ننشر نص كلمة السيسي خلال الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي

آخر تحديث: الأحد 4 أكتوبر 2026 - 10:56 ص بتوقيت القاهرة

مصطفى المنشاوي

- السيسي: التنسيق وسيلة للانتقال من تعدد الجهود إلى تكاملها ومن الطموحات المشتركة إلى مشروعات وبرامج محددة وقابلة للتنفيذ

- السيسي: لم يعد كافيًا أن ننسق مواقفنا بل يتعين أن تتكامل قدراتنا ونصنع مستقبلنا بجهودنا المشتركة

شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، في الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، الذي تستضيفه جمهورية مصر العربية بمدينة العلمين الجديدة.

وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الاجتماع عقد بمشاركة القادة الأفارقة أعضاء هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي للعام الجاري، ورؤساء التجمعات الاقتصادية والآليات الإقليمية الأفريقية، وتناول التقدم المحرز بشأن الموضوع الرئيسي للاتحاد الأفريقي لعام 2026، المتمثل في "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063".

كما تناول الاجتماع مستجدات الجهود القارية الرامية إلى تعزيز التنسيق والتكامل بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا، ودفع مسارات التطوير المؤسسي للاتحاد الأفريقي، وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).

وأضاف السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، أن الجلسة الافتتاحية استُهلت بعزف السلام الوطني لجمهورية مصر العربية والنشيد الرسمي للاتحاد الأفريقي، أعقب ذلك كلمات كل من السيد الرئيس، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ورئيس جمهورية بوروندي الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي.

وفيما يلي نص الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الرئيس:

"بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الرئيس/ إيفاريست ندايشيميي رئيس جمهورية بوروندي الشقيقة ورئيس الاتحاد الأفريقي، قادة دول الاتحاد الأفريقي الشقيقة، محمود علي يوسف رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي،

يسعدني أن أرحب بكم؛ في بلدكم الثاني مصر، وأن ألتقي بكم اليوم في مدينة العلمين، في افتتاح أعمال الاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي لمنتصف العام، والذي يتيح لنا بحث سبل تعزيز التنسيق القائم؛ بين الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية والآليات الإقليمية.

وأود في البداية؛ أن أؤكد على محورية التنسيق بين الدول الأعضاء، ومفوضية الاتحاد الأفريقي والتجمعات والآليات الإقليمية المختلفة، بما يسهم في تعزيز جهود التنمية المستدامة في دول القارة. فالتنسيق ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لا غنى عنها، للانتقال من تعدد الجهود إلى تكاملها، ومن الطموحات المشتركة، إلى مشروعات وبرامج محددة وقابلة للتنفيذ، تحقق أثرًا ملموسًا في حياة شعوبنا.

وتعد مدينة العلمين؛ التي نجتمع بها اليوم، مثالًا يحمل إلينا هذه الرسالة، فهذه الأرض؛ التي كانت يومًا، مسرحًا لإحدى أكثر معارك الحرب العالمية الثانية ضراوة، والتي ظلت لسنوات طويلة، تعاني من آثار الحرب والألغام، ومخلفات نزاعات لم تكن القارة طرفًا فيها، أصبحت اليوم كما ترون؛ نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة، من أجل أن تنتصر التنمية على آثار الصراع، وأن تتحول الأرض من ساحة مواجهة، إلى منصة للاستثمار والعمل والبناء.

فالقارة الأفريقية؛ قادرة على أن تحول آثار النزاعات إلى فرص للتنمية، وأن تحول تحدياتها إلى محركات للنمو، وأن تنتقل من مجرد التعامل مع أزماتها، إلى بناء قدراتها الذاتية، في إعادة البناء والتعافي من آثار الصراعات.

نجتمع اليوم في ظل مرحلة دقيقة، يمر بها عالمنا وقارتنا الأفريقية، فالتوترات الجيوسياسية، والنزاعات، والتدخلات الخارجية، والإرهاب والتطرف، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء والتمويل، تفرض على دولنا ضغوطًا، تفوق قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة.

ومن هنا؛ فإن رسالتنا اليوم يجب أن تكون واضحة: "لم يعد كافيًا أن ننسق مواقفنا؛ بل يتعين أن تتكامل قدراتنا، وأن نصنع مستقبلنا بجهودنا المشتركة".

تؤكد مصر مجددًا موقفها الثابت؛ الرافض لأي تدخلات خارجية في الشئون الداخلية للدول الأفريقية، والداعي إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبارها مبادئ أساسية؛ لا غنى عنها لاستقرار قارتنا.

كما تؤكد مصر؛ أن علاقات دولنا يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، والحوار والتشاور، بعيدًا عن السياسات الأحادية أو المصالح الضيقة.

ونؤكد هنا أهمية التعامل مع القضايا العابرة للحدود، باعتبارها قضايا تستوجب التعاون.. لا التنافس، والحوار.. لا المواجهة، بما في ذلك إدارة واستخدام الموارد الطبيعية، والأنهار العابرة للحدود وفقًا للقانون الدولي.

إن التكامل الذي ننشده، لا يقتصر على البعد الاقتصادي، فالإدارة المستدامة للموارد المشتركة، وفي مقدمتها المياه، تمثل اختبارًا حقيقيًا، لقدرتنا على التكامل وتحويل المصالح المتداخلة، إلى فرص للتعاون.

وفي هذا الصدد؛ تثمن مصر اختيار موضوع "توفير مياه مستدامة ونظم صرف صحي آمنة"، موضوعًا للاتحاد الأفريقي لعام ٢٠٢٦، كما نثمن اعتماد وثيقة رؤية وسياسة أفريقيا للمياه ٢٠٦٣.

ونتطلع إلى العمل مع أشقائنا في القارة، من أجل سرعة إعداد واعتماد الخطة التنفيذية الأولى لهذه الوثيقة بما يسهم في تحقيق الأمن المائي القاري، وتعزيز الاستقرار، ودعم التنمية المستدامة لشعوبنا.

وتدرك مصر، بحكم موقعها واحتياجات شعبها أهمية قضية المياه، وتؤكد أن التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود، يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي ذات الصلة، وإلى التشاور والتنسيق، ومبادئ حسن الجوار، وعدم الإضرار.

ومما لا شك فيه؛ أن لكل دولة الحق في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، إلا أنه في الوقت ذاته؛ يتعين أن تتم ممارسة هذا الحق بصورة مسئولة، لا تلحق ضررًا بالدول الأخرى، وأن مصالحنا المشتركة، أكبر من خلافاتنا، وبالإمكان أن نحقق الرفاهية والازدهار لشعوبنا، متى خلصت النوايا، وغلبت لغة الحوار، والتزمنا بمبدأ تحقيق المنفعة للجميع.

إذا كان السلام شرطًا للتنمية، فإن التكامل الاقتصادي؛ هو أحد أهم أدوات ترسيخ السلام، فكلما ارتبطت اقتصادات دولنا ببعضها، وتداخلت مصالح شعوبنا، وأصبحت الحدود جسورًا لحركة التجارة والاستثمار، ازدادت قدرتنا على بناء مستقبل؛ أكثر استقرارًا وازدهارًا.

ومن هنا؛ تدعو مصر إلى التفعيل الكامل، لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي دخلت حيز النفاذ في عام ۲۰۱۹، خلال الرئاسة المصرية للاتحاد الأفريقي، بما يفتح المجال أمام بناء سوق أفريقية حقيقية، تسهم في الاستفادة من القدرات الإنتاجية الهائلة لقارتنا، وزيادة حجم التجارة البينية، ودعم التصنيع ونقل التكنولوجيا، وزيادة فرص العمل.

إن القارة التي تمتلك هذه الموارد، والثروات والطاقات البشرية، لا ينبغي أن تظل مجرد مصدر للمواد الأولية، ثم تعيد استيرادها في صورة منتجات نهائية من الخارج، وإنما يتعين علينا؛ أن نبني داخل أفريقيا سلاسل قيمة متكاملة، وأن نعزز من قدرتنا على الإنتاج والتصنيع، وأن نجعل من التكامل الاقتصادي الأفريقي، محركًا حقيقيًا للنمو.

وفي هذا الإطار؛ وإدراكًا للدور المحوري للقطاع الخاص الأفريقي، حرصت مصر على إطلاق منتدى "العلمين - أفريقيا للأعمال"، ليكون منصة دورية، تجمع قادة وصناع القرار بالمستثمرين والمؤسسات التمويلية في القارة.

وقد سعدنا أمس، بمشاركة عدد من أصحاب الفخامة والمعالي، في افتتاح دورته الأولى، ونتطلع إلى مشاركتكم في الدورة الثانية، التي ستستضيفها مصر في ٢٠٢٨.

لا يمكننا الحديث عن السلام والتنمية، دون أن نتحدث عن الدول التي عانت من النزاعات. ومن هذا المنطلق؛ وبصفتي رائد ملف إعادة الإعمار والتنمية، ما بعد النزاعات في الاتحاد الأفريقي، وأؤكد أن إعادة بناء الدول بعد النزاعات، ليست عملًا إنسانيًا أو اقتصاديًا فحسب، وإنما مكون أصيل؛ من منظومة السلم والأمن الأفريقي.

وإذ نحتفل هذا العام؛ بمرور عشرين عامًا على إطلاق سياسة الاتحاد الأفريقي؛ لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، فإننا ندعو إلى ضرورة اغتنام هذه المناسبة، لتكون فرصة لمراجعة ما تحقق، وتحديد أوجه القصور، وتجديد التزامنا بتحويل هذه السياسة، إلى برامج ومشروعات ملموسة على الأرض.

وفي هذا الإطار؛ أشيد بالجهود التي تبذلها مفوضية الاتحاد الأفريقي، ومركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، الذي تستضيفه القاهرة، في دعم المؤسسات الوطنية وبناء القدرات. وأجدد التزام مصر؛ بمواصلة دعم تلك الجهود، والتي يتعين مضاعفتها، وزيادة التمويل والبرامج والمشروعات ذات الصلة، مع إعطاء أولوية للمشروعات ذات الأثر السريع والمباشر، على حياة المواطنين.

وهنا تحديدًا؛ تتكامل دوائر العمل الأفريقي: "سلام يحمي التنمية.. وتنمية تعزز الاستقرار.. وتكامل اقتصادي يخلق فرصًا.. وتعاون في الموارد المشتركة يمنع النزاعات.. ومؤسسات قارية وإقليمية، تحول هذه الرؤية إلى عمل مشترك، وواقع على الأرض".

إن مصر تنظر إلى مستقبل أفريقيا بثقة كبيرة، فقارتنا لا تفتقر إلى الموارد، ولا إلى الطاقات البشرية، ولا إلى الفرص، وما تحتاجه أكثر من أي وقت مضى، هو أن نوحد إراداتنا، بغرض تحويل أطر التعاون، التي أطلقناها على مدى عقود، إلى أدوات أكثر فاعلية لتحقيق مصالح شعوبنا.

ومن هنا؛ فإن اجتماعنا اليوم، يجب أن يكون خطوة جديدة، تنتقل من التنسيق إلى التكامل، ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرات، ومن الطموحات إلى الإنجازات.

أرحب بكم مجددًا في مصر، وأتطلع إلى مداولات بناءة ومثمرة، وأن يخرج اجتماعنا اليوم، برؤية عملية تعزز العمل الأفريقي المشترك، وتحقق طموحات أبناء قارتنا الغالية، في السلام والتنمية والازدهار".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved