حين تتغير صورة الجسد.. رحلة المتعافيات مع السرطان وإعادة بناء الثقة‎

آخر تحديث: الأربعاء 4 فبراير 2026 - 12:55 م بتوقيت القاهرة

أدهم السيد ورنا عادل وسلمى محمد مراد

يمثل مرض السرطان تجربة إنسانية مُعقدة لا تقتصر على الجانب الطبي فقط بل؛ تمتد لتشمل أبعادا نفسية واجتماعية هامة، خاصةً لدى النساء، حيث يرتبط الجسد بالهوية والأنوثة وتقدير الذات والصورة التي ترى بها المرأة نفسها ويراه بها الآخرون، فيما تتسعر دائرة تأثير التغيرات الجسدية المصاحبة للعلاج، مثل الجراحة أو فقدان الشعر أو آثار الأدوية، ولا تكون مجرد تحولات شكلية بل قد تمس الإحساس الداخلي بالذات والثقة والانتماء للجسد.

وتختلف طريقة تعامل النساء مع هذه التجربة من حالة إلى أخرى؛ إذ يتفاوت التأثير النفسي وفق عدة عوامل، منها العمر وطبيعة التغيرات الجسدية والخبرة الحياتية ومستوى الوعي وشبكة الدعم الأسري والاجتماعي، إلى جانب أسلوب الفريق الطبي في التواصل وتقديم المساندة، فبينما تنجح بعض النساء في إعادة بناء علاقتهن بأجسادهن واكتشاف مصادر قوة جديدة، تواجه أخريات صعوبات في التكيف وتقبل الصورة الجديدة للجسد في ظل ضغوط اجتماعية ومعايير جمالية قاسية.

ندبة باقية في الذاكرة


روت "ن ع" ابنة إحدى المتعافيات من سرطان الثدي، في حديثها لـ"الشروق"، أن أكثر ما علق في ذاكرتها من تجربة إصابة والدتها بسرطان الثدي كان تأثرها بجرح العملية، وأوضحت أنه بالرغم من ذلك فوالدتها كانت ترى أن الإصابة في سن أكبر كانت أهون نفسيا مما لو حدثت لها في سن صغيرة؛ حيث تكون وطأة التغيرات الجسدية أشد على الأصغر سنا، ليس بسبب صغر السن ورحلة العلاجج فحسب، ولكن بسبب إحساسها الداخلي والأفكار التي تشعرها بفقدان هويتها وأنوثتها بعد التغيرات الجسدية التي طرأت عليها خلال فترة العلاج.

وأضافت أن والدتها مازالت لا تستطيع نسيان مشهد مريضة شابة أتت بصحبة زوجها لأخذ جرعات العلاج الكيماوي وكيف كانت تبكي، وأشارت إلى أن والدتها رغم تعافيها ما زالت تتذكر التجربة كلما رأت أثر الجرح، مؤكدة أهمية وجود تأهيل نفسي متخصص يركز على إعادة بناء العلاقة مع الجسد وتعديل النظرة إليه بعد رحلة العلاج.

ما هي صورة الجسد؟ وكيف تتكون؟


وأوضحت الأخصائية النفسية مروة عدوي، في تصريحات لـ"الشروق"، أن صورة الجسد هي التصور الذهني الذي يحمله الإنسان عن جسده، وهي لا تقتصر على شكله الواقعي، وهذا المفهوم يبدأ مبكرا في الطفولة فيما يعرف بمرحلة "المرآة"، وهي المرحلة التي يبدأ بها الطفل في إدراك أن الجسد الذي يراه هو ملكه ومنفصل عن الأم ومن هنا تتكون نواة الهوية الجسدية.

وأضافت أن صورة الجسد لا تُبنى فقط على الرؤية المباشرة بل تتشكل تدريجيا عبر اللغة وتعليقات المحيطين؛ حيث يتعلم الطفل أن بعض الصفات جميلة وأخرى قبيحة، ويبدأ في إدخال أحكام المجتمع إلى إدراكه لذاته وهو ما قد يجعل الصورة النفسية بعيدة عن الحقيقة الموضوعية.

لماذا تؤثر التغيرات الجسدية المرتبطة بالسرطان على صورة الجسد؟


وتابعت حديثها مشيرة إلى أن الأمراض الجسدية الشديدة، وعلى رأسها السرطان، تُحدث خلخلة في البنية النفسية؛ لأن الجسد يتحول من كيان مألوف إلى مصدر ألم وإجراءات طبية وجراحات وآثار جانبية، بالإضافة إلى أن اللغة الشائعة حول المرض والعبارات مثل "محاربة السرطان" تعزز إدراكا يعتمد على الصراع في عقل المريضة ويجعلها تشعر بأن جسدها يتعرض لتهديد.

كما أن التغيرات مثل فقدان الشعر والندبات واستئصال الأعضاء تدفع المرأة لمواجهة صورة جديدة لجسدها، مما قد يسبب صعوبة في التكيف والانتماء للشكل الجديد وتختلف شدة ذلك من حالة لأخرى.

كيف تؤثر تعليقات المجتمع والمحيطين؟


وأشارت مروة إلى أن غالبا ما تكون أكثر الاستجابات شيوعا بعد التغيرات الجسدية المصاحبة للمرض هي القلق والاكتئاب واضطراب صورة الجسد وصعوبة التكيف مع المظهر الجديد، إلى جانب سلوكيات تجنب مثل الامتناع عن النظر في المرآة أو إلى الجسد، أو على العكس بالانشغال المفرط بتفاصيل الشكل ومراقبته باستمرار.

وأضافت أن تضخم التركيز على الجسد سواء من المريضة نفسها أو من المحيطين بها، قد يزيد من حدة الاضطراب النفسي بدلا من تخفيفه، موضحة أن تعليقات الآخرين حتى لو كانت بدافع القلق والحب فهي قد تترك أثرا سلبيا، والأفضل هو الدعم المتزن والحنان وتجنب الشفقة الزائدة أو التعليقات الجسدية المباشرة بشكل عام.

رحلة تعافٍ ومصدر إلهام للنساء


قالت أميرة الشاذلي، مدربة صحة معتمدة من الاتحاد الدولي ومتخصصة في دعم مرضى السرطان ومتعافية من سرطان الثدي لـ"الشروق"، إن دعم أسرتها وزوجها كان عنصرا أساسيا في رحلتها العلاجية، موضحة أنها تعاملت مع المرض باعتباره اختبارا وفرصة ثانية للحياة.

وأضافت أن هذا المنظور ساعدها نفسيا على تجاوز مرحلة صعبة ورحلة علاجبة مليئة بالتحديات، والتي شملت استئصال كامل للثدي مع إعادة بناء باستخدام عضلة من الظهر، وجعلها تنظر إلى السرطان كمرض يمكن التعامل معه وليس نهاية الطريق، وأشارت إلى أن التجربة كانت نقطة تحول دفعتها لاحقا إلى دخول مجال التدريب الصحي وتفوقها به لمساعدة نساء أخريات على تجاوز المشاعر السلبية المصاحبة للمرض، خاصةً مع شغفها الدائم لتطوير نفسها.

البدء من جديد ليس مستحيلا


وأكدت أميرة أهمية اعتبار الدعم النفسي جزءً أساسيا من رحلة العلاج، خاصةً في ظل ما قد تتعرض له بعض المريضات من ضعف المساندة أو ردود فعل سلبية من المحيطين، لافتة إلى أنها شهدت حالات تأثرت فيها المريضة بالانفصال أو بعدم التقبل خلال فترة العلاج وهو ما انعكس سلبا على حالتها النفسية وكان أصعب من خطوات العلاج نفسها، لذا شددت على دور جلسات الدعم الفردي والجماعي في مساعدة النساء على تقبل التغيرات الجسدية وإعادة بناء علاقتهن بأجسادهن.

كما أوضحت أنها تحرص على تشجيع المريضات على تقبل أجسادهن كما هي وتذكيرهن بأن القيمة الحقيقية للإنسان لا ترتبط بجزء من الجسد، مع تعريفهن بالخيارات التجميلية والحلول التعويضية المتاحة خلال فترة العلاج، وأهمية تعلم طلب الدعم وبناء الذات، واكتشاف اهتمامات وهوايات جديدة تساعد على التوازن النفسي.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن العديد من الحالات حققت تحولات ونجاحات مهنية وشخصية ملحوظة بفضل الدعم النفسي وتعزيز الثقة بالنفس، وإدراك أن المرض ليس نهاية الطريق وأن لا شيء أغلى من التمسك بالحياة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved