مديرة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف: 2026 شهد تحول مركز ثقل الإرهاب نحو إفريقيا
آخر تحديث: الخميس 6 أغسطس 2026 - 7:33 م بتوقيت القاهرة
حوار - آلاء يوسف
• «التطرف الرقمى» سلاح التنظيمات لاستقطاب الشباب.. ونرصد استخدام داعش للذكاء الاصطناعى
• الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والانحرافات الفكرية والتحديات الرقمية أبرز مخاوفنا من إعادة إنتاج التطرف
• نجحنا فى استعادة شباب تعرضوا لغسيل دماغ قبل السقوط فى دوامة العنف
كشفت الدكتورة رهام سلامة، مديرة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أبرز التحولات التى طرأت على خريطة الإرهاب، ومخاطر تمدد التنظيمات المتطرفة فى إفريقيا، وأساليب استقطاب الشباب رقميًا، مشيرة إلى أن المرصد طوّر أدواته الإعلامية، وأنشأ حسابات رسمية على منصتى «إكس» و«إنستجرام» باللغتين العربية واللغات الأجنبية، لتعزيز التحول الرقمى فى الخطاب الدينى، وتقديم رواية مضادة تعمل على تفكيك خطاب التطرف.
وفى حوارها لـ«الشروق» أوضحت استراتيجية المرصد فى تفكيك الخطاب المتطرف وتعزيز المناعة الفكرية، محذرة من مؤشرات احتمالية استغلال تداعيات الحرب على غزة فى تجنيد الشباب من قبل الجماعات المتطرفة.
وإلى نص الحوار..
< ما أبرز اتجاهات الإرهاب عالميًا خلال 2026؟
ـــــ شهد عام 2026 تحولًا فى مركز ثقل الإرهاب نحو إفريقيا، خاصة منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، مع اعتماد التنظيمات المتطرفة على التقنيات الحديثة وتكتيكات حرب العصابات. وبرز تنظيم «داعش» وفروعه فى الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، إلى جانب شبكات «القاعدة» اللامركزية، ومنها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» فى مالى.
ورصدنا مؤخرًا تحولًا نوعيًا فى آليات عمل التنظيمات الإرهابية، إذ يدرب تنظيم «داعش» عناصر «بوكو حرام» على توظيف الذكاء الاصطناعى، بالتزامن مع إصدار توجيهات أمنية مشددة لرفع الانضباط، وتطوير أمن الاتصالات وحماية المعلومات، وتشديد أمن التنقلات والاجتماعات وسلاسل الإمداد، فى محاولة لسد الثغرات والاستعداد لتنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا وخارج مناطق نشاطه التقليدية.
< هل يمثل تنظيم «داعش» الخطر الأكبر فى توظيف ظاهرة «الذئاب المنفردة»؟
ــــــ تستغل التنظيمات الإرهابية، وفى مقدمتها تنظيم «داعش»، الفضاء الرقمى والمنصات الإلكترونية فى إطار ما يُعرف بـ«التطرف الرقمى»، باعتبارها حاضنة خصبة تتيح لها الوصول بسهولة إلى جمهور واسع، مع قدرة عالية على التوارى عن الأنظار، وهو ما يجعلها أداة مفضلة لعمليات التجنيد والاستقطاب الإلكترونى، خصوصًا بين فئات الشباب واليافعين الذين يقضون أوقاتًا طويلة فى الفضاء الرقمى.
وفى هذا السياق، تتبنى هذه التنظيمات استراتيجيات متطورة تستفيد من الطفرات التكنولوجية الحديثة، لكنها فى الوقت ذاته لا تتخلى عن حُزمتها الخطابية التقليدية، التى تقوم على المزج بين بث الشائعات، وإعلان المظلومية، واللعب على الوتر الدينى، وتكفير الحكومات، بهدف خلق حالة من الاستقطاب العاطفى والعقائدى لدى المتابعين.
ولمواجهة هذا المد الرقمى، سارع المرصد الأزهر لتطوير أدواته الإعلامية، فأنشأ حسابات رسمية على منصتى «إكس» و«إنستجرام» باللغتين العربية واللغات الأجنبية، لتعزيز التحول الرقمى فى الخطاب الدينى، وتقديم رواية مضادة تعمل على تفكيك خطاب التطرف، واستقطاب المهتمين بقضايا الفكر الوسطى، وكسب ثقة الجمهور الدولى.
< كيف يوظف «داعش» الفضاء الرقمى لاستقطاب الشباب؟
ــــــ لم تُجرِ التنظيمات الإرهابية تحديثًا جوهريًا يُذكر على أدواتها الخطابية أو محتواها الفكرى، لكنها تحولت من العمل الميدانى إلى الفضاء المجازى، نتيجة الملاحقات الأمنية، واستفادت من مرونة المنصات الرقمية فى الوصول إلى الشباب والتوارى عن الأنظار.
وفى مواجهة هذا التحول الرقمى، وضع المرصد استراتيجيات حديثة، شملت إطلاق منصة «إحياء»، التى تضم جميع إصدارات المرصد، وتتيح للمستخدم التفاعل المباشر، باللغتين العربية والإنجليزية.
كما سعينا إلى تأهيل الباحثين وتدريبهم على مهارات التواصل الرقمى، وكيفية استخدام المنصات الحديثة لنشر رسائل السلام، والتعامل مع الخطاب المتطرف بآليات حوارية متقدمة تستند إلى الحجة والمنطق، وتستهدف تفكيك الشبهات.
وشملت استراتيجيتنا إجراء مناقشات مع بعض الشباب الذين تعرضوا لعمليات غسيل دماغ، حيث نجح المرصد فى استعادة بعضهم قبل السقوط فى دوامة العنف، من خلال جلسات حوارية فردية أدارها خبراء فى علم النفس والفكر والدين، ما ساهم فى تراجع هؤلاء الشباب عن اعتناق الأفكار المتطرفة.
وفى السياق ذاته، توسعنا ميدانيًا من خلال تنظيم ورش عمل تجوب المحافظات والمناطق النائية، بالتنسيق مع وزارات الدولة.
< هل يقتصر دور المرصد على رصد التطرف؟ وما أبرز إنجازاته فى هذا السياق؟
ـــــ لا يقتصر عملنا على الرصد، بل يمر بثلاث مراحل منهجية تشمل الترجمة، والتصنيف والقراءة التحليلية لما بين السطور، ثم الرد بوسائط مختلفة.
ومن أبرز إنجازات المرصد إطلاق حملات لتفكيك مصطلحات مثل «الحاكمية» و«الجهاد» و«الولاء والبراء» و«التكفير»، وإنتاج سلسلة «يدعون ونصحح» لتفنيد إصدارات تنظيم «داعش» ومقارنتها بوعى المسلم الصحيح، إلى جانب توثيق صفحات المرصد باللغات الأجنبية على «فيسبوك» بالعلامة الزرقاء.
وبلغت مخرجات المرصد خلال عام 2025 نحو 1475 منشورًا باللغة العربية، و5612 منشورًا باللغات الأجنبية، فضلًا عن مئات الفيديوهات والإنفوجراف والتغطيات الإعلامية واللقاءات الميدانية، وتقديم دورات تدريبية بالشراكة مع جهات معنية بمكافحة الفكر المتطرف محليًا وعالميًا.
كما أطلقنا أول فيلم وثائقى بعنوان «العائدات من داعش»، وأصدر دراسات علمية حول ظاهرة الإلحاد وسيكولوجيته، من بينها دراسة «الإرهاب والإلحاد.. وجهان لعملة واحدة».
< مع التراجع العسكرى للتنظيمات المتطرفة فى سوريا.. هل لا تزال البيئة سامحة بإعادة إنتاجها فكريًا أو بعودتها تنظيميًا؟
ــــ تتركز مخاوف المرصد العامة فى استمرار الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، والانحرافات الفكرية، والقراءات الانتقائية والخاطئة للنصوص الدينية المقطوعة من سياقاتها الدينية والتاريخية والجغرافية، إلى جانب التحديات التقنية والرقمية المستجدة التى تمنح الجماعات المتطرفة مساحات بديلة لإعادة إنتاج أفكارها وتجنيد عناصر جديدة.
< كيف يعمل المرصد على تعزيز المناعة الفكرية لدى الشباب وحمايتهم من الوقوع فى دوائر التطرف وخطابات الكراهية؟
ـــــــ نعمل من خلال منظومة متكاملة تجمع بين الفضاء الرقمى والإعلامى والميدانى، حيث نفذ المرصد بالتعاون مع عدد من الوزارات والمؤسسات المحلية والدولية سلسلة من المبادرات الميدانية التوعوية، أبرزها مبادرة «اسمع واتكلم» لفتح حوار فكرى مستنير مع طلاب الجامعات، ومبادرة «اعرف أكثر» بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، ومبادرة «بصيرة» بالتعاون مع قطاع المعاهد الأزهرية، ومبادرة «نحو رؤية شبابية لمكافحة التطرف» بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، ومبادرة «نحو رؤية أزهرية لمجابهة التطرف» بالتعاون مع جامعة الأزهر، ومبادرة «سفراء الوسطية» بالتعاون مع قطاع مدن البعوث الإسلامية.
كما أعددنا حقائب تدريبية بالشراكة مع بعض الجهات المعنية بمكافحة الفكر المتطرف، وأطلقنا منصة «إحياء» لعقد حلقات نقاشية افتراضية مباشرة مع الشباب، لمتابعة القضايا الشائكة وتفنيد الشبهات أولًا بأول.
< ما أبرز أوجه التعاون الدولى والمحلى لمرصد الأزهر؟
ـــــ نحرص على بناء جسور تواصل فعّالة مع المؤسسات الدينية والفكرية والأكاديمية، والمنظمات الدولية والمحلية، انطلاقًا من إيماننا بأن مواجهة التطرف مسئولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود وتبادل الخبرات.
أبرمنا بروتوكولات تعاون وشراكات مع المعهد الملكى للدراسات الدينية بالأردن، ومعهد الآباء الدومنيكان للدراسات الشرقية بباريس، وجامعة مالانج بإندونيسيا، والمركز الأوروبى لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات فى ألمانيا وهولندا، إلى جانب عدد من المراكز والمؤسسات المحلية.
ويمتد الحضور الدولى للمرصد إلى المشاركة فى مؤتمرات لجنة مكافحة الإرهاب (CTED) التابعة لمجلس الأمن الدولى، وفعاليات الاتحاد الأوروبى، واجتماعات مجموعات العمل المصرية - الهندية، والمصرية - الصينية، والمصرية - الفرنسية، وفعاليات وزارة الخارجية اليابانية، ومنظمة أديان من أجل السلام التابعة للأمم المتحدة، التى وقع الاختيار علىّ سفيرةً لها.
ونفذنا مؤخرًا برنامجًا تدريبيًا استمر ثلاثة أشهر بالتعاون مع مؤسسة (ACCEPT) اليابانية، كما نواصل التنسيق مع المبتعثين من أئمة الأزهر فى الخارج لمعالجة التحديات التى تواجه الجاليات.
وعلى الصعيد المحلى، نتعاون مع مركز القاهرة الدولى لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام (CCCPA)، ومؤسسة «مهندسون من أجل مصر» المستدامة، ومجلس الشباب المصرى، ومؤسسة مساعينا، كما يتعاون المرصد مع الجامعة البريطانية فى مصر، وجامعة الأهرام الكندية، وجامعة القاهرة، وجامعة طنطا، إلى جانب مشاركتى فى محاضرات وفعاليات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ويمتد التعاون أيضًا إلى وزارات الشباب والرياضة، والتربية والتعليم، والتعليم العالى والبحث العلمى، والثقافة.
< إلى أى مدى يمكن اعتبار بعض الخطابات المتداولة بشأن المرأة والأسرة صورة من صور التطرف الاجتماعى؟
ـــــ نؤكد دائمًا أن الاختلاف حول أى موضوع أمر طبيعى وصحى، شريطة أن يظل فى إطار الحوار المسئول القائم على احترام الرأى الآخر، بعيدًا عن خطاب الكراهية أو التحريض أو استغلال القضايا المجتمعية لإحداث انقسام داخل المجتمع.
ويمكن تصنيف بعض الخطابات المتداولة حول قضايا الأسرة والمرأة كأحد أشكال التطرف الاجتماعى عندما تحيد عن السلوك المتزن، انطلاقًا من رؤية الأزهر الشريف التى تؤكد أن الأسرة هى الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع، وأن الحفاظ عليها يتطلب خطابًا عقلانيًا يوازن بين الحقوق والواجبات.
< بعد أكثر من عامين على حرب غزة.. كيف ينظر المرصد إلى مخاطر التطرف بين الشباب بفعل الحرب وتبعاتها؟
ـــــ ينظر مرصد الأزهر إلى ما يجرى فى قطاع غزة باعتباره مأساة إنسانية غير مسبوقة، خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين يعيشون تحت وطأة الحرب والتهجير وفقدان ذويهم وانقطاع التعليم وتراجع الخدمات الأساسية.
ولا شك أن مثل هذه الظروف تمثل بيئة قد تحاول التنظيمات المتطرفة استغلالها فى عمليات التجنيد والاستقطاب، عبر استثمار مشاعر الغضب واليأس والرغبة فى الانتقام.
ومن هذا المنطلق، نعمل على تفكيك الخطابات التى تحاول توظيف معاناة الفلسطينيين لخدمة أجندات متشددة، مع التأكيد على أن نصرة القضية الفلسطينية تكون بدعم الحقوق المشروعة، وتعزيز الوعى، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وليس بالانخراط فى مسارات العنف التى لا تخدم القضية ولا شعوب المنطقة.