حوار| الدكتورة بهية شهاب: الإعلان جزء مهم من الثقافة ومرآة تكشف الكثير عن المجتمع وتغيراته

آخر تحديث: السبت 5 سبتمبر 2026 - 4:38 م بتوقيت القاهرة

حوار- شيماء شناوي

• الإعلانات تمثل وثائق تكشف الانتماء السياسي والاجتماعي للمجتمع

• أتمنى أن يفتح «تجارة في الأحلام» الطريق أمام الباحثين لدراسة تاريخ الإعلان المصري

• الإعلانات المصرية تمتعت بهوية بصرية خاصة منذ عام 1900 والخطاطون أسهموا في تشكيلها

• من أبرز الأفكار التي روج لها الإعلان عبر تاريخه مفهوم الحداثة والتقدم

• الإعلان أصبح أكثر ارتباطًا بمشاهير السينما بعد غياب الشعراء والسياسيون

• كان الإعلان وسيلة لترويج الأفكار بقدر ما كان وسيلة لترويج السلع.

• الإعلان يسجل بصورة غير مباشرة التحولات التي طرأت على المجتمع وعلى أنماط الاستهلاك والحياة اليومية

 

على مدار أربع سنوات، انشغلت الدكتورة بهية شهاب، أستاذة التصميم والفنون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالبحث في أرشيف الإعلانات المصرية، في محاولة لقراءة قرن كامل من تاريخ المجتمع من خلال ما كان يعلنه المصريون وما يطمحون إلى امتلاكه. ومن بين نحو 8 آلاف إعلان جرى حصرها وأرشفتها، اختارت نحو 250 إعلانًا لتشكل مادة كتابها «تجارة في الأحلام: قرن من الإعلان المطبوع في مصر»، الصادر عن دار نشر الجامعة الأمريكية.

لا تتعامل شهاب مع الإعلان باعتباره مجرد وسيلة لبيع سلعة، وإنما تراه وثيقة ثقافية واجتماعية تكشف التحولات السياسية والاقتصادية، وتغير أنماط الحياة والاستهلاك، وصورة المرأة والرجل، كما ترصد من خلاله علاقة المجتمع المصري بالحداثة وتأثره بالنماذج الغربية، وفي المقابل تكشف عن ملامح هوية بصرية مصرية كانت حاضرة منذ بدايات القرن العشرين.

في هذا الحوار مع «الشروق»، تتحدث شهاب عن رحلة البحث في الأرشيف ومعايير اختيار الإعلانات، وكيف يمكن قراءة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلالها، وتكشف عن التحول الذي طرأ على صورة المرأة في الإعلان، ودور الفنانين والشعراء والسياسيين في الترويج للسلع، وصولًا إلى السؤال الذي يطرحه الكتاب من عنوانه: ماذا خسرنا ونحن نطارد حلم الحداثة؟

وإلى نص الحوار:

● بعد سنوات من البحث في أرشيف الإعلانات المصرية، ما الصورة التي تكونت لديك عن المجتمع المصري من خلال إعلاناته؟ وهل تغيرت نظرتك إلى الإعلان نفسه؟

بالطبع، بعد دراسة استمرت نحو أربع سنوات في أرشيف الإعلانات المصرية، تغيرت نظرتي إلى الإعلان بشكل كبير، وأصبح لدي فهم أعمق لتطوراته والأسباب التي شكلت مسيرته، وأدركت أن الإعلان لم يتطور بمعزل عن المجتمع، وإنما تأثر بمختلف التحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي مرت بها مصر.

ومن خلال تتبع الإعلانات، بدأت أرى كيف انعكست هذه التحولات على شكل الإعلان ومضمونه، وعلى صورة الناس التي يقدمها، وكذلك على التقنيات والأدوات المستخدمة في إنتاجه. لذلك، لم يعد الإعلان بالنسبة لي مجرد وسيلة للترويج لمنتج، وإنما أصبح وثيقة تكشف الكثير عن المجتمع وتحولاته الفكرية والتكنولوجية التي أحاطت به عبر الزمن.

● هل يمكن اعتبار الإعلان وثيقة تاريخية موازية للصحيفة أو الكتاب؟ وما الذي يستطيع الإعلان أن يكشفه ولا تكشفه المصادر التاريخية التقليدية؟

بالتأكيد، يمكن اعتبار الإعلان وثيقة تاريخية موازية للصحيفة أو الكتاب، لأنه يكشف تفاصيل دقيقة عن المجتمع قد لا نجدها في المصادر التاريخية التقليدية. ومن خلال النظر إلى الإعلانات، يمكننا قراءة الكثير من المؤشرات المرتبطة بالمرحلة التاريخية التي ظهر فيها الإعلان.

وأول ما يمكن ملاحظته هو انتماء المعلن السياسي أو الاقتصادي؛ هل هو معلن أجنبي أم مصري؟ ثم تأتي اللغة المستخدمة في الإعلان، وهي تكشف بدورها الكثير. فقد نجد، حتى في إعلانات قديمة لمنتجات مصرية، استخدام اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وهو ما يشير إلى الفئة الاجتماعية التي كان المعلن يخاطبها، ومن ثم يمكن أن نكتشف إلى من كان هذا المنتج موجها؟

كذلك، فإن ترتيب اللغات في الإعلان إذا كان ثنائي اللغة يحمل دلالة؛ أيهما يأتي أولًا، العربية أم الإنجليزية أو الفرنسية؟ هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة المجتمع والفئات المستهدفة، وعن التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في كل فترة.

وهذه تحديدًا من الأمور التي قد لا تتوقف عندها المصادر التاريخية التقليدية، بينما يتيح لنا الإعلان، بمجرد تأمله وقراءته بصريًا ولغويًا، أن نفهم طبقات دقيقة من تاريخ المجتمع وتفاصيل الحياة اليومية فيه.

● اخترت نحو 250 إعلانا من أرشيف ضخم.. ما أصعب معايير الاختيار؟ وهل هناك إعلانات اضطررت إلى استبعادها رغم أهميتها؟ ولماذا؟

كان اختيار نحو 250 إعلان من بين أرشيف ضخم من أصعب مراحل العمل. فقد عملنا على حصر وأرشفة ما يقرب من 8000 إعلان، وتوثيق كل إعلان من حيث اسم الصحيفة وتاريخ النشر، وهو ما تطلب جهدًا كبيرًا. لذلك، كان علينا أن نضع معايير دقيقة لاختيار النماذج التي يضمها الكتاب.

وتنوعت معايير الاختيار بين القيمة الفنية للإعلان، من حيث طريقة تصميمه ورسمه وصياغته البصرية، وبين أهمية المنتج الذي يعلن عنه ومدى حضوره في السوق وقتها، وهل كان منتجًا معروفًا وله تأثير أم لا. كما راعينا عوامل أخرى مرتبطة بالسياق الذي ظهر فيه الإعلان، لذلك لم يكن الاختيار قائمًا على معيار واحد.

وكان من المهم بالنسبة لنا أن نحدد نطاق البحث بوضوح، فركزنا على الإعلانات المطبوعة فقط، ولم نتناول إعلانات الراديو أو اللوحات الإعلانية في الشوارع أو إعلانات التلفزيون، كما استبعدنا الإعلانات الموجودة داخل المحلات، فكان الهدف حصر الموضوع في وسيط وفترة محددين، لأن عالم الإعلان واسع جدًا ويحتاج إلى جهود بحثية كبيرة لدراسته من جوانب مختلفة.

وأتمنى أن يكون هذا الكتاب بداية لفتح هذا المجال أمام باحثين آخرين، وأن يشجعهم على مواصلة البحث والكتابة عن تاريخ الإعلان المصري، لأنه بحر واسع وما زال يحتاج إلى الكثير من الدراسات والجهود البحثية.

● إلى أي مدى كان الإعلان في مصر متأثرا بالغرب، وإلى أي مدى نجح في الوقت نفسه في صناعة هوية بصرية مصرية خاصة؟

حدث ما يمكن أن نسميه «منحنى تعلم» في صناعة الإعلان المصرية؛ ففي البدايات، وتحديدًا منذ مطلع القرن العشرين، تعلمنا الكثير من التجارب الغربية، ومن بينها مفهوم الحملات الإعلانية، أي تكرار الإعلان عن المنتج نفسه عبر مجموعة من الإعلانات التي تقدم أفكارًا أو معالجات مختلفة. وهذه الممارسة لم تكن شائعة في الإعلانات المصرية في بداياتها، وإنما جاءت متأثرة بالنماذج الغربية.

لكن هذا التأثر لم يكن معناه غياب هوية بصرية مصرية، على العكس، فقد كانت هذه الهوية موجودة منذ وقت مبكر جدًا. فإذا نظرنا إلى الإعلانات القديمة، سنجد نماذج شديدة المصرية في تصميمها، مثل إعلان لتاجر أقمشة يستخدم الخط العربي الجميل إلى جانب رسم للجمل، بما يعكس البيئة والثقافة المحلية بوضوح.

وكان للفن الإسلامي تأثير واضح في تشكيل هذه الهوية، خاصة أن الخطاطين كانوا جزءًا أساسيًا من صناعة الإعلان في ذلك الوقت، وأسهموا في صياغة لغته البصرية. وفي المقابل، عندما بدأت الشركات الأجنبية في الإعلان داخل مصر، لجأت هي الأخرى إلى الرموز المصرية، ومنها النقوش والرسومات المستوحاة من الفن المصري القديم، لتقديم منتجاتها إلى الجمهور المصري.

لذلك، يمكن القول إن صناعة الإعلان المصرية، منذ مطلع القرن العشرين، شهدت تفاعلًا بين التأثر بالتجارب الغربية وبين امتلاك لغة بصرية مصرية خاصة بها، وهي هوية كانت حاضرة منذ البدايات ولم تكن مجرد نتيجة متأخرة لتطور الصناعة.

● تكشف الإعلانات عن حضور الفنانين والنجوم والشعراء في الترويج للسلع منذ عقود طويلة.. كيف تغيرت علاقة المشاهير بالإعلان من الماضي إلى اليوم؟

أعتقد أن كلمة «الشعراء» مهمة جدًا هنا، لأن علاقة الإعلان بالمشاهير في بداياتها كانت أوسع بكثير مما نراه اليوم. لم يكن الفنانون وحدهم حاضرين في الإعلانات، وإنما شارك فيها أيضًا الشعراء والسياسيون والمفكرون، وكان حضور الشخصيات العامة بمختلف مجالاتها جزءًا من المشهد الإعلاني.

لكن هذه الصورة تغيرت تدريجيًا؛ فاختفى حضور الشعراء والسياسيين والمفكرين والشخصيات ذات المواقف السياسية من الإعلانات، بينما أصبح التركيز أكبر على الفنانين والنجوم، ثم دخل نجوم كرة القدم إلى المشهد لاحقًا، بدءًا من الخمسينيات أو الستينيات وتزايد حضورهم في العقود التالية.

ويرتبط هذا التحول، في رأيي، بطبيعة المنتج الإعلاني نفسه وحاجته إلى شخصية تحظى بقبول جماهيري واسع. فالمعلن يريد شخصًا يمثل المنتج ويكون أقرب إلى نقطة اتفاق بين الجمهور، وليس شخصية قد تكون مواقفها السياسية أو الفكرية سببًا في اختلاف الناس حولها. لذلك اتجهت الإعلانات بصورة أكبر إلى نجوم السينما والتلفزيون، مع اتساع حضورهم وتأثيرهم الجماهيري مقارنة بالشعراء والمفكرين.

ومن هنا تغيرت علاقة الإعلان بالمشاهير؛ فبعد أن كان الإعلان يستعين بشخصيات عامة تنتمي إلى مجالات متعددة، أصبح أكثر ارتباطًا بصناعة النجومية نفسها، وبالأخص نجوم السينما والتلفزيون والرياضة، باعتبارهم الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الجمهور.

● هل كان الإعلان في بعض المراحل مجرد أداة لبيع المنتجات، أم تحول إلى وسيلة لترويج أفكار مثل الحداثة والتقدم والمكانة الاجتماعية ونمط الحياة؟

الإعلان منذ بدايته لم يكن مجرد أداة لبيع المنتجات، وإنما كان دائمًا مرآة للمجتمع، يعكس المكانة الاجتماعية والانتماء السياسي والاجتماعي للمنتج، وكذلك الفئة التي يريد المعلن الوصول إليها. ولذلك كان الإعلان وسيلة لترويج الأفكار بقدر ما كان وسيلة لترويج السلع.

ومن أبرز الأفكار التي روج لها الإعلان مفهوم الحداثة والتقدم. فعندما يعلن عن سيارة جديدة أو جهاز تلفزيون أو راديو أو هاتف، فهو لا يبيع المنتج وحده، وإنما يقدم للمستهلك صورة عن الحياة الجديدة التي يمكن أن يصبح جزءًا منها باقتناء هذا المنتج. وكأن امتلاك التكنولوجيا الحديثة يصبح في حد ذاته علامة على التقدم والانتماء إلى عصر جديد.

لكن السؤال الأهم الذي يطرحه الكتاب هو: عندما سعينا إلى الحداثة، ماذا تركنا وراءنا؟ فـ«تجارة في الأحلام» لا تتوقف عند رصد ما وعدتنا به الإعلانات، وإنما تحاول أيضًا أن تتأمل ما تخلينا عنه في طريقنا إلى هذه الصورة الجديدة للحياة. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب؛ فالإعلان لا يبيع سلعة فقط، وإنما يبيع حلمًا بنمط حياة ومكانة ومستقبل أفضل، وأحيانًا يكون ثمن هذا الحلم التخلي عن بعض الأشياء التي كانت جزءًا من حياتنا وهويتنا.

● ماذا تكشف الإعلانات عن صورة المرأة في المجتمع المصري خلال القرن الذي يغطيه الكتاب؟ وهل لاحظت تغيرا واضحا في طريقة تقديمها من عقد إلى آخر؟

هذا الموضوع مهم جدًا بالنسبة لي شخصيًا، لأن طريقة رسم المرأة وتقديمها في الإعلانات تكشف الكثير عن التحولات التي مر بها المجتمع المصري خلال القرن الذي يغطيه الكتاب.

إذا ذهبتِ إلى المعرض أو تصفحتِ الكتاب، ستجدين أن المرأة المصرية كانت حاضرة منذ وقت مبكر جدًا بوصفها شخصية فاعلة ونجمة لها حضورها ومكانتها. فالسيدة عزيزة أمير، مثلًا، ظهرت في إعلان يمتد على صفحة كاملة في إحدى المجلات للترويج لروايتها الجديدة، وكذلك بديعة مصابني وآسيا داغر وغيرهن من الأسماء الكبيرة في السينما والفن، وكانت صور الفنانات حاضرة بقوة في المجلات والإعلانات.

لكن الصورة بدأت تتغير مع التأثر بالنماذج الغربية؛ فأصبحت المرأة تُقدم بصورة أكبر باعتبارها «منظرًا جميلًا» أو وجهًا مثاليًا، وبدأت الإعلانات تفرض معايير محددة للجمال: الشعر الأشقر أجمل، والشعر المجعد يجب فرده، والمرأة النحيفة أجمل من الممتلئة، وعليها أن تضع نوعًا معينًا من المكياج أو صبغة معينة، وأن تبتسم دائمًا وتكون لطيفة ومهذبة حتى تحظى بالقبول.

ولدينا توثيق لإعلانات كثيرة كانت تقدم للمرأة نصائح من نوع: ابتسمي لزوجك لكي يحبك، أو غيري شكلك بطريقة معينة لكي تجذبيه. وهذه الأفكار لم تكن موجهة إلى النساء وحدهن؛ فالإعلان كان يفرض أنماطًا معينة على الرجال أيضًا، لكن تأثير هذه الصورة النمطية على المرأة كان أكثر وضوحًا، لأنها ارتبطت مباشرة بشكلها وجسدها وطريقة تقديمها لنفسها.

وهذا ما يجعلني أرى أن المسألة تتجاوز الإعلان والمنتج الذي يبيعه. فالمرأة هي حاضنة الثقافة وحاملة الحضارة، وإذا شوهت نظرتها إلى نفسها، فأنت تشوه المجتمع كله. عندما تجعلين فتاة تنظر إلى شعرها الطبيعي وتعتقد أنه قبيح، أو إلى جسدها وترى أنه غير مقبول، فأنت لا تغيرين شكلها فقط، وإنما تؤثرين في علاقتها بذاتها وبثقافتها وهويتها. وهذا، بالنسبة لي، أحد أشكال الاستعمار الثقافي.

ومن هنا تأتي أهمية أن نعيد قراءة هذه الإعلانات وأن ننتبه إلى الأفكار التي حملتها وروجت لها، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة. وأتمنى أن يسهم الكتاب في خلق نوع من الوعي لدى الفتيات الصغيرات، لأن المسألة لم تنتهِ بانتهاء الإعلانات المطبوعة؛ بل انتقلت اليوم إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وربما أصبحت أكثر توحشًا في تكريس نمط واحد لجمال المرأة وشكل الفتاة المصرية وكيف ينبغي أن تبدو.

● هل استطعت من خلال الإعلانات رصد تأثير الأحداث السياسية الكبرى والتحولات الاقتصادية في حياة المصريين، حتى عندما لا يشير الإعلان إليها بصورة مباشرة؟

بالتأكيد، وهذا من أكثر الأمور وضوحًا عند قراءة الإعلانات عبر فترات زمنية مختلفة؛ لأنك ببساطة عندما تنظرين إلى ما يُعلن عنه، وما يشتريه الناس وما يُباع لهم، تستطيعين أن تلمسي أثر التحولات السياسية والاقتصادية حتى من دون أن يشير الإعلان إليها بصورة مباشرة.

ففي أربعينيات القرن الماضي، مثلًا، كنا لا نزال نرى إعلانات عن السيارات الكبيرة، وعقود الألماس، والسجاد، والنجف وغيرها من السلع التي تعكس نمط حياة وطبقة اجتماعية معينة. لكن هذه الصورة بدأت تختفي في الخمسينيات والستينيات، ولم تعد هذه المنتجات تظهر بالطريقة نفسها في الإعلانات.

لذلك، حتى لو لم يخبرك الإعلان صراحة بأن نظامًا سياسيًا تغير أو أن تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة حدثت، فإن مجرد النظر إلى ما اختفى من الإعلانات وما ظهر فيها بعد ذلك يمكن أن يخبرك بالكثير. فالإعلان يسجل، بصورة غير مباشرة، التحولات التي طرأت على المجتمع وعلى أنماط الاستهلاك والحياة اليومية للمصريين.

● بصفتك فنانة وباحثة في التصميم، كيف توازنين بين القيمة الجمالية للإعلان وقيمته بوصفه وثيقة اجتماعية وسياسية عند قراءته وتحليله؟

بصراحة، لا يحدث الأمر بهذه الصورة التي توحي بوجود موازنة واضحة بين القيمة الجمالية والقيمة الاجتماعية للإعلان. أنا لا أجلس أمام الإعلان لأقرر أي القيمتين أهم، وإنما أنظر إلى المادة الموجودة أمامي، وفي كل حالة أبحث عن الإعلان الأقوى والأكثر قدرة على خدمة الفكرة التي أتناولها.

فإذا كان لدي، مثلًا، عشرة إعلانات، وكان أحدها يحمل صورة جمال عبد الناصر، بينما يتناول الآخر ثلاجة جديدة بتصميم جذاب، فقد أختار الإعلان الذي يحمل صورة عبد الناصر، لأن دلالته السياسية والفكرية بالنسبة إلى الموضوع الذي أكتبه أهم من القيمة الجمالية لتصميم إعلان الثلاجة.

لذلك، لا أحكم على الإعلان من الناحية الجمالية وحدها، وإنما أضعه دائمًا في سياق الفكرة التي أكتب عنها وما أحتاج إلى توضيحه للقارئ. وقد أجد أحيانًا إعلانًا أقل قيمة من الناحية الفنية، لكن أهميته الوثائقية أو علاقته المباشرة بالموضوع تجعله الاختيار الأنسب.

كما أن الاختيار يختلف من فصل إلى آخر، لأن بعض الموضوعات تحتاج إلى نموذج بصري محدد جدًا، وقد لا يكون لدي عدد كبير من الإعلانات التي تخدم هذه الفكرة، فأضطر أحيانًا إلى اختيار الإعلان الأقل قيمة فنيًا لأنه الأكثر قدرة على توضيح النقطة التي أتناولها. وبالتالي، فالاختيار في النهاية تحكمه طبيعة المادة نفسها، والفكرة التي أكتب عنها، وما يمكن للإعلان أن يضيفه إليها.

● بعد الانتهاء من «تجارة الأحلام»، ما أكثر اكتشاف أو مفاجأة في هذا الأرشيف ظل عالقا في ذهنك، وجعلك تعيدين التفكير في تاريخ الإعلان المصري؟

أكثر ما ظل عالقًا في ذهني، وربما أكثر ما فاجأني، هو ما اكتشفته في صورة المرأة المصرية وكيف تحولت عبر تاريخ الإعلان. كانت لديّ فكرة مسبقة بأن هذه المشكلة موجودة، لكن عندما رأيت الإعلانات ووثقتها ووضعتها أمامي بهذا الشكل، صُدمت. وقتها بدأت أفهم بصورة أعمق كثيرًا من المشكلات المجتمعية التي نعيشها اليوم، خصوصًا نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الجمال، سواء بالنسبة إلى النساء أو الرجال.

وأدركت أيضًا أننا خسرنا الكثير من معرفتنا القديمة، في مجالات متعددة، منها الدواء والجمال والعلاج وطرق العناية بالنفس والروح، نتيجة تأثير الاستعمار، وفي سياق سعينا إلى تبني نموذج معين من الحداثة. لذلك أصبح السؤال بالنسبة لي: ماذا خسرنا ونحن نحاول أن نصبح أكثر حداثة؟

ومن هنا جاء عنوان الكتاب «تجارة في الأحلام»، لأن الحداثة لم تُقدم لنا فقط باعتبارها تطورًا ماديًا أو تكنولوجيًا، وإنما ارتبطت بأحلام وصور جديدة للحياة، وفي طريقنا إليها تخلينا عن أشياء كثيرة كانت جزءًا من معرفتنا وثقافتنا.

ومع ذلك، لديّ أمل كبير، لأنني أرى أن الجيل الجديد لديه وعي أكبر بهذه القضايا. وأتمنى أن يمتد هذا الوعي ويتسع، وأن يصبح هناك اهتمام أكبر بثقافتنا وبإعادة اكتشاف ما فقدناه منها، وأن نبدأ أيضًا في تأريخ الإعلانات المصرية ودراسة تطورها، لأن الإعلان في النهاية جزء مهم من الثقافة، ومرآة تكشف الكثير عن المجتمع وتغيراته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved