الرئيس السيسي في الاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشئون الداخلية للدول الأفريقية
آخر تحديث: الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:15 ص بتوقيت القاهرة
مصطفى المنشاوي
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، موقف مصر الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشئون الداخلية للدول الأفريقية، والداعي إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبارها مبادئ أساسية لا غنى عنها لاستقرار القارة.
وشدد السيسي، على ضرورة أن تقوم علاقات الدول الأفريقية على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والحوار والتشاور، بعيدًا عن السياسات الأحادية أو المصالح الضيقة.
جاء ذلك خلال كلمة الرئيس السيسي، في الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، الذي تستضيفه جمهورية مصر العربية بمدينة العلمين الجديدة، بمشاركة القادة الأفارقة أعضاء هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي للعام الجاري، ورؤساء التجمعات الاقتصادية والآليات الإقليمية الأفريقية.
وصرح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، بأن الاجتماع تناول التقدم المحرز بشأن الموضوع الرئيسي للاتحاد الأفريقي لعام 2026، والمتمثل في "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063"، إلى جانب مستجدات الجهود القارية الرامية إلى تعزيز التنسيق والتكامل بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا، ودفع مسارات التطوير المؤسسي للاتحاد الأفريقي، وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).
وأضاف المتحدث الرسمي أن الجلسة الافتتاحية استُهلت بعزف السلام الوطني لجمهورية مصر العربية والنشيد الرسمي للاتحاد الأفريقي، أعقب ذلك كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ورئيس جمهورية بوروندي الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي.
وأكد الرئيس السيسي، في كلمته، أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء ومفوضية الاتحاد الأفريقي والتجمعات والآليات الإقليمية المختلفة، بما يسهم في تعزيز جهود التنمية المستدامة بدول القارة، مشددًا على أن التنسيق ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة للانتقال من تعدد الجهود إلى تكاملها، ومن الطموحات المشتركة إلى مشروعات وبرامج محددة وقابلة للتنفيذ تحقق أثرًا ملموسًا في حياة الشعوب.
واستشهد الرئيس بمدينة العلمين باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة، موضحًا أن الأرض التي كانت يومًا مسرحًا لإحدى أكثر معارك الحرب العالمية الثانية ضراوة، وظلت لسنوات طويلة تعاني من آثار الحرب والألغام ومخلفات نزاعات لم تكن القارة طرفًا فيها، أصبحت اليوم نموذجًا لما يمكن أن تحققه التنمية، بما يحول الأرض من ساحة مواجهة إلى منصة للاستثمار والعمل والبناء.
وأشار الرئيس إلى أن القارة الأفريقية قادرة على تحويل آثار النزاعات إلى فرص للتنمية، وتحدياتها إلى محركات للنمو، والانتقال من مجرد التعامل مع الأزمات إلى بناء القدرات الذاتية في إعادة البناء والتعافي من آثار الصراعات.
وأوضح أن أفريقيا والعالم يمران بمرحلة دقيقة، في ظل التوترات الجيوسياسية والنزاعات والتدخلات الخارجية والإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة العابرة للحدود، فضلًا عن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء والتمويل، وهي ضغوط تفوق قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة.
وأكد الرئيس السيسي، مجددًا موقف مصر الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشئون الداخلية للدول الأفريقية، والداعي إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبارها مبادئ أساسية لا غنى عنها لاستقرار القارة.
كما شدد على ضرورة أن تقوم علاقات الدول الأفريقية على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والحوار والتشاور، بعيدًا عن السياسات الأحادية أو المصالح الضيقة، مؤكدًا أهمية التعامل مع القضايا العابرة للحدود باعتبارها قضايا تستوجب التعاون لا التنافس، والحوار لا المواجهة، بما في ذلك إدارة واستخدام الموارد الطبيعية والأنهار العابرة للحدود وفقًا للقانون الدولي.
وتطرق الرئيس إلى قضية المياه، مؤكدًا أن الإدارة المستدامة للموارد المشتركة، وفي مقدمتها المياه، تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة دول القارة على التكامل وتحويل المصالح المتداخلة إلى فرص للتعاون.
وثمّن الرئيس اختيار موضوع "توفير مياه مستدامة ونظم صرف صحي آمنة" موضوعًا للاتحاد الأفريقي لعام 2026، وكذلك اعتماد وثيقة رؤية وسياسة أفريقيا للمياه 2063، متطلعًا إلى العمل مع الأشقاء في القارة من أجل سرعة إعداد واعتماد الخطة التنفيذية الأولى لهذه الوثيقة، بما يسهم في تحقيق الأمن المائي القاري وتعزيز الاستقرار ودعم التنمية المستدامة للشعوب.
وأكد الرئيس أن التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي ذات الصلة، والتشاور والتنسيق، ومبادئ حسن الجوار وعدم الإضرار.
وشدد على أن لكل دولة الحق في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، إلا أن ممارسة هذا الحق يجب أن تتم بصورة مسئولة لا تلحق ضررًا بالدول الأخرى، مؤكدًا أن المصالح المشتركة أكبر من الخلافات، وأن تحقيق الرفاهية والازدهار للشعوب ممكن متى خلصت النوايا، وغلبت لغة الحوار، وتم الالتزام بمبدأ تحقيق المنفعة للجميع.
وأكد الرئيس أن التكامل الاقتصادي يمثل أحد أهم أدوات ترسيخ السلام، موضحًا أنه كلما ارتبطت اقتصادات الدول الأفريقية ببعضها وتداخلت مصالح شعوبها، وأصبحت الحدود جسورًا لحركة التجارة والاستثمار، ازدادت قدرتها على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
ودعا الرئيس إلى التفعيل الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي دخلت حيز النفاذ عام 2019 خلال الرئاسة المصرية للاتحاد الأفريقي، بما يفتح المجال أمام بناء سوق أفريقية حقيقية، والاستفادة من القدرات الإنتاجية الهائلة للقارة، وزيادة حجم التجارة البينية، ودعم التصنيع ونقل التكنولوجيا، وزيادة فرص العمل.
وشدد على ضرورة ألا تظل أفريقيا مجرد مصدر للمواد الأولية، ثم تعيد استيرادها في صورة منتجات نهائية من الخارج، داعيًا إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة داخل القارة، وتعزيز القدرة على الإنتاج والتصنيع، وجعل التكامل الاقتصادي الأفريقي محركًا حقيقيًا للنمو.
وفي هذا الإطار، أشار الرئيس إلى إطلاق مصر منتدى "العلمين - أفريقيا للأعمال"، ليكون منصة دورية تجمع قادة وصناع القرار بالمستثمرين والمؤسسات التمويلية في القارة، موضحًا أن الدورة الأولى للمنتدى شهدت مشاركة عدد من القادة والمسئولين، ومعلنًا تطلع مصر إلى مشاركة الأشقاء في الدورة الثانية التي تستضيفها مصر عام 2028.
وتناول الرئيس ملف إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، مؤكدًا أنه لا يمكن الحديث عن السلام والتنمية دون التطرق إلى الدول التي عانت من النزاعات.
وأشار، بصفته رائد ملف إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات في الاتحاد الأفريقي، إلى أن إعادة بناء الدول بعد النزاعات ليست عملًا إنسانيًا أو اقتصاديًا فحسب، وإنما مكون أصيل من منظومة السلم والأمن الأفريقي.
ودعا الرئيس، بمناسبة مرور عشرين عامًا على إطلاق سياسة الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، إلى اغتنام هذه المناسبة لمراجعة ما تحقق وتحديد أوجه القصور وتجديد الالتزام بتحويل هذه السياسة إلى برامج ومشروعات ملموسة على الأرض.
وأشاد الرئيس بالجهود التي تبذلها مفوضية الاتحاد الأفريقي ومركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، الذي تستضيفه القاهرة، في دعم المؤسسات الوطنية وبناء القدرات، مجددًا التزام مصر بمواصلة دعم تلك الجهود ومضاعفتها، وزيادة التمويل والبرامج والمشروعات ذات الصلة، مع إعطاء أولوية للمشروعات ذات الأثر السريع والمباشر على حياة المواطنين.
وأكد الرئيس أن دوائر العمل الأفريقي تتكامل في إطار معادلة واضحة: "سلام يحمي التنمية.. وتنمية تعزز الاستقرار.. وتكامل اقتصادي يخلق فرصًا.. وتعاون في الموارد المشتركة يمنع النزاعات.. ومؤسسات قارية وإقليمية، تحول هذه الرؤية إلى عمل مشترك، وواقع على الأرض".
واختتم الرئيس بالتأكيد على أن مصر تنظر إلى مستقبل أفريقيا بثقة كبيرة، مشيرًا إلى أن القارة لا تفتقر إلى الموارد أو الطاقات البشرية أو الفرص، وإنما تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توحيد الإرادات، وتحويل أطر التعاون التي أُطلقت على مدى عقود إلى أدوات أكثر فاعلية لتحقيق مصالح الشعوب.
وأكد أن اجتماع اليوم يجب أن يمثل خطوة جديدة تنتقل من التنسيق إلى التكامل، ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرات، ومن الطموحات إلى الإنجازات، معربًا عن تطلعه إلى أن يخرج الاجتماع برؤية عملية تعزز العمل الأفريقي المشترك وتحقق طموحات أبناء القارة في السلام والتنمية والازدهار.