خالد محمود يكتب: «وراء الجبل».. فيلم يدعوك للتحليق بعيدا عن وضع متأزم وواقع متصدع

آخر تحديث: الإثنين 4 ديسمبر 2023 - 4:22 م بتوقيت القاهرة

يجيء الفيلم التونسي "وراء الجبل" تأليف وإخراج محمد بن عطية في تجربته الثالثة، ليشكل معزوفة سينمائية بصرية مدهشة تتخطى حواجز كثيرة عانت منها السينما العربية من حيث اللغة البصرية وعمق الفكرة والأداء، وأعتقد أنه سيحظى بصدى كبير ومردود أكبر لدى الجمهور العاشق لسينما يفكر معها في مصير شخصياتها التي لم تلق بكل تفاصيل حكايتها على الشاشة.

يواصل مخرجه وبطله مسيرة إبداعية بدأها بفيلم "نحبك هادي" الفائز بجائزة أفضل ممثل وأفضل عمل أول بمهرجان برلين السينمائي عام 2016، وحينئذ كنت شاهدا على تصفيق الحضور إعجابا بالعمل، وأيقنت أن هذا الثنائي يقدم سينما مختلفة قادرة على المنافسة وراهنت عليهما، وفي الفيلم الجديد يحققا التوقعات واتفق مع قول الناقد بسكرين لي مارشال، بأن التجربة الثالثة لمحمد بن عطية تمثل دليلا إضافيا على الحيوية التي تعيشها السينما في شمال إفريقيا حاليًا.

يتتبع الفيلم الذي عُرض على شاشة مهرجان البحر الأحمر السينمائي بقسم روائع عربية، رحلة رفيق "مجد مستورة" الذي يعاني أرقا نفسيا لا يتخلص منه سوى بالقفز طائرا في الهواء ويظن الجميع أنه يحاول الانتحار، وتتركه زوجته، وعندما يحاول التهور على زملاء العمل يتم وضعه بالسجن أربع سنوات، ولدى خروجه لا يوجد أمامه سوى خطة واحدة، وهي أن يخطف ابنه ويصطحبه بعيدا في رحلة إلى ما وراء الجبال حتى يريه اكتشافه المذهل، وهناك يمر بمواقف صعبة تنتهي بموته بعد قفزة كبيرة في الهواء حاملا ابنه على ظهره وهو يقول له إن عليه إخبار أمه أنه يطير بالفعل وليس يرغب دائما في الانتحار.

نحن أمام قصة أب وابنه، وكيف تتحول العلاقة الفاترة بينهما إلى شبه صداقة عبر دراما ممزوجة بقلة الحوار وجمال الصورة التي تعكس طبيعة خلابة بكر للجبال والأرض يتبخر فيها بالنهاية عناد العقل والاستسلام للمشاعر، وكأنه استكشاف غريب لخيال في عالم واقعي.

أعود لمنتصف الرحلة، ينضم للأب والابن راعي غنم بمنطقة الجبال النائية "سامر بشارات"، وكأنه يهرب هو الآخر من مصيره، ويختفون من مطاردة الشرطة بمنزل أسرة في الطريق، ويخيفون أصحاب الدار وكأنهم إرهابيون وعندما يضيق الخناق يضطرون للهروب من جديد إلى نهاية رسمها القدر.

طوال الوقت يحيط المخرج محمد بن عطية، بطله بالغموض، هو رجل يبدو عاديًا، ولكنه في يوم من الأيام يفقد كل شيء بكل بساطة؛ حيث يقوم بتدمير مكان عمله في نوبة من الغضب العنيف المفاجئ وغير المبرر. لا نعرف أبدًا سبب غضبه، لكن هذا الغضب ربما يعكس التيار الرئيسي للمجتمع التونسي. وبعد أربع سنوات من السجن، يحرص على إعادة التواصل مع ابنه ياسين (وليد بوشيوة)، رغم أنه يبدو غير صالح للأبوة. وفي مشاهد قوية ومربكة، يقوم باختطافه ويأخذه إلى الجبال حيث أراد أن يظهر له شيئا وهو أنه يمكنه الطيران في حين يقول الجميع إن ذلك مستحيل لكنه يتحقق في النهاية وكأنه إسقاط على المجتمع بأنه يمكنه أن يحلق من جديد
يلتقطون مزارعًا صامتًا على طول الطريق، وسرعان ما يجد الثلاثي غير المتوقع أنفسهم تحت المطاردة من قبل السلطات.

أعتقد أن بن عطية لديه موهبة خاصة في بناء الشخصيات ومنحهم سمات محددة تضيء مشاعرهم ورغباتهم الأوسع كما حدث فى فيلمه السابق "نحبك هادي"، هنا لدينا قصة أخرى لشخص ينتفض ضد الأعراف المجتمعية الأوسع، وتتوقف بشكل كبير في النصف الثاني حيث تتحول إلى أزمة محلية ويقيد القصة في الوقت الذي يجب أن تتوسع فيه حيث دارت الأحداث وسط الحياة التونيسية المعاصرة على مدى فترة زمنية مضغوطة وكان لديه القدرة على التعبير بقوة عن ملامح وخطوط الصدع في البلد ومن المؤكد أن التوترات الحالية في المجتمع التونسي، والعواقب الحتمية التي أعقبت الربيع العربي، والاحتمالات المشؤومة دائما للتطرف الديني، هي التي حفزت طرح هذا العمل الذي يصور بطله متطلعا للطيران، هربا وهلعا من الواقع والإحباط.

فالفكرة الأساسية للعمل نابعة من الطيران بعيدا عن الأوضاع المتأزمة، والتحليق نحو عالم مغاير، والواقع أن القصة الإنسانية يمكن أن تعاش في أي مكان وزمان.

الفيلم تجربة سينمائية مختلفة عن أفلام بن عطية السابقة، على مستوى الكتابة والمعالجة والتقنيات المعتمدة خاصة عنصر توظيف المؤثرات البصرية.

حصل وراء الجبل على عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي حيث شارك في قسم آفاق، وفاز الفيلم بجائزة الصحافة في مهرجان الفيلم العربي بفاماك، وشارك في مهرجان هامبورغ السينمائي ومهرجان بوسان السينمائي الدولي، ومهرجان لندن السينمائي، ومهرجان ساوباولو السينمائي الدولي، ومهرجان بينغياو السينمائي الدولي. ويشهد عرضه الأول في العالم العربي في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved