حارس الزمن.. مهندس سوري يعيد الحياة إلى ساعات بلاده التاريخية
آخر تحديث: السبت 5 سبتمبر 2026 - 1:48 م بتوقيت القاهرة
حلب/ الأناضول
- المهندس أحمد أنيس بدأ تعلم إصلاح الساعات في العاشرة من عمره
- عمل على إصلاح ساعات شهيرة مثل ساعات باب الفرج والمصرف المركزي في حلب ومحطة الحجاز في دمشق
من ساعة باب الفرج في حلب إلى ساعة محطة الحجاز بدمشق، يعيد المهندس السوري أحمد أنيس عقارب ساعات تاريخية إلى الدوران، متمسكا بمهنة بدأ تعلمها في طفولته.
وفي أحدث مشاريعه، يعمل أنيس بين أجزاء الساعات وأدوات الصيانة على تركيب ساعة "الزهور" الجديدة في حلب، آملا أن تصبح خلال أسابيع معلما جديدا يضاف إلى معالم المدينة.
الساعة الجديدة يجري إعدادها لتركيبها في إحدى الحدائق العامة بحلب، لتحل محل أخرى وضعت في المكان أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لكنها لم تعمل منذ تركيبها بسبب مشكلات في عملية التثبيت.
وبدأ أنيس بالفعل أعمال تركيب الساعة، متوقعا الانتهاء منها خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
لكن اهتمام أنيس لا يقتصر على صناعة وتركيب ساعات جديدة، إذ أمضى سنوات في محاولة إعادة عقارب ساعات قديمة وتاريخية إلى الدوران مجددا.
وعمل أنيس على صيانة وإصلاح ساعات ارتبط بعضها بمعالم بارزة في مدن سورية، أبرزها ساعة المصرف المركزي وبرج ساعة باب الفرج في حلب، وساعة محطة الحجاز في دمشق.
كما أعاد إلى العمل ساعة في مدرسة الغسانية التابعة لكنيسة الروم الأرثوذكس في حمص، ويصفها بأنها واحدة من أقدم ساعات المدينة، وركّب ساعة جديدة في دير الزور، فيما يعمل على مشروع آخر بمدينة القصير في حمص.
- من متجر خاله إلى ساعات المدن
وبدأت علاقة أنيس بالساعات عندما كان في الصف الخامس، في نحو العاشرة من عمره، حين كان يقضي عطلته الصيفية عاملا في متجر خاله بحلب، قبل أن يتحول اهتمام الطفولة إلى مهنة رافقته لسنوات.
وقال أنيس للأناضول: "في البداية كنت أعمل خلال العطلة الصيفية مثل بقية الأطفال في حلب. كنت أعمل صيفا وأواصل دراستي شتاء. بدأت العمل في متجر خالي، وكنت مهتما بالساعات القديمة".
وأضاف: "مع مرور الوقت اعتدت على هذا المجال وتطورت فيه منذ سن مبكرة".
وبدأ أنيس بساعات اليد والحائط والجيب، قبل أن يمتد اهتمامه إلى الساعات الكبيرة المثبتة على الأبراج والمعالم في المدن.
وذكر أن أول ساعة عمل عليها بشكل مستقل كانت ساعة المصرف المركزي في حلب، وأنه بدأ العمل لحسابه الخاص عندما كان في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره.
ومع دخوله بداية العشرينيات من عمره، بدأ يتجه بصورة أكبر إلى ساعات المدن.
وأردف أنيس: "بدأت أهتم بشكل خاص بالساعات الكبيرة في المدن. عملت على ساعات في حمص وإدلب وسلقين، إضافة إلى ساعات المدن الموجودة في مناطق مختلفة من سوريا".
- إعادة عقارب باب الفرج إلى الدوران
ومن بين أبرز الأعمال التي ارتبط بها أنيس برج ساعة باب الفرج، أحد المعالم التاريخية البارزة وسط مدينة حلب.
واكتمل بناء البرج في العهد العثماني عام 1899، في ساحة باب الفرج، بموقع كان يضم سابقا "قسطل السلطان"، وهو سبيل مياه يعود إلى العهد العثماني.
ويتكون البرج من 4 واجهات تتضمن 4 أقراص للساعة، وكان كل قرصين متقابلين يعملان بتوقيت مختلف عن الآخرين، اثنان بالتوقيت الشرقي واثنان بالتوقيت الغربي.
وأصبح البرج بمرور السنوات واحدا من أبرز المعالم المرتبطة بساحة باب الفرج ووسط حلب.
وفي 2018، عمل أنيس على إصلاح ساعة البرج التي كانت في حالة لا تسمح باستخدامها، وأعادها إلى العمل من جديد.
وجاءت إعادة تشغيل الساعة بعد أكثر من 10 سنوات من توقفها، إذ تولى أنيس أعمال صيانتها وإعادة تشغيلها.
-ساعة رافقت تاريخ سكة الحجاز
ومن الأعمال التي يصفها أنيس بأنها مميزة بالنسبة إليه، ساعة محطة الحجاز التاريخية.
وقال: "هذه ساعة مميزة جدا. إنها ساعة مساعدة وكانت تشغّل الساعات الممتدة من حلب إلى المدينة المنورة، بينما كانت الساعة المركزية تعمل عبر خط التلغراف".
وارتبطت محطة الحجاز في دمشق بخط سكة حديد الحجاز الذي أنشئ في العهد العثماني لربط دمشق بالمدينة المنورة، وكان أحد أبرز مشروعات النقل في المنطقة مطلع القرن العشرين.
وبدأ العمل في الخط عام 1900، ووصل إلى المدينة المنورة عام 1908، ما أسهم في تقليص مدة رحلة الحجاج والمسافرين بين دمشق والمدينة المنورة.
ومثلما أعاد أنيس العمل إلى ساعات ارتبطت بتاريخ المدن، يواصل التعامل مع ساعات أخرى، بعضها لم يعد العثور على متخصصين في إصلاحه أمرا سهلا، وفق قوله.
- مهنة يتناقص العاملون فيها
ويرى أنيس أن الساعات التقليدية ومهنة إصلاحها أخذتا تتراجعان مع تغير أنماط الحياة وانتشار الهواتف المحمولة.
وقال: "في عصر الهواتف المحمولة والحياة السريعة، اختفت الساعات تقريبا من حياتنا بشكل كامل، ولم يبق إلا الأشخاص الذين ما زالوا مهتمين بهذا العمل".
وبحسب تقديراته، بات عدد العاملين على إصلاح الساعات القديمة في حلب محدودا للغاية.
وأوضح: "عدد العاملين في هذا المجال في حلب لا يتجاوز أصابع اليد. هناك شخصان أو ثلاثة يهتمون بالساعات القديمة وساعات الحائط واليد والجيب".
وأضاف: "أما الساعات الكبيرة، فلم يعد هناك تقريبا أحد يعمل في هذا المجال".
-مهمتي إعادة القديم إلى الحياة
بالنسبة إلى أنيس، لا ترتبط قيمة الساعات القديمة بآلياتها وعقاربها فقط، وإنما بما تحمله من ذكريات لأصحابها والمدن التي ظلت جزءا منها لسنوات طويلة.
وقال: "مهنتي هي إعادة كل ما هو أثري وقديم إلى الحياة، لأن لهذه الأشياء دائما تأثيرا خاصا في الإنسان".
وتابع: "هذه الأشياء التي ورثناها عن عائلاتنا وأجدادنا لها روح خاصة، وهي تذكرنا بالماضي".
ورغم تناقص العاملين في المهنة، يؤكد أنيس أنه لا يفكر في التخلي عنها.
وختم قائلا: "سأواصل القيام بكل ما أستطيع. لن أتراجع عن أي شيء يمكنني القيام به. هدفي هو الحفاظ على هذه المهنة وعلى الساعات القديمة وإبقاؤها حية".
وبينما يتمسك بإعادة عقارب الساعات القديمة إلى الدوران، ينتظر أنيس خلال الأسابيع المقبلة اكتمال مشروع ساعة "الزهور" في حلب، آملا أن تضيف إلى المدينة معلما جديدا، إلى جانب ساعات تاريخية أمضى سنوات في العمل على إبقائها حية.