رد الجميل.. ندوة تستعيد سيرة سعد أردش في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي
آخر تحديث: الأحد 6 سبتمبر 2026 - 3:34 م بتوقيت القاهرة
• أيمن الشيوي: كان أبًا ومعلمًا.. والفنان دائمًا في صف الشعب
• مدحت الكاشف: «جبل المعرفة» ومدرسة صنعت أجيالًا من المسرحيين
• رانيا فتح الله: علمني أن احترام الفن يبدأ باحترام الإنسان
• محمد زعيمة: تعلمنا منه العلم والإنسانية والإدارة
أقيمت ندوة بعنوان «رد الجميل»، احتفاءً بذكرى المخرج المسرحي سعد أردش، أحد أبرز رموز المسرح المصري والعربي، والذي ترك أثرًا ممتدًا في الحركة المسرحية والأكاديمية، وأسهم في تكوين أجيال من الفنانين والباحثين، وذلك صباح اليوم الأحد في المجلس الأعلى للثقافة بأرض أوبرا القاهرة، ضمن فعاليات الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران.
أدار الندوة الدكتور مدحت الكاشف، وشارك فيها الدكتورة رانيا فتح الله، والدكتور محمد زعيمة، و الدكتور أيمن الشيوي، الذين قدموا شهادات إنسانية وفنية وأكاديمية عن أستاذهم المخرج سعد أردش، مستعيدين مواقفه معهم وتأثيره في مسيرتهم، إلى جانب إسهاماته الكبيرة في تطوير المسرح والتعليم الأكاديمي.
د. مدحت الكاشف: سعد أردش «جبل المعرفة» ومدرسة صنعت أجيالًا من المسرحيين
استهل الدكتور مدحت الكاشف، حديثه بالتأكيد على المكانة الاستثنائية للفنان والمفكر الكبير سعد أردش، واصفًا إياه بأنه «رجل المسرح والمفكر والمخرج والممثل وأستاذ الأساتذة والأجيال»، مؤكدًا أنه كان بحق «جبل المعرفة».
وقال الكاشف إن سعد أردش يمثل مدرسة قائمة بذاتها، إذ امتدت مسيرته لأكثر من ستة عقود، وأسهم خلالها في إثراء المسرح المصري والعربي، فلم يكن مجرد مخرج أو ممثل، بل كان معلمًا للأجيال وصاحب ثقافة رصينة وفكر واعٍ.
وأضاف أن لقب «جبل المعرفة» هو الوصف الأقرب لسعد أردش، الذي لم يكن مجرد صانع للعروض المسرحية، بل صرحًا فكريًا وثقافيًا أسهم في تشكيل ملامح المسرح العربي الحديث، وساهم في التعريف بالاتجاهات والأشكال المسرحية الجديدة، ومنها المسرح الملحمي ومسرح العبث.
وأشار إلى أن أردش ظل حتى آخر سنوات حياته منفتحًا على كل ما هو جديد، يستمع إلى الآراء المختلفة ويؤمن بالحوار، موضحًا أن مجرد الجلوس معه كان يمثل تجربة معرفية، إذ كان يطرح أسئلة تستفز الفكر وتدفع تلاميذه إلى البحث والتأمل في قضايا المسرح.
واستعاد الكاشف ذكرياته معه، مؤكدًا أن علاقته بتلاميذه اتسمت بالتواضع والقرب، وأن حتى اللقاءات البسيطة خارج قاعات الدراسة كانت تحمل قيمة فكرية وإنسانية.
وأكد على أن رحيل سعد أردش ترك فراغًا كبيرًا، لكن ما تركه من علم وفكر وتجربة وتلاميذ جعل حضوره مستمرًا، مؤكدًا أن استعادة سيرته تمثل محاولة لـ«رد الجميل» لفنان ومفكر ومعلم أسهم في صناعة أجيال من المسرحيين.
د. أيمن الشيوي: سعد أردش كان أبًا ومعلمًا.. والفنان دائمًا في صف الشعب
وأكد الدكتور أيمن الشيوي أن علاقته بالمخرج سعد أردش كانت حالة خاصة، تجاوزت حدود العلاقة التقليدية بين الأستاذ وتلميذه، واصفًا إياه بأنه كان «أبًا وأستاذًا ومعلمًا».
واستعاد الشيوي بداية علاقته بسعد أردش، موضحًا أنه لم يكن من الطلاب الذين يدرسون على يديه خلال مرحلة البكالوريوس، ولم يكن ضمن مجموعاته الدراسية، إلا أن أردش تبناه علميًا وإنسانيًا منذ سنوات الدراسة.
وأشار إلى أن أول موقف جمعه بأستاذه جاء عقب عودته من أداء الخدمة العسكرية، عندما واجه مشكلة بسبب تأخره عن الدراسة، ووصل الأمر إلى رفض أحد الأساتذة دخوله أحد الدروس.
وقال إن سعد أردش عندما علم بما حدث تدخل فورًا، مؤكدًا أن أداء الخدمة العسكرية واجب وطني، وأن الطالب لا ينبغي أن يُعاقب بسبب أدائه لهذا الواجب، بل يجب منحه فرصة لتعويض ما فاته، وتكليفه بما يثبت جدارته، ومنحه حقه إذا حقق النجاح.
وأكد الشيوي أن هذا الموقف كان بداية علاقة قوية جمعته بسعد أردش، مشيرًا إلى أن دعم أستاذه وتشجيعه دفعاه إلى مزيد من الاجتهاد، حتى حصل على تقديرات «امتياز» خلال سنوات دراسته اللاحقة.
وأضاف أن سعد أردش تولى دعمه خلال مرحلة الدراسات العليا، وعمل معه لسنوات طويلة، تعلم خلالها معنى الفن والإخراج والتمثيل، واكتشف فيه نبعًا عميقًا للفن وفنانًا صاحب رؤية وفكر وأيديولوجية واضحة.
وتوقف الشيوي عند إحدى أهم الأفكار التي تعلمها من أستاذه، وهي مقولته: «الفنان دائمًا على يسار المجتمع».
وأوضح أن سعد أردش لم يكن يقصد بالمقولة معناها السياسي الضيق، وإنما كان يقصد انحياز الفنان للفقراء والمهمشين والشعب، وموقفه الدائم في مواجهة القهر والظلم، دفاعًا عن قيم العدل والحق والخير والجمال.
وأشار إلى أن هذه الرؤية كانت أحد الأسس التي بنى عليها سعد أردش منهجه الفني والتعليمي، إذ كان يرى أن الفنان لا ينفصل عن مجتمعه، وأن الفن الحقيقي يحمل موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا تجاه الإنسان.
كما تحدث الشيوي عن منهج سعد أردش في العمل مع الممثل، موضحًا أنه كان يضغط على الممثل فنيًا ويختبر قدراته من مختلف الاتجاهات، ويدفعه إلى أقصى طاقته، حتى يصل إلى مرحلة جديدة من الاكتشاف والتطور.
واستعاد عبارته الشهيرة التي كان يرددها له خلال البروفات: «الحقني يا أيمن»، وهي العبارة التي قال إنها لا تزال ترن في أذنيه حتى الآن.
وأوضح أن هذه العبارة كانت تعني انتهاء مرحلة من العمل، وانتقال المسؤولية إليه لاستكمال مرحلة جديدة، قبل أن يعود سعد أردش مرة أخرى لمتابعة المشروع وتطويره.
وأكد الدكتور أيمن الشيوي أن سعد أردش لم يكن مجرد مخرج، بل كان فنانًا ومفكرًا ومعلمًا أسهم في تأسيس أقسام المسرح داخل الجامعات المصرية وعدد من الدول العربية، وخرّج أجيالًا من المسرحيين الذين انتشروا في مختلف أنحاء الوطن العربي.
وأكد على أن قيمة سعد أردش ستظل حاضرة في تلاميذه وفي الأجيال التي تعلمت على يديه، باعتباره واحدًا من رموز المسرح المصري والعربي، وصاحب تجربة فنية وأكاديمية وإنسانية تركت أثرًا لا يمكن أن يزول.
د. رانيا فتح الله: سعد أردش علمني أن احترام الفن يبدأ باحترام الإنسان
وفي كلمتها وجهت الدكتورة رانيا فتح الله الشكر لمن اختاروا عنوان الندوة «رد الجميل»، مؤكدة أهمية الاعتراف بفضل من سبقونا وتركوا أثرًا في حياتنا ومهنتنا، وقالت إنها جاءت لتذكر جميل أحد أهم أساتذتها، المخرج سعد أردش، الذي كان له دور بارز في تكوينها العلمي والفني والإنساني، مؤكدة أن الحديث عنه بالنسبة إليها ليس مجرد استعراض لمسيرة فنان كبير، وإنما شهادة حب وامتنان لأستاذ ترك أثرًا عميقًا في حياتها.
وأوضحت أن سعد أردش أشرف على رسالتي الماجستير والدكتوراه، وكان دائمًا يوجهها إلى ربط البحث المسرحي بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مؤكدة أن هذا المنهج كان له تأثير كبير في تكوينها العلمي وطريقة تعاملها مع البحث المسرحي.
وأضافت أنه شجعها كذلك على إصدار موضوع رسالة الماجستير في كتاب بعنوان «الاتجاه الملحمي في مسرح ألفريد فرج: دراسة في النص والعرض»، مشيرة إلى أهمية الكتاب بالنسبة لطلاب ودارسي علوم المسرح.
واستعادت فتح الله موقفًا إنسانيًا مؤثرًا جمعها بأستاذها خلال إعداد رسالة الدكتوراه، موضحة أنه كان قد ضعف بصره في تلك الفترة، ولم يعد قادرًا على قراءة الأوراق، فكانت تزوره في منزله وتقرأ له ما كتبته، ليواصل توجيهها وتصويب مسارها العلمي.
وأشارت إلى سعادته بربط موضوع رسالتها عن «الكوميديا» بالمتغيرات السياسية في مصر، مؤكدة أن سعد أردش كان يؤمن بضرورة ارتباط الفن والبحث المسرحي بالواقع، وعدم التعامل مع الفن باعتباره منفصلًا عن المجتمع.
وأكدت أن دعمه لم يكن شخصيًا أو مقتصرًا على تلاميذه المقربين، بل كان نابعًا من إيمانه الحقيقي بأهمية إعداد كوادر أكاديمية وفنية قادرة على تحمل مسؤولية الفن، مشيرة إلى دوره في دعم قسم المسرح بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، رغم ظروفه الصحية.
وقالت إن سعد أردش لم يكن أستاذًا أكاديميًا فحسب، بل كان فنانًا صاحب مشروع ورؤية لتطوير المسرح في مصر والعالم العربي، مستشهدة بتجربته في إدارة مسرح الجيب، الذي جعله مساحة للتجارب المسرحية الطليعية والتعريف بالاتجاهات الحديثة، مع ربطها بالبيئة المحلية والهموم الاجتماعية.
وأضافت أنه كان مؤمنًا بأن التجريب الحقيقي لا ينفصل عن الجذور، وأن المسرح يحتاج إلى التجدد المستمر حتى يظل حيًا وقادرًا على التعبير عن قضاياه.
وأكدت أن سعد أردش كان مخرجًا مغامرًا خاض تجارب متنوعة بين مدارس واتجاهات مسرحية مختلفة، إلى جانب إسهاماته الفكرية، وفي مقدمتها كتابه «المخرج في المسرح المعاصر»، الذي يمثل أحد المراجع المهمة في دراسة الإخراج المسرحي.
واختتمت الدكتورة رانيا فتح الله شهادتها مؤكدة أنها لم تأتِ لسرد تاريخ سعد أردش، فمسيرته الفنية ليست بحاجة إلى إعادة تقديم، وإنما جاءت لتقدم شهادة حب وامتنان لأستاذ ترك أثرًا عميقًا في حياتها.
وقالت إنها تعلمت منه أن احترام الفن يبدأ باحترام الإنسان، وأن الموهبة تحتاج إلى العلم، وأن الإبداع يحتاج إلى مسؤولية، مؤكدة أنه كان بالنسبة إليها أكثر من أستاذ، بل صاحب فضل ومرجعًا وإنسانًا ترك أثرًا لا يزول.
د. محمد زعيمة: تعلمنا من سعد أردش العلم والإنسانية والإدارة
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد زعيمة أن الأستاذ الكبير سعد أردش ترك أثرًا عميقًا في أجيال عديدة من الفنانين والأكاديميين، قائلًا: «تعلمنا منه العلم، وتعلمنا منه الإنسانيات، وتعلمنا منه الإدارة».
واستعاد زعيمة بداية انبهاره بسعد أردش عندما شاهد أحد عروضه المسرحية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن التجربة تركت داخله انطباعًا كبيرًا، ودفعته، وهو في بداية شبابه، إلى أن يحلم بأن يصبح مخرجًا مثله.
وأوضح أن سعد أردش كان يتميز بقدرته على اكتشاف الطاقات الشابة ودعمها، دون تمييز بين الأقسام أو التخصصات، وكان يبحث دائمًا عن الطالب المجتهد وصاحب الرغبة الحقيقية في التعلم والعمل.
وأشار إلى أن أردش أتاح لعدد من الشباب فرصًا للعمل والتدريس في بداية حياتهم الأكاديمية، ولم يكن يتعامل معهم باعتبارهم مجرد معاونين، بل كان حريصًا على إعدادهم وتأهيلهم ليصبحوا أساتذة قادرين على تحمل المسؤولية.
واستعاد زعيمة تجربة تعليمية مميزة، موضحًا أن سعد أردش لم يكن يكتفي بتكليف معاونيه بإلقاء المحاضرات، بل كان يتابع أداءهم بعد انتهاء المحاضرة ويحلله معهم، ويوجههم في كيفية إعداد المحاضرة وضبط الوقت والتعامل مع الطلاب والأسئلة.
وأكد أن هذه التجربة كانت من أهم ما تعلمه في بداياته الأكاديمية، إذ علمه سعد أردش أن التدريس ليس مجرد إلقاء للمعلومات، وإنما مسؤولية تحتاج إلى إعداد جيد وفهم لطبيعة الطالب وقدرة على التواصل معه.
كما تحدث عن موقف آخر خلال مرحلة الدراسات العليا، حين اقترح عليه سعد أردش موضوعًا بحثيًا، تطور مع مرور السنوات ليصبح أحد أبحاث ترقيته إلى درجة أستاذ مساعد، معتبرًا ذلك نموذجًا لقدرة أستاذه على اكتشاف إمكانات طلابه وتحفيزهم على البحث والتفكير.
وأكد زعيمة أن سعد أردش كان منحازًا إلى طلابه والباحثين الجادين، ويدافع عن حقوقهم داخل المجالس واللجان العلمية، مستعيدًا موقفًا تدخل فيه الأستاذ بنفسه لتجاوز عقبة واجهته في مشروعه البحثي.
وأشار إلى أن هذا الموقف كشف له جانبًا آخر من شخصية أستاذه، وهو «سعد أردش الإنسان»، الذي كان مستعدًا للدفاع عن طلابه طالما كانوا أصحاب حق، ومساعدتهم على تجاوز العقبات التي قد تعترض طريقهم العلمي.
وعن سعد أردش المخرج، أكد زعيمة أنه كان صاحب قدرة كبيرة على التجديد وصناعة الدهشة، رغم ما قد يوحي به مظهره الكلاسيكي.
وقال إن أردش كان يمتلك رؤية فنية متجددة، وهو ما انعكس في عروضه التي تركت أثرًا كبيرًا لدى أجيال من المسرحيين، مؤكدًا أن تجربته لم تكن تجربة تقليدية، بل تجربة ثرية اتسمت بالبحث والمغامرة والتجديد.
واختتم الدكتور محمد زعيمة شهادته بالتأكيد على أن سعد أردش لم يكن مجرد أستاذ أو مخرج كبير، بل كان معلمًا وإنسانًا ترك أثرًا ممتدًا في تلاميذه، وأسهم في صناعة أجيال من الفنانين والأكاديميين الذين حملوا جانبًا من رؤيته ومنهجه.