بهاء جاهين يكتب عن رواية في قبري ثلاث بيضات: الخروج من بيضة العمل الأول إلى عالم الهشاشة والجنون
آخر تحديث: السبت 5 سبتمبر 2026 - 12:24 م بتوقيت القاهرة
كتب الشاعر والكاتب بهاء جاهين مقالًا نقديًا عن رواية «في قبري ثلاث بيضات» للروائي السكندري أحمد رشاد مكيوي، الفائزة بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول في دورتها السادسة لعام 2025، والصادرة حديثًا عن دار الشروق، وذلك في مقاله المنشور على صفحات جريدة «الأهرام» تحت عنوان «الخروج من بيضة العمل الأول»، في عدد الجمعة 4 سبتمبر الجاري.
وفي مقاله، يتوقف جاهين أمام تجربة مكيوي الروائية الأولى، معتبرًا أنها تكشف عن نضج لافت بأدوات الكاتب وقدرته على بناء عالم سردي يجمع بين السخرية والمرارة، من خلال حكاية عمر عرفان، الطفل الذي تنمو داخله هشاشة نفسية تلاحقه إلى مرحلة الشباب، وصولًا إلى المصير المأساوي الذي تنتهي إليه حياته.
كما يتناول جاهين دلالة «البيض» في الرواية، بوصفه رمزًا للهشاشة والقهر والعجز، وصولًا إلى حضوره في عنوان الرواية ونهايتها.
وإلى نص المقال:
خرج من البيضة أواخر العام الماضى كتكوت عَفِيّ جمالياً ضئيل وضعيف وجودياً؛ عمل روائى أول لكاتب هو من هدايا بحر الإسكندرية لأمته المصرية: المبدع الشاب سكندرى المنشأ أحمد رشاد مكيوى، وعنوان روايته الفائزة بجائزة خيرى شلبى للعمل الروائى الأول فى دورتها السادسة عام 2025 هو (فى قبرى ثلاث بيضات)، وصدرت مؤخرا عن دار الشروق.
الكتكوت العفيُّ جمالياً هو الرواية نفسها كعمل أول يعكس نضجاً واكتمالاً لأدوات مبدعه؛ أما الكتكوت الضئيل الضعيف وجودياً فهو الطفل الذى تتحدث عنه الحكاية، وعمره حين تبدأ الأحداث لا يزيد على ثمانية أعوام أو تسعة.
وَهَبَتْهُ الحياة وجداناً غنياً مرهفاً، وفى نفس الوقت حرمته من الشجاعة والقدرة على الفعل الحاسم، وأورثته مؤسساتٍ معطوبةً، سواء البيت والأسرة أو المدرسة، غذت سلطويتها الخوفَ الأصيل فى نفسه، ولم تملك الوعى الكافى لفهمه ومساعدته، وتركته لهواجس نفسه الهيابة، ووحشية قانون الغابة السائد بين رفاقه التلاميذ.
هذا هو الكتكوت، فما البيضة؟ ولماذا يستهل الكاتب روايته بالحديث عن البيض، ويعود إليه من حين لآخر أثناء السرد، بل يضع ثلاث بيضات فى عنوان الرواية وفى قبر حاكيها؟ الحق أن هناك أكثر من سبب، وبالتالى أكثر من مبرر لهذا الخيار الفنى. أولاً الرواية تبدأ بحنان الأم، وقهرها لطفلها بإصرارها على تغذيته بالبيض الذى يفيده صحياً، لكن بأسلوب الإجبار والأمر، ويساعدها فى ذلك الأب فيزيد القهر إكراهاً وغشامة. ثانياً البيضة من أكثر الأشياء هشاشة؛ وكذلك نفس بطل الحكاية وراويها، منذ طفولته التى يبدأ بها الحكى، حتى بلوغه شباباً بلا نضج ولا عنفوان، ومرور العقد الثالث من عمر قضاه تدحرجاً من خيبة لأخرى أعْمَقَ وأذلّ، لتزيد تشققات قشرته الهشة ويسيل مكنونها النفيس الطامح للتشكل فى هيئة طير فصيح يصيح من البيضة، إلا أن خرسه يزداد عمقاً مع كل عام يمُرّ، ومع الوقت يتحول لكائن يعيش فى الخيال ويقتات على أحلام اليقظة.
تبدأ الأزمة فى مستهل الصف الرابع الابتدائيّ، بالضبط فى التوقيت الذى تعتبره مؤسسة التعليم الأوَّليّ مناسباً لبداية تحمُّل الأطفال للمسئولية الأخلاقية عن تصرفاتهم، واستبدال القلم الحبر الجاف بالقلم الرصاص. تُملى المعلمة مقطوعة الدرس على التلاميذ، فيواجه بطلنا عمر عرفان مسئولية الكتابة بمداد لا تمحوه الممحاة، ويتولاه الفزع فيخطئ ويحاول مسح أخطائه بالنصف الأزرق من ممحاته فيفشل ويتوتر ويتشنج فتنشطر صفحة كراسة الإملاء شطرين.
ويبدأ تاريخ عذابه وعجزه عن مواجهة أخطائه فتتراكم وتتعقد، ويدفعه جبنه إلى الهروب من المدرسة فيتحول مع الوقت لتلميذ فاشل. وباقى الرواية هو مسار منحدر ينتهى بصاحبه إلى الجنون ثم الموت. وطوال الوقت تصاحبه هشاشته، وتُدفن معه كراتين البيض فى كهف حفره لنفسه بعد أن صوّر له جنونه وانعزاله عن الواقع أن إحدى مظاهرات يناير 2011 بالإسكندرية هى فى الواقع حرب قامت بين مصر وإثيوبيا، فيقرر التطوع والانضمام إلى المجهود الحربى ويحفرخندقاً لنفسه فى انتظار أوامر بدء القتال، وفى فترة التخندق والانتظار يسجّل أحداث حياته - التى قرأناها معاً - فى شكل رواية، ويقتات يومياً على ثلاث بيضات، حتى يفسد البيض ويموت آكله، فى الكهف الذى ظنه ساكنه خندق قتال قبل أن يصبح قبره.
هكذا تنتهى رواية (فى قبرى ثلاث بيضات) بعد أن بدأت بأزمة أُولَى خشِيَ صاحبها أن يواجهها بشجاعة، فتفاقمت مع الوقت تلك الأزمة الصغيرة وتكاثرت وتعملقت فى وجدانه الكتوم حتى استسلم بالتدريج لأحضان الجنون.
وفى الطريق لهذا المصير، مر عمر عرفان على محطة الطموح للمجد، بعد أن اكتشف فى نفسه موهبة كرة القدم، ولكن عند أول إحباط ترك الأمر بأسره واستسلم لليأس.
وحاول أن يعيش من خلال الآخرين ويَفنَى فى أصحابه، لكنهم هم خانوه واستغلوه ثم زهدوا فيه. وفى النهاية تزوج جارته وصديقته منذ الطفولة، لكن ضعف ثقته بنفسه والامتزاج المتزايد للحقائق بالأوهام فى عقله صوّر له أنها تخونه فقتلها - أو ظن أنه قتلها، فالكاتب ترك الباب مفتوحاً لاحتمال القتل الفعلى، أو أن الأمر محض خيال، ككثير من أحوال عمر عرفان.
والكتاب كله قصيدة هجاء ساخر ورثاء مرير من البطل الراوى لنفسه، وكذلك لمجتمعه. فإذا كان هروب عمر عرفان من مواجهة حياته لجبن متأصل فيه، فإن من حوله بالتأكيد مشتركون فى الإثم لانتشار الجهل والأنانية والقسوة بينهم. لكن الجميل فى العمل أن الكاتب يقول كل هذا دون أن يقوله.. هو فقط يحكى، ببساطة، ورهافة، وشاعرية، ودون تفاصح، على لسان بطله الذى تغتاظ منه دون أن تكرهه. ومن خلال الحكى نستنبط نحن تلك المعانى ونرى صورة أنفسنا ودنيانا، فنضحك أو نكاد أن نبكى.