خالد محمود يكتب: مخرجون وتجارب.. شهادة على تحولات السينما المصرية من بوابة البدايات

آخر تحديث: السبت 6 يونيو 2026 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

- كتاب يوثق أحلام المخرجين في لحظة الميلاد الأولى

في زمن تتراجع فيه الكتابات السينمائية الجادة أمام زحام الأخبار السريعة ومحتوى مواقع التواصل الاجتماعي، يكتسب صدور كتاب «مخرجون وتجارب.. بحثًا عن البدايات» للناقدة والمونتيرة صفاء الليثي أهمية خاصة، باعتباره واحدًا من الكتب التي لا تكتفي برصد أسماء المخرجين وأعمالهم، بل تسعى إلى اكتشاف اللحظة الأولى التي تشكلت فيها رؤيتهم الفنية، وكيف تحولت الأحلام الفردية إلى تجارب تركت أثرها في تاريخ السينما المصرية.

فالكتاب لا يقدم سردًا تقليديًا لمسيرة مجموعة من المخرجين، وإنما يطرح سؤالًا جوهريًا ظل حاضرًا في تاريخ الإبداع السينمائي: كيف يولد المخرج الحقيقي؟ وكيف تتكون لغته السينمائية الخاصة؟ ومن خلال الإجابة عن هذا السؤال، تنجح صفاء الليثي في رسم بانوراما واسعة للسينما المصرية عبر أجيال متعددة واتجاهات فنية متباينة، لتصبح «البدايات» هنا مفتاحًا لفهم التجربة كاملة، وليس مجرد محطة زمنية عابرة.

وتنبع أهمية الكتاب من كونه امتدادًا لمشروع نقدي وثقافي عملت عليه المؤلفة عبر سنوات طويلة من المتابعة والكتابة والمشاركة في المهرجانات السينمائية. وهي في هذا العمل لا تنظر إلى المخرجين باعتبارهم أسماء حققت النجاح والشهرة فقط، بل تعود إلى الحلم الأول، والمحاولة الأولى، والتجربة التي شكلت ملامح الصوت السينمائي الخاص بكل منهم.

وتبدأ الرحلة مع أسماء صنعت ملامح السينما المصرية الحديثة، مثل محمد خان وخيري بشارة وعاطف الطيب، الذين شكلوا معًا أحد أهم تيارات الواقعية الجديدة في السينما المصرية، حيث انحازت أفلامهم إلى الإنسان العادي وقضاياه اليومية وتحولات المجتمع. كما يتوقف الكتاب أمام تجربة داود عبد السيد، صاحب العالم السينمائي الفلسفي والإنساني شديد الخصوصية، وعلي بدرخان الذي جمع بين الوعي الفني والالتزام بقضايا المجتمع، وعلي عبد الخالق الذي ارتبطت أعماله بقضايا الوطن والناس.

ولا تغفل صفاء الليثي تجربة رأفت الميهي، أحد أكثر المخرجين المصريين جرأة وابتكارًا في المزج بين السخرية والخيال والنقد الاجتماعي، كما تتناول تجارب أخرى متنوعة مثل وائل إحسان ومحمد عبد العزيز، في محاولة لرصد مسارات مختلفة داخل السينما المصرية بعيدًا عن التصنيفات الجاهزة والأحكام المسبقة.

وتكشف المؤلفة من خلال هذه النماذج كيف مرت السينما المصرية بتحولات عميقة منذ نهاية التسعينيات، وهي المرحلة التي تصفها بـ«حزام الزلازل». ففي رؤيتها لم يكن النجاح الجماهيري الكبير لفيلم «إسماعيلية رايح جاي» عام 1997 مجرد نجاح لفيلم كوميدي، بل نقطة تحول أعادت رسم خريطة الصناعة السينمائية، وفتحت الباب أمام صعود جيل جديد من النجوم وأنماط إنتاج مختلفة، في الوقت الذي تراجعت فيه بعض المشاريع السينمائية الأكثر طموحًا على المستوى الفني. إلا أن الكاتبة تتعامل مع هذه المرحلة بعين الباحث الساعي إلى الفهم والتحليل، لا بعين المتحسر أو المنحاز.

ومن هذا المنطلق ينتقل الكتاب إلى مخرجين يمثلون أجيالًا أكثر حداثة، مثل يسري نصر الله الذي حملت أفلامه أسئلة الهوية والحرية والتحولات الاجتماعية، ومجدي أحمد علي الذي ارتبطت أعماله بقيم الصداقة والحلم والوفاء لجيل كامل من المثقفين، وكاملة أبو ذكري التي نجحت في المزج بين الحس الإنساني واللغة السينمائية المعاصرة، فضلًا عن أسامة فوزي الذي عكست أعماله روح التسعينيات وأسئلتها الوجودية.

كما تتوقف صفاء الليثي عند تجارب بارزة لمخرجات ومخرجين من السينما المستقلة والبديلة، مثل ساندرا نشأت التي استطاعت الجمع بين الحس الجماهيري والوعي الفني، وهالة لطفي التي بحثت عن لغة بصرية مختلفة خارج القوالب التقليدية، وآيتن أمين التي جعلت من قضايا المرأة والمجتمع محورًا أساسيًا في أعمالها، وأحمد عبد الله الذي قدم رؤية سينمائية معاصرة لعالم سريع التغير، وشريف البنداري الذي مزج بين الواقع والخيال دون أن يفقد صلته بالناس.

ويضم الكتاب كذلك قراءات لتجارب عمرو سلامة وتامر عشري ومحمد حمد ومنال خالد وأنس طلبة وأحمد جندي وفوزي صالح وإسلام بلال وإسلام العزازي، إلى جانب شريف نجيب ومحمد العدل وطارق رفعت ونادين خان وأحمد جلال وجون إكرام وخالد منصور، صاحب فيلم «خروج السيد رامبو»، بوصفهم نماذج لجيل جديد يسعى إلى التعبير عن واقعه وأحلامه بأدوات مختلفة ورؤى متجددة.

وتولي المؤلفة اهتمامًا خاصًا بالتجارب التي نجحت في تحقيق حضور دولي لافت، ومن بينها تجربة عمر الزهيري في فيلم «ريش»، مؤكدة أن السينما المصرية ما زالت قادرة على إنتاج أصوات فنية مغايرة تمتلك خصوصيتها المحلية وقدرتها على التواصل مع العالم في الوقت نفسه.

وما يميز الكتاب حقًا أنه لا يتعامل مع السينما باعتبارها مجموعة أفلام ناجحة أو أسماء لامعة، بل باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا يعكس تحولات المجتمع المصري وأحلامه وأسئلته الكبرى. ولذلك فإن القارئ لا يخرج منه بمعرفة أوسع بالمخرجين فقط، بل بفهم أعمق لمسيرة السينما المصرية نفسها، وكيف انتقلت من جيل إلى جيل، ومن مدرسة فنية إلى أخرى، ومن حلم فردي إلى ذاكرة جماعية.

كما تستفيد صفاء الليثي من خبرتها العملية في مجال المونتاج، وهو ما يمنح قراءاتها خصوصية واضحة. فهي تنظر إلى الفيلم باعتباره بناءً متكاملًا يبدأ من الفكرة والسيناريو، ويمر عبر عناصر الصورة والإيقاع، وصولًا إلى شكله النهائي على الشاشة. ولهذا تأتي مقالاتها أقرب إلى قراءة من داخل العملية الإبداعية نفسها، تكشف آليات التكوين والتطور بعيدًا عن الأحكام السريعة.

في النهاية، يبدو كتاب «مخرجون وتجارب.. بحثًا عن البدايات» أكثر من مجرد كتاب نقدي أو توثيقي؛ إنه شهادة حب للسينما المصرية ومحاولة جادة للحفاظ على ذاكرتها الفنية، وإضاءة اللحظات الأولى التي ولدت فيها أهم التجارب الإخراجية. ومن خلال هذا الجهد تؤكد صفاء الليثي أن فهم البدايات ليس استعادة للماضي فحسب، بل هو أيضًا مفتاح لفهم حاضر السينما واستشراف مستقبلها.

فالكتاب، في جوهره، لا يروي سيرة المخرجين فقط، وإنما يروي سيرة السينما المصرية نفسها؛ كيف حلمت، وكيف تطورت، وكيف واصلت البحث عن طرق جديدة للتعبير عن الإنسان والمجتمع عبر الأجيال المتعاقبة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved