1200 حلم يجتمعون في العاصمة الجديدة.. كواليس اليوم الأول من التصفيات النهائية للمشروع الوطني للقراءة

آخر تحديث: الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 4:39 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

لم يكن المشهد في فندق الماسة بالعاصمة الجديدة، صباح الثلاثاء، مجرد بداية لتصفيات مسابقة ثقافية، بل بدا أقرب إلى احتفال كبير بالقراءة؛ أكثر من 1200 متسابق ومتسابقة جاءوا من جميع محافظات الجمهورية، يحمل كل منهم حقيبة صغيرة، وداخلها كتب رافقته أشهرا طويلة، وأحلام أكبر قادته إلى المرحلة الأخيرة من الموسم الخامس للمشروع الوطني للقراءة.
هؤلاء الطلاب، الذين اجتازوا مراحل متتالية من التصفيات داخل المدارس والجامعات والمؤسسات المشاركة، بدأوا رحلة جديدة تمتد ثلاثة أيام، من 4 إلى 6 أغسطس الجاري، يتنافسون خلالها على جوائز تبلغ قيمتها الإجمالية 20 مليون جنيه، بينما ينتظر في النهاية 40 فائزا فقط الصعود إلى منصة التتويج.

لكن منذ الساعات الأولى، بدا واضحا أن الفوز لا يُقاس بالأرقام وحدها؛ ففي أروقة الفندق، كانت الكتب تنتقل من يد إلى أخرى، والمراجعات الأخيرة لا تتوقف، بينما يتبادل المشاركون النقاش حول الروايات، والفلسفة، والتاريخ، والترجمة، والشعر، في مشهد يصعب أن يجتمع بهذا الزخم خارج مشروع جعل القراءة أسلوب حياة، لا مجرد مسابقة.

داخل قاعات التحكيم، جلس الأطفال واليافعون والشباب أمام اللجان بثقة لافتة.

لم تكن الإجابات محفوظة، بل جاءت أقرب إلى حوارات حقيقية مع قراء صنعوا علاقتهم الخاصة بالكتاب، وسط أسئلة عن دور المترجم، وأخرى عن النصوص الأصلية، ونقاشات حول الأدب العربي، وقضايا الفكر، كشفت أن ما يحدث هنا يتجاوز حدود المنافسة إلى صناعة قارئ يمتلك أدوات التفكير.
الدكتور عبده إبراهيم، مدير المشروعات التربوية والجودة بمؤسسة البحث العلمي للاستثمار، وصف انطلاق التصفيات بأنه تتويج لرحلة طويلة من الاجتهاد خاضها آلاف المتسابقين طوال العام، مؤكدا أن المشروع لا يستهدف فقط اختيار الفائزين، بل يسعى إلى بناء جيل يؤمن بأن القراءة هي الطريق إلى مستقبل أكثر وعيا وإشراقا.

أما ليلى الزبدة، رئيسة لجنة التحكيم، فأكدت أن المستوى الذي ظهر به المتسابقون في اليوم الأول عكس حجم الجهد المبذول طوال أشهر الإعداد، مشيرة إلى أن المشاركين أظهروا ثقة كبيرة في عرض أفكارهم ومناقشتها، وهو ما جعل مهمة لجان التحكيم أكثر صعوبة.

ومن جانبه، رأى الدكتور كريم همام، مستشار وزير التعليم العالي للأنشطة الطلابية ومدير معهد إعداد القادة، أن المشروع نجح في ترسيخ مكانته داخل الجامعات المصرية، وتحول إلى واحدة من أهم المسابقات الثقافية التي تشجع الطلاب على القراءة واكتشاف مواهبهم.

ولم تقتصر أجواء اليوم الأول على جلسات التحكيم، بل امتدت إلى اللقاءات المفتوحة بين الطلاب والكتاب والمثقفين المشاركين في الفعاليات.

كانت الحوارات تدور بحرية، بعيدا عن الرسمية، لتمنح المشاركين فرصة مناقشة مؤلفين وكتاب طالما قرأوا لهم.

عدد من الكتاب الذين شاركوا في الفعاليات عبروا عن دهشتهم بالمستوى الذي لمسوه بين الطلاب؛ فقد أكدوا أن الصورة النمطية التي تردد أن الأجيال الجديدة لا تقرأ، بدت بعيدة تماما عن الواقع الذي شاهدوه، بعدما وجدوا أطفالا يناقشون قضايا الترجمة، وطلابا يتحدثون عن طه حسين، وآخرين يطرحون أسئلة نقدية عميقة، بل ويتحدثون باللغة العربية بطلاقة وثقة.

إشادات بتنوع الخلفيات التعليمية للمتسابقين

كما أشاد المشاركون بتنوع الخلفيات التعليمية للمتسابقين، حيث اجتمع طلاب المدارس الحكومية والأزهرية والجامعات في مكان واحد، يتبادلون الخبرات والكتب والأحاديث، بعيدا عن أي حواجز، وهو ما منح التصفيات بعدا إنسانيا لا يقل أهمية عن بعدها الثقافي.

ولعل أكثر ما ميز اليوم الأول، أن المشروع لم يقدم القراءة باعتبارها نشاطا فرديا، بل بوصفها تجربة جماعية تصنع الصداقات، وتفتح أبواب الحوار، وتخلق مساحة يلتقي فيها أبناء المحافظات المختلفة حول شغف واحد.

ويعد المشروع الوطني للقراءة، الذي انطلق عام 2020، أحد أكبر المشروعات الثقافية في مصر والعالم العربي، إذ يقوم على أربعة أبعاد رئيسية تشمل الطالب المثقف، والجامعي، والمعلم المثقف، والمؤسسة التنويرية، ويمنح الفائز الأول في كل بُعد جائزة مالية قدرها مليون جنيه، إلى جانب كأس المشروع.

ومع استمرار أعمال التحكيم حتى 6 أغسطس، يبقى الترقب سيد الموقف، في انتظار الإعلان عن الفائزين الأربعين. لكن المؤكد أن المشهد الذي صنعه اليوم الأول حمل رسالة تتجاوز أسماء الفائزين؛ رسالة تقول إن القراءة ما زالت قادرة على جمع هذا العدد من الحالمين، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من كتاب يفتحه طفل، أو سؤال يطرحه طالب، أو حلم يقود صاحبه من أقصى محافظة إلى العاصمة الإدارية، مؤمنًا بأن المعرفة يمكن أن تغير حياته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved