الأونروا: ضغوط مالية وسياسة تهدد تعليم 540 ألف طفل من لاجئي فلسطين

آخر تحديث: الخميس 3 سبتمبر 2026 - 11:49 ص بتوقيت القاهرة

وكالات

يواجه برنامج التعليم في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين «الأونروا»، ضغوطًا مالية وسياسية متزايدة، تهدد قدرتها على الحفاظ على مستوى الخدمات التعليمية المقدمة لنحو 540 ألف طفل من لاجئي فلسطين بغزة والضفة والأردن وسوريا ولبنان، في وقت تكشف فيه بيانات الوكالة عن إرث تعليمي يمتد لنحو ثمانية عقود، تخرج خلالها 2.5 مليون فلسطيني من مدارسها وأسهموا في مجتمعاتهم في مجالات التعليم والطب والقانون وريادة الأعمال وغيرها.

وقالت جوليا ديكوم، مديرة برنامج التعليم في الأونروا، في حوار مع «أخبار الأمم المتحدة»، إن الوكالة تدير نظامًا تعليميًا موازيًا يعتمد المناهج الحكومية في مناطق عملها، ويقدم التعليم الأساسي عمومًا حتى الصف التاسع، فيما يمتد حتى الصف العاشر في الأردن وحتى الصف الثاني عشر بلبنان.

ويضم برنامج التعليم والتدريب التقني والمهني في الوكالة نحو 6 آلاف طالب من الفئة العمرية بين 16 و18 عامًا، مقارنة بنحو 8 آلاف طالب قبل 7 أكتوبر 2023، فيما تراجعت القدرة التشغيلية لمركزين بغزة في ظل الحرب، بحسب وكالة "معا" الفلسطينية.

وتؤكد ديكوم، أن خصوصية تعليم الأونروا تكمن في اندماجه مع أنظمة التعليم في البلدان المضيفة، بما يتيح للطلاب الانتقال إلى التعليم الثانوي والجامعي أو التدريب المهني بصورة سلسة، بدلًا من إنشاء نظام تعليمي منفصل عن البيئة التعليمية المحلية.

وأنتج هذا النظام، خلال نحو 80 عامًا، قاعدة واسعة من الخريجين، إذ تشير الوكالة إلى تخرج 2.5 مليون لاجئ فلسطيني من مدارسها، والتحاق أعداد كبيرة منهم بالتعليم العالي والتدريب، ثم العمل في قطاعات مختلفة، وبينهم معلمون وأطباء وممرضون ومحامون ورواد أعمال ومحاسبون وحرفيون.

وترى ديكوم، أن المدرسة تمثل بالنسبة للأطفال أكثر من مكان لتلقي الدروس، فهي المجال الأول الذي يتسع فيه عالم الطفل خارج الأسرة، وتنمو فيه آماله وأحلامه للمستقبل، مشددة على أن استمرار التعليم يرتبط بصورة مباشرة بمنح الأطفال فرصة لبناء حياة أكثر استقرارًا.

لكن هذا الدور يواجه ضغوطًا مالية غير مسبوقة، إذ تبلغ فجوة تمويل برنامج التعليم حاليًا نحو 100 مليون دولار حتى نهاية ديسمبر 2026.

وأجبرت الأزمة المالية الوكالة على تقليص أيام الدراسة إلى أربعة أيام أسبوعيًا بدلًا من خمسة، فيما يتلقى المعلمون وموظفون آخرون أجورًا مقابل 30 ساعة عمل أسبوعيًا بدلًا من 37 ساعة.

ولا يقتصر أثر التقليص على عدد أيام الدراسة، بل يمتد إلى الوقت المتاح للمعلمين لإعداد الدروس ومتابعة الطلبة والتعامل مع أولياء الأمور والقضايا التعليمية والاجتماعية التي تواجه الأطفال.

وفي مؤشر آخر على انعكاسات الأزمة، ارتفعت نسبة الطلاب إلى المعلمين إلى نحو 50 طالبًا لكل معلم، مقابل نسبة أفضل تقدر بنحو 30 طالبًا أو أقل، وفق ديكوم.

كما تقلص عدد الموظفين الفنيين الداعمين للمدارس، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا للأطفال الذين تعرضوا للحرب والصدمات.

وتضم مدارس الأونروا نحو 1000 طالب بالمدرسة الواحدة في المتوسط، وبعضها يعمل بنظام الفترتين، الأمر الذي يزيد صعوبة توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بصورة كافية، فيما تشير الوكالة إلى أن نحو مدرسة من كل ثلاث مدارس تقع في مناطق شديدة التأثر بالحرب وتحتاج إلى دعم إضافي.

وتبدو تداعيات الحرب أكثر حدة في قطاع غزة، حيث أغلقت معظم مباني مدارس الأونروا أو تحولت إلى ملاجئ منذ أكتوبر 2023، ورغم إعادة فتح عدد من المدارس أو تخصيص أجزاء من بعض المساحات للتعلم المؤقت، فإن غالبية تعليم أطفال لاجئي فلسطين في القطاع منذ عام 2024 يجري عبر التعليم عن بُعد.

وتقر ديكوم، بأن التعليم الإلكتروني لا يوفر بيئة تعليمية مثالية، لكنه يمثل في الظروف الراهنة الوسيلة المتاحة للوصول إلى غالبية أطفال لاجئي فلسطين في غزة.

ولا تقتصر القيود على القطاع؛ إذ بقيت 10 مدارس للأونروا في شمال الضفة الغربية مغلقة لفترة طويلة، فيما شهد جنوب لبنان فترات من إغلاق المدارس خلال العام الماضي قبل إعادة فتح معظمها.

وفي القدس الشرقية، تدخل مدارس الأونروا عامها الدراسي الثاني دون قدرة الطلاب على الوصول إليها؛ ما دفع الأطفال وعائلاتهم إلى البحث عن بدائل تعليمية أخرى.

وفي مقابل هذه التحديات، تبرز قصص نجاح تؤكد أثر التعليم في تنمية الإبداع لدى الطلبة، ومن أبرزها الشقيقتان فرح وتالا موسى، البالغتان 15 و17 عامًا، واللتان تخرجتا بمدارس الأونروا في غزة وفازتا في وقت سابق من العام بـ«جائزة الأرض العالمية لمنطقة الشرق الأوسط»، بعد ابتكارهما طريقة لتحويل أنقاض منزلهما إلى قوالب طوب يمكن استخدامها في البناء.

وترى ديكوم، أن تجربة الشقيقتين تمثل نموذجًا لقدرة التعليم على تحويل المعرفة، ولا سيما في العلوم، إلى حلول عملية للمشكلات، حتى في ظل ظروف الحرب والدمار.

وفيما يتعلق بجودة التعليم، أشارت ديكوم، إلى أن الأونروا تعمل على تحقيق التوازن بين استخدام المناهج الرسمية للدول المضيفة والالتزام بقيم الأمم المتحدة ومعايير اليونسكو، بما يضمن حيادية العملية التعليمية.

ومنذ عام 2024، تركز الوكالة على تنفيذ التوصيات التعليمية الواردة في تقرير كولونا، وقد أنجزت 62% من هذه التوصيات حتى أبريل 2026، بالتعاون مع اليونسكو ووزارات التربية والتعليم في الدول المضيفة.

وتختصر ديكوم التحدي الراهن في معادلة واضحة: "الحفاظ على المدارس مفتوحة في ظل نقص التمويل والحرب والأزمات السياسية، وتدعو إلى استثمار مستدام في التعليم، بالتوازي مع تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة"، معتبرة أن توفير تعليم قوي وآمن للأطفال لا يمثل استجابة إنسانية فحسب، بل استثمارًا في مستقبل المجتمعات التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون.

وبينما تحتفل المدارس حول العالم بعودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، تواجه مدارس الأونروا معركة للحفاظ على هذا الحق الأساسي لنحو 540 ألف طفل، وسط فجوة تمويلية تبلغ 100 مليون دولار، وتراجع في أيام الدراسة وارتفاع أعداد الطلاب داخل الفصول وتقلص خدمات الدعم، فيما يبقى مستقبل ملايين اللاجئين الذين مروا عبر مدارس الوكالة دليلًا على الأثر طويل الأمد الذي يمكن أن يتركه التعليم في حياة الشعوب والمجتمعات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved