رسالة من إبراهيم المعلم إلى خالد العنانى مدير عام اليونسكو: أقترح تعريفا أكثر شمولا ومرونة للصناعات الثقافية والإبداعية
آخر تحديث: الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:04 م بتوقيت القاهرة
- أحدث تقديرات «اليونسكو» قبل أى توسيع مقترح للتعريف: الصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت تمثل نحو 6% من الاقتصاد العالمى
- أعبر عن بالغ امتنانى لهذا الحوار الثرى والبناء.. وأتطلع باهتمام وأمل إلى ما تقوم به «اليونسكو»
- الصناعات الثقافية والإبداعية هى المنظومة التى يكون فيها الإبداع الإنسانى والمعرفة والمحتوى الأصيل والتصميم والملكية الفكرية مصادر أساسية للقيمة الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية
بعث المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، خطابا إلى الدكتور خالد العنانى، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، يتضمن مقترحًا لتحديث تعريف الصناعات الثقافية والإبداعية، بما يواكب التحولات التكنولوجية والإبداعية المتسارعة، ويستوعب المجالات التى اتسع تأثيرها خلال السنوات الأخيرة، وفى مقدمتها الذكاء الاصطناعى والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات ذات المحتوى الإبداعى.
وعقب الخطاب جرى اتصال هاتفى بين المعلم والعنانى لمناقشة المقترح أعقبه خطاب تكميلى قصير من المعلم قدم خلاله محاولة لتعريف دقيق للصناعات الإبداعية، وعبّر عن تقديره للحوار الذى دار بينهما، مشيدًا بإحاطة العنانى بمختلف أبعاد ومجالات الصناعات الثقافية والإبداعية.
وخلال الخطابين أشار المعلم إلى أن أحدث تقديرات اليونسكو، وفق ما أوضحه العنانى، تشير إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية، وفق نطاقها الحالى وقبل أى توسيع مقترح لتعريفها، أصبحت تمثل نحو 6% من الاقتصاد العالمى، موضحًا أن هذا التقدير يؤكد الأهمية المتزايدة لهذه الصناعات ومكانتها فى الاقتصاد العالمى.
وفيما يلى نص الخطاب:
معالى الدكتور خالد العنانى المحترم
أهديكم أصدق التحيات وأطيب التمنيات بمزيد النجاح والتوفيق ، وأعبر لكم عن فائق الاعتزاز والتقدير لرسالتكم ورسالة اليونسكو الرفيعة.
أكتب إليكم بشأن صناعة من أهم وأكبر الصناعات فى العالم وأوسعها انتشارا وأعمقها تاثيرا وفى نفس الوقت أسرعها نموا وتطورا بما يشبه القفزات السريعة المتتالية نحو المستقبل حتى أصبح من الصعب ومن الضرورى فى نفس الوقت ملاحقتها وقيادتها قبل أن نفقد القدرة على المواكبة، إنها ما اتفق عالميا على تسميتها بالصناعات الإبداعية ،مقترِحًا أن تنظر اليونسكو بقيادتكم العصرية القديرة فى سياسات ومفاهيم جديدة تبدأ أولا وابتداءً بإجراء مراجعة رسمية لتعريف الصناعات الإبداعية وتصنيفها، بما يجعل هذا التعريف أكثر اتساقًا مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية العميقة التى يشهدها عصرنا.
ولا شك فى أن الإطار الحالى لليونسكو يشمل مجالات أساسية، من بينها التراث، والفنون، والنشر، والكتب والصحافة، والموسيقى، والسينما، والوسائط السمعية والبصرية، والتصميم، والوسائط التفاعلية. غير أن سرعة التغيير واتساع نطاقه يفرضان اليوم اعتماد تعريف أشمل وأدق وأكثر استشرافًا للمستقبل؛ تعريف يعترف صراحة بكل صناعة تستمد جانبًا جوهريًا من قيمتها الاقتصادية والاجتماعية من الإبداع أو المعرفة أو المحتوى الأصلى أو التصميم أو الملكية الفكرية.
وفى هذا السياق أرى أن هناك ثلاثة مجالات تستحق اهتمامًا خاصًا وتستحق أن يشملها تعريف اليونسكو للصناعات الابداعية:
أولًا، ينبغى الاعتراف صراحة بالذكاء الاصطناعى الإبداعى والتوليدى، لا باعتباره مجرد تقنية مساندة، بل بوصفه مجالًا جديدًا واسعًا للإنتاج الفكرى والإبداعى، وصناعة قائمة بذاتها، وقوة تحويلية تمتد آثارها إلى معظم قطاعات الإبداع الأخرى. فالذكاء الاصطناعى يشارك اليوم فى إنتاج النصوص والصور والموسيقى والتصميم والأعمال السمعية والبصرية والبحوث والبرمجيات والمحتوى التعليمى. وقد أصبح فى آن واحد مركزًا للقدرة الإبداعية ومضاعفًا لها، بما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية وثقافية وأخلاقية بالغة الأهمية، لا يجوز أن تظل من دون تصنيف واضح، وقياس دقيق، وحوكمة مسئولة.
ومن ثمّ، ينبغى دراسة الصناعات التى تقوم بتطوير هذه الأنظمة وتستخدمها، وقياسها بعناية، إلى جانب دراسة الحجم الهائل والمتنامى من المحتوى الذى تنتجه، وتحليل أثر ذلك كله على المبدعين، وفى فرص العمل، وحقوق الملكية الفكرية، والتنوع الثقافى، وتوزيع العوائد الاقتصادية.
ثانيًا، ينبغى أن تحظى الصحافة باعتراف واضح وشامل، بمختلف أشكالها المطبوعة والرقمية والمسموعة والسمعية البصرية. فهذه المجالات ليست مجرد قنوات للاتصال، بل هى أيضًا منتجة وناشرة لمحتوى فكرى أصلى يقوم على البحث والتحقيق والتحقق والتحليل والكتابة والتحرير والتصوير والتصميم. ويتمتع هذا العمل بالحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية، كما يؤدى وظيفة عامة لا غنى عنها، تتمثل فى حفظ الذاكرة الجماعية، وإثراء النقاش العام، وصون حق الجمهور فى المعرفة والمعلومات الموثوقة.
ثالثًا، ينبغى أن يمتد البعد التعليمى إلى ما هو أبعد من تأليف الكتب المدرسية والجامعية ونشرها، ليشمل التصميم الإبداعى للمناهج والبرامج التعليمية، وطرق التعليم والتعلّم، والمحتوى التعليمى الرقمى والتفاعلى. فهذا عمل إبداعى وفكرى بالغ الأثر؛ إذ لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يسهم فى تشكيل طريقة تفكير الأجيال، وقدرتها على التمييز وإعمال الحكم، وفهمها لتاريخها وهويتها، وتفاعلها مع العالم من حولها.
إن تحديث هذا التعريف ليس مسألة فنية أو إجرائية فحسب، بل أصبح، فى تقديرى، ضرورة اقتصادية وفكرية، ومسئولية مؤسسية، وقضية إنصاف للمبدعين والمجتمعات.
وتشير التقديرات المنشورة لليونسكو إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم حاليًا بنحو 6% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى.
ومن شأن اعتماد تعريف أوسع وأكثر دقة، مقرونًا بقياس صارم للنشاط الاقتصادى المباشر وغير المباشر والمرتبط بهذه الصناعات، أن يكشف عن إسهام أكبر بكثير، لا سيما بعد تحديد المجالات الناشئة والمتداخلة وتقييمها على نحو سليم.
ولا ينبغى أن تظل هذه الإمكانية مجرد افتراض، بل تستحق دراسة مستقلة ومتسقة على الصعيد الدولى، تستند إلى معايير واضحة ومنهجية دقيقة تتجنب الازدواج فى احتساب الأنشطة المتداخلة بين القطاعات المختلفة.
إن الإمكانات الإيجابية لهذه الصناعات هائلة؛ فهى قادرة على النهوض بالمعرفة والتعليم والصحة والتنمية البشرية والازدهار والتنوع الثقافى والكرامة الإنسانية والتفاهم المتبادل والسلام. غير أن هذه القوة نفسها قد تُساء الاستفادة منها، بما يؤدى إلى انتهاك حقوق الملكية الفكرية وإضعاف الحافز على الإبداع، أو إلى تركيز القوة الثقافية والتكنولوجية والاقتصادية فى يد جهات معدودة، أو إلى نشر المعلومات المضللة والدعاية التلاعبية والتلقين المنهجى والتحيز، وانتهاك الخصوصية والتلاعب بالوعى الإنسانى.
ولهذه الأسباب، آمل أن تنظر اليونسكو، تحت قيادتكم، فى إطلاق مبادرة تجمع الدول الأعضاء والمنظمات الدولية المعنية والخبراء وممثلى الجماعة الإبداعية، لبحث هذه المسألة التى تزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم. ومن شأن مثل هذه المبادرة أن تمهد الطريق نحو تعريف أكثر شمولًا ودقة للصناعات الإبداعية، وتقييم دولى موثوق لحجمها الحقيقى وإسهامها، ووضع مبادئ عملية تشجع الإبداع والابتكار والتنوع الثقافى، مع صون حقوق الملكية الفكرية والكرامة الإنسانية والخصوصية والتعددية والمنافسة العادلة وحرية التعبير.
ولا يتمثل الهدف، كما أراه، فى فرض حلول تقييدية أو رقابة أو الحد من الابتكار، بل فى تعزيز التفاهم الدولى والتعاون المسئول، بما يتيح لهذه الصناعات أن تزدهر بحرية وعدالة، ويضمن فى الوقت نفسه أن تظل قوتها الاستثنائية موجهة نحو خدمة التنمية البشرية والتقدم.
وتتمتع اليونسكو، بما لها من ولاية عالمية وسلطة فكرية ومسئوليات فريدة فى مجالات الثقافة والتعليم والعلوم وحرية التعبير وبناء السلام، بمكانة تؤهلها على نحو استثنائى لقيادة هذا العمل. وبوسعها أن تحول هذا التحدى الملح والمتسارع إلى مبادرة دولية رائدة، تفضى إلى تعريف أوضح، وأدلة أكثر موثوقية، وإرشادات عملية للمستقبل.
أعرض على سيادتكم هذه الأفكار انطلاقًا من إحساس عميق بالمسئولية، واقتناع صادق بأن القوة الإبداعية الهائلة التى تعيد تشكيل عالمنا اليوم ينبغى أن تُوجَّه لخدمة الإنسان. وحتى الخطوات الأولى نحو إطلاق مثل هذه المبادرة الدولية من شأنها أن تبعث برسالة مشجعة إلى المبدعين والمجتمعات فى كل مكان: مفادها أن الإبداع قادر على الازدهار فى خدمة التقدم الإنسانى، مع بقاء الحرية والكرامة والحقوق الأساسية مصونة ومحفوظة.
وتفضلوا بقبول خالص التحية والتقدير،
رئيس مجلس إدارة دار الشروق
إبراهيم المعلم