موسم ثالث بلا حصاد.. عدوان إسرائيل يستنزف مزارعي لبنان

آخر تحديث: الخميس 6 أغسطس 2026 - 10:47 ص بتوقيت القاهرة

جنوبي لبنان - الأناضول

- خسائر الموسم الزراعي في بلدات جنوبي لبنان لم تعد مرتبطة فقط بتراجع الإنتاج أو ارتفاع كلفته، وإنما: هل يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه أصلا؟
- بينما يحاول مزارعون العمل في أراضٍ يمكنهم الوصول إليها، تبقى مساحات أخرى في انتظار الحصاد، لكن أصحابها لا يستطيعون بلوغها بسبب المخاطر
- المزارع نمر رحال: الاعتداءات الإسرائيلية حرمت المزارعين من استثمار أجزاء واسعة من أراضيهم، والخسائر طالت محاصيل عديدة
- رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في مجدل سلم ومنطقة مرجعيون علي صبرا: المزارعون يعيشون للعام الثالث موسما زراعيا خاسرا
- المزارعون يطالبون الدولة اللبنانية بدعم القطاع الزراعي في المناطق الحدودية، ولا سيما عبر تأمين مستلزمات الإنتاج والأسمدة، والمساعدة في تصريف المحاصيل

منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ المزارع نمر رحال يومه في الأرض التي لا يزال قادرا على الوصول إليها، محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم زراعي لا يشبه المواسم التي عرفها مزارعو جنوبي لبنان قبل العدوان الإسرائيلي.

ويمضي المزارعون ساعات النهار بين الحقول، لكن العمل هذه المرة لا يتعلق فقط بحراثة الأرض أو زراعتها وحصادها، بل بمحاولة الحفاظ على مصدر رزق تهدده الاعتداءات الإسرائيلية، التي جعلت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في القرى الحدودية خارج متناول أصحابها.

ففي جنوبي لبنان لم تعد خسارة الموسم الزراعي مرتبطة فقط بتراجع الإنتاج أو ارتفاع كلفة الزراعة، وإنما أصبحت في كثير من المناطق مرتبطة بسؤال أكثر قسوة: هل يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه أصلا؟

ورغم توقيع اتفاق "صيغة الإطار" بين بيروت وتل أبيب برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026، تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان، الذي بدأته في 2 مارس الماضي، وأسفر عن استشهاد 4 آلاف و333 شخصا، وإصابة 12 ألفا و250 آخرين، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات اللبنانية.

وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن مسافة تزيد على 10 كيلومترات.

وفي أبريل الماضي أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي فرض ما سماه "الخط الأصفر" جنوبي نهر الليطاني، وقال إنه يحدد منطقة ممتدة حتى الحدود بوصفها "منطقة أمنية عازلة"، ما حال دون وصول آلاف المواطنين، وبينهم النحّالون، إلى أراضيهم الزراعية وممتلكاتهم.

** حقول تنتظر

وقال رحال لمراسل الأناضول إن الاعتداءات الإسرائيلية حرمت المزارعين من استثمار أجزاء واسعة من أراضيهم، بعدما أصبحت مناطق بأكملها خارج نطاق الزراعة والحصاد.

وأضاف أن الخسائر طالت محاصيل القمح والشعير والعدس، فضلا عن السمسم والتبغ، في وقت يواجه فيه المزارعون أزمة أخرى تتمثل في صعوبة تصريف الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة، وسط غياب الدعم الرسمي الكافي.

وبينما يحاول بعض المزارعين العمل في الأراضي التي ما زال الوصول إليها ممكنا، تبقى مساحات أخرى مزروعة في انتظار الحصاد، لكن أصحابها لا يستطيعون بلوغها بسبب المخاطر الأمنية واستمرار الاعتداءات، وفق مراسل الأناضول.

وهكذا، يتحول الموسم الزراعي من فرصة لإنتاج المحاصيل وتأمين دخل العائلات إلى عبء إضافي على المزارع، الذي أنفق على البذار والأسمدة والحراثة وغيرها من مستلزمات الإنتاج، ثم وجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى محصوله.

** موسم ثالث

ولا تبدو الأزمة حالة عابرة بالنسبة لمزارعي الخطوط الأمامية، إذ قال رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في مجدل سلم ومنطقة مرجعيون (محافظة النبطية) علي صبرا إن المزارعين في المناطق الحدودية يعيشون، للعام الثالث موسما زراعيا خاسرا.

وأوضح صبرا، في حديث للأناضول، أن حصاد القمح هذا العام جاء متأخرا، فيما سيبقى نحو 80 بالمئة من محاصيل بلدة مجدل سلم في الحقول، بسبب تعذر وصول المزارعين إليها نتيجة استمرار الاعتداءات.

وأضاف أن هذا الواقع لا يقتصر على مجدل سلم، بل يتكرر في عدد من البلدات الحدودية، حيث أصبحت الأراضي الزراعية الواقعة في المناطق الأكثر تعرضا للاعتداءات خارج الدورة الطبيعية للإنتاج.

وشدد على أن خسارة موسم واحد تمثل ضربة قاسية للمزارعين الذين يعتمدون على الأرض مصدرا أساسيا للدخل، أما تكرارها لثلاثة مواسم متتالية، فيعني استنزاف قدرتهم على الاستمرار في الزراعة نفسها.

** خسائر ممتدة

وتتجاوز تداعيات العدوان الإسرائيلي المحاصيل الموسمية لتطال المشاتل والأشجار المثمرة وغير المثمرة، إذ تعرض بعضها للتلف بفعل تداعيات العدوان.

ويتزامن ذلك مع تحديات أخرى يواجهها القطاع الزراعي، بينها انتشار الآفات والأمراض الزراعية وتراجع الإنتاج.

كما امتدت الخسائر إلى الثروة الحيوانية في المناطق الحدودية.

وأفاد صبرا بتراجع أعداد الأبقار والأغنام والماعز وخلايا النحل، ما انعكس سلبا على مصادر دخل المزارعين، وأعاد جزءا كبيرا من هذا القطاع إلى نقطة الصفر.

وبيّن أن خسارة الحيوانات أو الأشجار لا تعني مجرد فقدان مورد آني، بل فقدان سنوات من الاستثمار والعمل في قطاع يحتاج إلى وقت طويل لاستعادة قدرته الإنتاجية، حتى بعد توقف الأعمال العسكرية.

** دعم مأمول

وفي مواجهة هذا الواقع، يطالب المزارعون الدولة اللبنانية بدعم القطاع الزراعي في المناطق الحدودية، ولا سيما عبر تأمين مستلزمات الإنتاج والأسمدة، والمساعدة في تصريف المحاصيل.

ولا ينظر هؤلاء المزارعون، الذين رفضوا الظهور أمام الكاميرا، إلى الدعم بوصفه تعويضا عن خسائر موسم واحد فحسب، بل وسيلة للحفاظ على قدرتهم على العودة إلى أراضيهم والاستمرار في زراعتها.

وبالنسبة إلى سكان القرى الحدودية، ترتبط الزراعة بالأرض والدخل والاستقرار في آن واحد، وتصبح مساعدة المزارع على العودة إلى حقله جزءا من معركة أوسع للحفاظ على وجود السكان في مناطقهم.

لكن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يجعل هذه العودة محفوفة بالمخاطر، ويضع المزارع أمام مفارقة قاسية: الأرض التي تمثل مصدر رزقه باتت هي نفسها مصدر خطر عليه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved