى، بل نصًا يمزج الأسطورة بالفانتازيا والرمزية والواقع السياسى والاجتماعى.

وتنجح الرواية فى الانتقال من هذا المستوى الأسطورى إلى المستوى الإنسانى عبر شخصيتيها الرئيسيتين: «باختو» الغجرى، و«توليب» المصورة التى فقدت أسرتها فى حرب أهلية. كلاهما يحمل جرحًا عميقًا؛ الأول يعيش منبوذًا بسبب انتمائه إلى الغجر، والثانية أسيرة ذاكرة دامية لمذبحة مزقت طفولتها. لكن اللقاء بينهما لا يبنى على قصة حب تقليدية، بل على محاولة كل منهما العثور على الجزء المفقود من إنسانيته. وهنا تبدو العلاقة بين الشخصيتين وسيلة لاستعادة التوازن فى عالم فقد توازنه، أكثر منها علاقة عاطفية بالمعنى المعتاد.

ويقدم برجس شخصية باختو باعتبارها أكثر شخصيات الرواية ثراءً. فهو عامل نظافة، لكنه قارئ نهم، وموسيقى بالفطرة، وإنسان يرى الجمال فى أكثر المهن تواضعًا. رقصه بالمكنسة على أنغام الموسيقى ليس سلوكًا غرائبيًا بقدر ما هو إعلان عن قدرة الفن على تحويل العمل اليومى إلى فعل مقاومة. فبينما تنظر المدينة إليه باعتباره غجريًا هامشيًا، تكشف الرواية عن إنسان يمتلك حسًا جماليًا وثقافيًا يفوق كثيرًا من أبناء المدينة. ومن خلال هذه المفارقة يوجه الكاتب نقدًا واضحًا للأحكام المسبقة التى تصنعها المجتمعات تجاه المختلفين.

أما توليب، فهى تمثل الوجه الآخر للمعاناة. تعمل فى تصوير ضحايا النزاعات، لكنها فى الحقيقة تحاول تصوير جراحها الخاصة. الكاميرا بالنسبة إليها ليست أداة مهنية، وإنما وسيلة لفهم العالم واستعادة الثقة بالناس. لذلك يبدو انجذابها إلى باختو منطقيًا داخل البناء النفسى للرواية؛ فهى ترى فيه الوجه الذى لم تلوثه الكراهية، رغم كل ما تعرض له من تهميش.

يبلغ البعد الرمزى للرواية ذروته فى مشهد الوباء الذى يفقد فيه سكان مدينة الجد الأول القدرة على رؤية وجوههم فى المرايا، بينما يبقى باختو استثناءً يرى نفسه ويرى الآخرين. لا يقدَّم هذا الحدث بوصفه غرائبية سردية فحسب، بل يتحول إلى سؤال فلسفى عن الهوية؛ ففقدان الوجه يعنى فقدان الذات والوعى بالإنسان. ويعبّر النص عن هذا الذعر بقول الراوى: «تخيل للحظة ماذا يعنى ألا يصبح الإنسان قادرًا على رؤية نفسه، وكيف يستسهل الموت، فأصابته قشعريرة، وشعور جارف بالخوف». وهنا يغدو الوباء استعارة لانهيار البصيرة قبل البصر، إذ يفقد المجتمع قدرته على التعرف إلى نفسه، بينما يظل باختو، المهمَّش والمنبوذ، الأكثر احتفاظًا بإنسانيته وقدرته على الرؤية.

ومن أهم عناصر القوة فى الرواية قدرتها على تحويل المدينة إلى شخصية روائية قائمة بذاتها. فالأحياء المنقسمة، والمخيمات المعزولة، والنفايات التى تحاصر الغجر، والمرض الغامض الذى يصيب السكان، ليست مجرد تفاصيل مكانية، بل علامات على انهيار القيم الإنسانية. حتى «اختلال الحواس» الذى يصيب الناس يتجاوز معناه الطبى ليصبح رمزًا لفقدان القدرة على رؤية الحقيقة وسماع الآخر والشعور بمعاناته. إنها استعارة ذكية لمجتمع فقد بوصلته الأخلاقية.

وتحتل الموسيقى مكانة مركزية فى الرواية. فالناى الذى ينتقل عبر الأجيال، والكمنجة، والأغنيات، والرقص، كلها تتحول إلى لغة موازية للكلمات.

ويبدو الكاتب مؤمنًا بأن الموسيقى هى آخر ما يبقى للإنسان حين تعجز السياسة والدين والقوانين عن إنقاذه. لذلك لا تأتى المعزوفة فى عنوان الرواية باعتبارها عنصرًا جماليًا فحسب، بل باعتبارها وعدًا بالخلاص، أو على الأقل محاولة للحفاظ على ما تبقى من الروح.

على مستوى اللغة، يميل جلال برجس إلى كتابة شعرية كثيفة، تتجاور فيها الجملة السردية مع الصورة الشعرية دون أن يفقد النص إيقاعه الحكائى.

كما ينجح فى رسم مشاهد بصرية دقيقة تجعل القارئ يرى المدينة وشخصياتها كما لو كانت تتحرك أمامه. وفى الوقت نفسه لا تغرق الرواية فى الزخرفة اللغوية، إذ تظل اللغة خادمة للفكرة والشخصية والحدث.

كما يلفت الانتباه حضور الأسئلة الفلسفية فى النص، من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر. فالرواية تسأل: لماذا يتحول الإنسان إلى قاتل؟ وكيف تتوارث المجتمعات الكراهية؟ وهل يمكن للفن أن يغير العالم؟ وهى أسئلة تظل مفتوحة حتى بعد انتهاء القراءة، وهو ما يمنح العمل عمقًا يتجاوز الحكاية نفسها.

ورغم هذا الثراء، قد يشعر بعض القراء أن كثافة الرموز والإحالات الأسطورية، إلى جانب تعدد الخطوط السردية، تتطلب قدرًا عاليًا من التركيز، خاصة فى البدايات. إلا أن هذا الخيار يبدو منسجمًا مع طبيعة الرواية التى لا تراهن على التشويق وحده، بل على بناء عالم متكامل تتكشف دلالاته تدريجيًا.

فى النهاية، تقدم «معزوفة اليوم السابع» رواية تتجاوز حدود المكان والزمان، لتصبح تأملًا واسعًا فى مصير الإنسان، إنها رواية عن الذاكرة، والتمييز، والحروب، والهوية، لكنها فى جوهرها رواية عن الأمل أيضًا؛ الأمل الذى يمكن أن يولد من الموسيقى، ومن الحب، ومن قدرة الإنسان على رؤية الآخر خارج الأحكام المسبقة. ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها، ليس فقط باعتبارها عملًا سرديًا متقن البناء، وإنما باعتبارها دعوة إلى استعادة الحواس التى فقدها العالم، والعودة إلى الإنسان الأول الذى حلم بمدينة تتسع للجميع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved