الانكسار تحت وطأة الابتزاز.. كيف يصبح الشعور باليأس والعار محركا لقرارات الانتحار لدى الفتيات؟

آخر تحديث: الإثنين 4 مارس 2024 - 10:19 م بتوقيت القاهرة

الشيماء أحمد فاروق

في ظل تصاعد قضايا الابتزاز الإلكتروني وأثرها الخطير على الشباب، تبرز قضية نيرة صلاح، الطالبة في كلية الطب البيطري بجامعة العريش، كحالة تثير القلق والاهتمام، حيث تداول اسمها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي بعد وفاتها المأساوية، وفتح تحقيق رسمي للكشف عن ملابسات الحادث، بعد تأكيد أصدقائها تعرضها لتهديدات بالابتزاز الإلكتروني قبل وفاتها.

وكشفت النيابة العامة في تحقيقاتها، حتى الآن، أن الطالبة تناولت حبة غلة سامة، أدت إلى وفاتها، بسبب تعرضها إلى "ضغوط نفسية ناجمة عن تهديد إحدى زميلاتها (المتهمة الأولى) بنشر مراسلات نقلتها خلسة من هاتف المتوفاة إلى هاتفها وأرسلتها إلى زميلها (المتهم الثاني) الذي دَون على المجموعة التي تتضمن جميع طلاب الدفعة بالجامعة على تطبيق الواتساب بأن إحدى الطالبات (دون الإشارة إليها تحديدًا) لها مراسلات وصور خاصة بها مهددًا إياها بنشرها في الوقت الذي يختاره الطلاب على المجموعة، وصحب ذلك، طلبه منها الاعتذار عما بدر منها من إساءة في حق المتهمة الأولى.

تظهر هذه القضية جانبا مظلما في حياة الفتيات في مصر، وهو لجوئهن إلى الانتحار في حالات الابتزاز الإلكتروني، أو الابتزاز بأمور تتعلق بأجسادهن، نيرة ليست الحالة الأولى، فقد سبقتها فتيات أخريات إلى نفس المصير، ومن بينهن بسنت خالد، بعد تعرضها لتهديدات بنشر صور منسوبة لها بقصد استغلالها جنسيا وإجبارها على ممارسة أفعال مُخلة، كما انتحرت الطفلة هايدي شحاتة بعد وقوعها فريسة للابتزاز الإلكتروني بصور مفبركة، وجميعهن انتحرن بواسطة حبة "غلة" سامة. وهذا بدوره يفتح النقاش حول الصورة التي يكرس لها المجتمع بشأن أجساد النساء ووصمة العار التي تلحق بهن وينتج عنها حالة رعب لدى الضحية تقودها إلى التخلص من حياتها خوفا من الوصم المجتمعي.

- الوصم المجتمعي السبب في الانتحار

تقع النساء داخل منظومة القيم والتقاليد الخاصة بكل مجتمع، ووفقا للسياق الاجتماعي الذي يحدد مكانتها داخله، ورغم التقدم الكبير الذي بلغته المجتمعات العربية الشرقية، إلا أن النساء لازلن تحت ما يسمى النظام الأبوي، الذي يرى الرجل هو السلطة الأعلى من المرأة، وأنها تابع له، وتعد أجساد النساء جزء لا يتجزأ من سيطرة هذا النظام، الذي يتسامح مع الرجل في أفعاله الجنسية، بينما يصل حد القتل أو الوصم والعار في حالة النساء، وفقا لكثير من الدراسات والمراجع النسوية، ومنها كتاب النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب.

وأرجعت المحامية والباحثة القانونية النسوية هالة دومة، سبب انتحار الفتيات بشكل أساسي قائلة: "مفيش حلول فورية، الحل القانوني هو حل بطئ ولا يتناسب مع خطورة ما تتعرض له الفتاة وحجم الجريمة، ورغم وجود تشريعات ووحدات خاصة بتكنولوجيا المعلومات، إلا أن الإجراءات والبيروقراطية الشديدة تجعل الأمر يسير ببطئ، وحتى بعد تحريك محضر الشرطة، هناك مجموعة من القيود على استخدام التكنولوجيا للوصول للمتهمين، لذلك معظم الحالات تتأخر حتى يحدث تحرك فعلي".

وتضيف: "الصورة النمطية لأجساد النساء هي السبب الأكبر في الوصم المجتمعي، الفتاة تلجأ للانتحار لأنها واثقة من وضعها في خانة العار الذي سيلاحقها طول الوقت رغم أنها معتدى عليها، حتى وإن كانت الأشياء المستخدمة لابتزازها حقيقية فهي ليست خطأها وإنما خطأ الشخص الذي يبتزها وقرر ارتكاب هذا الفعل، لكن الصورة النمطية التي نوضع داخلها جميعا نحن النساء، هي التي تجعلنا نشعر أن العالم ينتهي إذا رأى شخصا ما صور خاصة بنا أو في وضع خاص، أو قيل أن شخص يمتلك صورا تتعلق بأجسادنا، وبالتالي إذا لم تكن هذه الصورة حاضرة في أذهان الفتيات، فإنهن لم يكن ليفكرن في اللجوء للانتحار، وكثرة حالات الانتحار التي نسمع عنها".

وتحدثت دومة في هذا السياق عن وضع الرجل في هذه المعادلة، فإذا استبدل الموقف، وتعرض رجل لابتزاز يتعلق بصور خاصة بجسده فإن ردود الفعل ستختلف تماما، ولن يحدث أي شئ يضر هذا الرجل، "إذا حدث العكس وتعرض رجل لابتزاز لن يحدث له شيء، نحن نرى رجالا يتم تسريب لهم مقاطع فيديو جنسية كاملة ويتم استقبالهم استقبال الفاتحين، ولا يكون لدى أصدقائهم أي غضاضة أو خجل أو شعور بالعار في استكمال هذه الصداقة أمام الناس، وأقصد هنا أشخاص بعينهم، مثل ما حدث مع مخرج شهير وكان مسئولا عن تصوير فتيات ورغم ذلك استقبل ولم يكن لأحد أي مشكلة في التعامل معه، أما إذا كان الرجل معتدى عليه وتم ابتزازه فإن المجتمع لن ينظر له نظرة مخجلة أو يتخذ رد فعل تجاهه بخلاف ما يحدث للفتيات، حتى وإن كانت الصور المٌسربة مفبركة".

تشعر الفتاة بهذه التفرقة والقيود التي توضع على جسدها في مرحلة مبكرة للغاية من عمرها، من خلال طريقة التعامل التي تفرق بينها وبين أخيها الذكر أو أي ذكر في عائلتها، ويتكرس داخل عقلها مدى أهمية هذا الجسد وأن أي انتهاك له أو كشف جزء منه هو كارثة كبرى، وتشرح المفكرة النسوية سيمون دو بفوار هذا بشكل أوضح في كتابها الجنس الآخر، الذي كتب عنه فيليسيتي جوزيف مقالا بعنوان آراء دو بفوار في الجسد، جاء فيه: "عندما يحدث التطور الجسدي للفتاة، فإن كل مرحلة تُختبر بوصفها صدمة، وتميزها بحدة، أكثر فأكثر، عن الجنس الآخر، وخلال مرحلة نضوج جسد الفتاة، يظهر المجتمع ردة فعل منذرة، وعنيفة بشكلٍ متزايد، وتسمى دو بفوار هذه المرحلة بتحول الجسد، أي عملية يختبر المرء نفسه من خلالها ككائن جنسي، ويصبح جسده محل لنظرة الآخر"، وتقول دو بفوار نصا: "تشعر الفتاة الصغيرة أن جسدها يهرب منها.. في الشارع، يلاحقها الرجال بنظراتهم، ويعلقون على تكوينها، وهي ترغب أن تصبح غير مرئية؛ يخيفها أن تصير جسدًا، وأن تظهر جسدها". وكل هذا يؤدي إلى تعزيز شعور الفتاة "أن الجسد الأنثوي كريه، مؤلم، محرج، مشكلة يجب حلها، قبيح، غريب، إلى آخره، حتى لو حاولت الفتاة أن تنسى امتلاكها لجسد أنثوي، فسيذكرها المجتمع".

- حالة من الإرهاب الاجتماعي

علقت الناشطة النسوية آية منير على انتحار نيرة صلاح قائلة: "هناك حالة إرهاب اجتماعي تحدث حول أجساد النساء، وعلاقتهن بشركائهن أو علاقاتهن بأجسادهن، هناك سيدات يتم معاقبتهن لأنهن رقصن على تيك توك، الموضوع مرتبط ببعضه ويصب في نفس البوتقة، لأن هناك حالة من الخوف متصدرة عن أجساد النساء، حتى إذا كان الأمر يتعلق بابتزاز أو تسريب على يد زوج سابق، فإن الوصم يلاحق النساء فقط، ويكتفى بتوجيه بعض الشتائم أو التوبيخ للرجل، ويظهر ذلك جليا من خلال تعليقات الناس على منصات التواصل الاجتماعي، على أي صورة لفتاة عادية أو فنانة ترتدي فستانا بكامل حريتها، نجد أن أغلب التعليقات خارج الآداب العامة وبها شتائم موجهة للمرأة وأغلبها ينصب نحو الجسد".

وترى آية أن هذه الحالة من الإرهاب بالتأكيد تصل لكل الفتيات في المجتمع وتشعرهن برعب شديد، لأنهن يعلمن جيدا أن الأهل والمجتمع لن يكن في صفهن، مضيفة: "حالة رعب إنها تواجه أهلها حتى وإن لم تكن مذنبة أصلا، ولكن تشعر بالخوف مما سيحدث، العقاب أو الوصم، والابتزاز الإلكتروني من أكثر أنواع العنف المرتبطة بأنواع عنف أخرى، مثل العنف الأسري، وبالتأكيد البنات تشعر بخوف شديد من الوصم الذي سوف يلاحقها وترى في هذه الحالة أن الحياة قد انتهت ولذلك تلجأ للموت لأنه في نظرها الحياة تعتبر عذاب" .

أما النقطة الثانية المتعلقة بسلطة الجسد الممارسة داخل المجتمع، هي تعزيز غطاء الجسد عن الحياة، وترى آية أن حالة التمجيد الشديدة للنساء اللاتي يخرجن من تحت الركام في الحروب وهن يبحثن عن غطاء لشعرهن أو أجسادهن، تضع الفتيات في حالة مقارنة "ماذا عنكِ؟"، وقالت آية: "بعيدا عن المنظور الديني، هي حالة من السيطرة الذكورية التي تفرض صورة حول أن تغطية الشعر أو الجسد أثناء القصف شرف كبير، حتى المصطلحات والعبارات المستخدمة لوصف الاغتصاب، مثل دافعت عن نفسها حتى الموت، عبارات توحي بأن من دافعت حتى الموت هي في مرتبة أعلى من أخرى استسلمت، كل هذا يؤثر على أفكار الفتيات تجاه أجسادهن ويجعلهن في حالة ضعف أمام المبتز، لأن المبتز يعلم جيدا هذه السياقات وبالتالي يسيطر عليهن، وتظل هي تحت التهديد، بالإضافة إلى أن الأهل في الغالب لا يكونوا في صفها، وبالتالي تشعر أن حياتها انتهت وتلجأ للانتحار لأن الموت أهون من أن يرى شخص ما جسدها".

- تطبيق القانون يجب أن يتخلص من البيروقراطية

تشير هالة دومة في حديثها كثيرا إلى بطيء وبيروقراطية الإجراءات التي تحيط بهذه النوعية من القضايا والتي تتسبب في مشاكل أكبر للفتيات، لأن التحرك الفعلي لا يتناسب مع خطورة الموقف، وذكرت أن هناك بعض الفتيات يلجئن إلى طرق أخرى غير شرعية للتعامل مع الموقف.

توضح دومة: "لعلم الفتيات بتأخر الإجراءات القانونية الشرعية يلجئن إلى الحلول غير القانونية مثل اللجوء إلى الهاكرز، شخص يخترق الحسابات الإلكترونية، وهي حلول خطرة، والسبب هو خوف الفتيات من التبليغ أو كشف الأمر ووصول ما يحدث إلى عائلتها، وأول سؤال يأتي في ذهن البنت هل أهلي هايعرفوا؟ هل المحضر هيتبعت للبيت؟، وللأسف في بعض الأوقات ممكن يصل الأمر إلى علم الأسرة لأن المحاضر تحول على أقسام الشرطة التابعة لدائرة سكن الفتاة، وبالتالي البنات بتحس إن ضهرها للحيطة".

أما عن دور المجتمع المدني في هذا السياق، تقول دومة: "بشكل عام يتلخص دورهم في الخطوات المحدودة المتعلقة بالدعم القانون أو التقني الشرعي، بعيدا عن الاختراق أو سرقة الحسابات التي يقوم بها الهاكرز، والذي يبتز بعضهم الفتيات فيما بعد، المجتمع المدني مكبل بالموقف القانون في مصر وبحكم العملية القانونية الطويلة جدا التي نضطر للسير فيها للوصول لحق الفتيات، وضيق مجال الدعم التقني المشروع، وبالتالي مجال التوعية مهم وأساسي كأحد الأدوار، كيفية توعية الفتيات حول عدم الوصول لمرحلة الابتزاز، من خلال تأمين الهواتف لتجنب حالات الاقتراق، وفي دور مهم جدا للمجتمع المدني يتعلق بتغيير الوضع الحالي من خلال الضغط لتغيير السياسات نفسها مثل تمرير قوانين تتناسب مع الحالة التي تحتاجها الضحايا والضغط لتفعيل بنود مواد خاصة بحماية الشهود والمبلغين في القضايا المماثلة، لعدم تعرضهم لمشاكل وحماية أمنهم، ولكي لا تخشى الفتيات من البلاغات الرسمية".

وعن النصائح التي قدمتها للفتيات كان على رأسها اللجوء إلى القانون أو متخصص بشكل شرعي، ومحاولة الابتعاد عن الخوف لأن المبتز جبان، والحرص شيء مهم حتى من دوائرنا القريبة، حتى لا يحدث اختراق، وأيضا الحصول على تدريبات تتعلق بالسلامة الرقمية والأمان الرقمي.

يذكر أن الدولة توفر العديد من مراكز الدعم النفسي للأشخاص الذين يعانون حالات اكتئاب ومشاكل نفسية، يمكن اللجوء إليها عبر التواصل معها، مع الاحتفاظ بسرية البيانات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved