«عايز أعمل كوبري.. وتحته تماسيح».. مهندسو سد تنزانيا يروون الحكاية من الغابة إلى الافتتاح
آخر تحديث: الأحد 6 سبتمبر 2026 - 8:38 م بتوقيت القاهرة
- المهندس محمد زكي - نائب مدير المشروع للأعمال الكهروميكانيكية: «خططنا صح ونفذنا صح.. وكان بيتنا داخل السور والحيوانات خارجه»
- المهندس أيمن عبده - مدير مشروع سد تنزانيا: «الفيضان جرف منصة العمل مرتين.. وصممنا كوبريًا يتحمل 250 طنًا»
- المهندسة نيرة السيد - مديرة مشروع محطة الربط الكهربائي: «شاهدت الموقع يتحول يومًا بعد يوم من غابة وجبال إلى مشروع هندسي»
- المهندسة رحاب يحيى - مديرة العقود: «أبرمنا نحو 2500 عقد مع مقاولين وشركات تنزانية»
- المهندسة رحاب عابدين - مدير إدارة التصميمات الهندسية: «احتجنا إلى مئات الجسات وملايين الأمتار المكعبة من خامات الردم»
بعد سنوات من العمل في قلب محمية طبيعية على نهر روفيجي، افتُتح سد ومحطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا يوم 23 أغسطس 2026، بحضور الرئيسة التنزانية سامية صولوحو حسن، ومشاركة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، وفي استعادة لرحلة التنفيذ، قال المهندس محمد زكي، نائب مدير المشروع للأعمال الكهروميكانيكية، إن نجاح الفريق استند إلى التخطيط الصحيح والدقة في التنفيذ.
وأضاف في تصريحات لبرنامج «معكم» مع الإعلامية منى الشاذلي، عبر شاشة «ON E»، أن تنفيذ الأعمال الكهروميكانيكية احتاج إلى حساب أبعاد وأوزان كل جزء منذ مرحلة التصميم والتصنيع، وصولًا إلى نقله ورفعه وتركيبه داخل محطة التوليد.
وجاءت شهادة زكي ضمن حلقة خاصة استضافت عددًا من مهندسي المشروع، ليروي كل منهم جانبًا من رحلة بدأت من غابة وجبال، وامتدت إلى نقل معدات بمئات الأطنان، وتصميم كوبري تعبر من تحته التماسيح وأفراس النهر، وتنفيذ محطة ربط كهربائي، وإبرام آلاف العقود، واختيار ملايين الأمتار المكعبة من خامات الردم.
ونفذ المشروع تحالف شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك لصالح شركة الكهرباء التنزانية «تانيسكو»، باستثمارات تقترب من 2.9 مليار دولار، فيما تضم محطة التوليد تسع وحدات بطاقة 235 ميجاوات لكل وحدة، وبإجمالي 2115 ميجاوات، إلى جانب بحيرة تخزين تستوعب نحو 34 مليار متر مكعب من المياه. المصدر: المقاولون العرب
ويشمل المشروع السد الرئيسي ومحطة توليد الكهرباء ومحطة ربط بجهد 400 كيلوفولت، فضلًا عن خطوط نقل الطاقة والطرق والأنفاق والكباري والسدود الثانوية، فيما تستهدف منظومته تنظيم تدفقات نهر روفيجي وتوفير المياه للزراعة والصيد طوال العام. تفاصيل المشروع
- لكل قطعة خطة نقل مستقلة
أوضح المهندس محمد زكي، نائب مدير المشروع للأعمال الكهروميكانيكية، أن المعدات الضخمة تصل إلى الموقع في أجزاء متعددة، نتيجة صعوبة نقل التوربين أو رفعه كقطعة واحدة، فيما تُصنع بعض المكونات، من بينها عجلة التوربين، كوحدة كاملة.
وأشار إلى أن التخطيط للنقل بدأ من الموانئ المستخدمة في عمليات الشحن، سواء في دار السلام أو الصين أو دبي، مع حساب أبعاد كل قطعة ووزنها ومدى تحمل الطرق والسكك الحديدية لها.
وذكر أن الفريق رفع كفاءة أجزاء من شبكة السكك الحديدية، ونفذ منصة خاصة لإنزال الشحنات الثقيلة، مع الاستعانة بمركبة نقل معيارية ذاتية الحركة، تتوزع عجلاتها بطريقة تساعد على موازنة وزن الحمولة فوق الأرض.
ولفت إلى أن وجود محطة التوليد في مستوى منخفض مقارنة بالطريق فرض إعداد خطة لنقل وإنزال كل قطعة بصورة منفصلة، إلى جانب خطة خاصة لرفعها وتركيبها.
وأكد أن الخطأ في نقل أي مكون رئيسي يحمل مخاطر كبيرة، لأن تلفه يعني إعادة تصنيعه وانتظار فترة تصل إلى عام، مضيفًا: «ما كانش مسموح يكون فيه غلطة».
وعن حياته في موقع المشروع، أشار إلى أن فريق العمل أمضى سنواته داخل المعسكر، معبرًا عن ذلك بقوله: «كان بيتنا هناك يا فندم، إحنا اللي كنا قاعدين جوه السور، والحيوانات هي اللي بره».
- كوبري جديد لعبور حمولة بـ250 طنًا
قال المهندس أيمن عبده، مدير مشروع سد تنزانيا، إن نقل قبعة أحد التوربينات إلى الضفة الأخرى من نهر روفيجي فرض تصميم كوبري جديد يتحمل وزنًا يصل إلى نحو 250 طنًا.
وأوضح أن وزن القطعة بلغ نحو 180 طنًا، بينما وصل الوزن الإجمالي مع مقطورة النقل والمعدات المصاحبة إلى قرابة 250 طنًا، في حين تتحمل الكباري التقليدية المستخدمة في المنطقة نحو 120 طنًا.
وأضاف أن تنفيذ الكوبري واجه طبيعة جغرافية صعبة، إذ يقع جبل فوق مجرى النهر مباشرة، مع فارق رأسي يصل إلى نحو 50 مترًا، بينما بلغ ارتفاع المنشأ كاملًا نحو 57 مترًا، بما يعادل مبنى من نحو 17 طابقًا.
ولخص المشهد الذي واجه فريقه بقوله: «عايز أعمل كوبري، رقم واحد، وتحته تماسيح»، موضحًا أن إحدى ضفتي النهر تمثل مكانًا تستريح فيه التماسيح وأفراس النهر الخارجة من المياه.
وكشف أن غياب الأرض المستوية أسفل الجبل دفع فريق الطرق والتفجيرات إلى إنشاء منصة خاصة تستوعب المعدات، إلى جانب شق طريقين في قلب الجبل عبر أعمال الحفر والتفجير للوصول إلى المنسوب العلوي.
وذكر أن أقرب نقطة لمراقبة الفيضان كانت تمنح العاملين تحذيرًا قبل وصول المياه بنحو ساعتين، ما فرض إبقاء جميع المعدات المتحركة في حالة استعداد للخروج السريع من المنطقة.
وأشار إلى أن الأوناش البرجية الثابتة احتاجت إلى وسائل حماية خاصة، نتيجة استحالة نقلها خلال مهلة الساعتين، مع استمرار العمل صباحًا ومساءً في الموقع.
ولفت إلى أن الفيضان جرف منصة العمل مرتين، ليعيد الفريق إنشاءها، كما جرف كوبريًا مؤقتًا سابقًا واختفى من نطاق امتد لنحو 50 كيلومترًا، ما دفع المهندسين إلى رفع منسوب الكوبري الدائم تحسبًا للفيضانات.
- المشروع يتغير كل شهر
قالت المهندسة نيرة السيد، مديرة مشروع محطة الربط الكهربائي، إنها وصلت إلى الموقع للمرة الأولى في فبراير 2019، وكان عمرها وقتها 31 عامًا، لتشارك في المشروع منذ تسلم الموقع وبداية الأعمال.
وأضافت أنها شاهدت المكان يتحول يومًا بعد يوم من غابة وجبال إلى مشروع متكامل، موضحة أن شكل الموقع كان يتغير كل شهر مع تقدم التنفيذ.
وأشارت إلى أن سد جوليوس نيريري يضم سبعة مشروعات مترابطة، ما فرض التعامل مع الموردين والتصميمات والتنفيذ في مسارات متزامنة.
وأوضحت أن التصميم استمر مع مراحل العمل المختلفة، إذ كانت طبيعة الموقع ونتائج التنفيذ تفرض تعديلات ومراجعات متواصلة، نتيجة العمل بجوار نهر متقلب وفي بيئة جغرافية معقدة.
وأكدت أن فرق المشروع استعدت مسبقًا لسيناريوهات متعددة، بما يسمح بالتعامل السريع مع المفاجآت، موضحة أن ظهور أي تحدٍ كان يتبعه تنظيم ورشة عمل مباشرة لاختيار الحل المناسب.
وتتولى محطة الربط استقبال الطاقة الكهربائية المولدة من وحدات المشروع ونقلها إلى الشبكة التنزانية، عبر منظومة تعمل بجهد 400 كيلوفولت.
- نحو 2500 عقد مع شركات تنزانية
كشفت المهندسة رحاب يحيى، مديرة العقود بمشروع سد تنزانيا، أن عدد الاتفاقات المبرمة مع المقاولين والشركات التنزانية وصل إلى نحو 2500 عقد.
وأوضحت أن عملها شمل إدارة العقد الرئيسي مع العميل، وعقد الاجتماعات والتفاوض بشأن تفاصيله، إلى جانب التعامل مع العدد الكبير من العقود المرتبطة بالمقاولين المحليين.
وأشارت إلى أن التحالف المصري ركز على تشغيل العمالة المحلية والاستعانة بالشركات التنزانية، بهدف دعم الاقتصاد المحلي ونقل الخبرات إلى العاملين المشاركين في المشروع.
ولفتت إلى أن المهندسين وجهات الإشراف شاركوا خبراتهم مع فرق العمل المحلية، ما انعكس على المستوى المهني للعاملين التنزانيين بين بداية المشروع ونهايته.
ووصفت المشروع بأنه حلم تنزاني يمتد إلى ستينيات القرن الماضي، ارتبط باسم الرئيس جوليوس نيريري، قبل أن يتبنى الرئيس الراحل جون ماجوفولي بدء تنفيذه.
وأكدت أن السد يمثل بالنسبة إلى التنزانيين ما مثله السد العالي للمصريين خلال فترة إنشائه، لما يوفره من طاقة كهربائية ودعم لمسار التنمية.
- مئات الجسات لفهم الأرض
قالت المهندسة رحاب عابدين، مدير إدارة التصميمات الهندسية بمشروع سد تنزانيا، إن صعوبة العمل بدأت من جمع البيانات اللازمة للتصميم، نتيجة وجود الموقع داخل غابة واتساع مساحته واختلاف طبيعة الأرض والمياه الجوفية.
وأضافت أن بدء الجسات والرفع المساحي والمسح الجيولوجي احتاج إلى تجهيزات واسعة للوصول إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها في تصميم منشآت المشروع.
وأوضحت أن المشروعات التقليدية ربما تحتاج إلى 30 أو 40 جسة، بينما اعتمد سد جوليوس نيريري على مئات الجسات، ما أنتج كمية ضخمة من البيانات الخاصة بالتربة والمساحات والمياه الجوفية.
وذكرت أن فريق التصميم كان يراجع هذه البيانات ويتواصل باستمرار مع العاملين في الموقع لطلب اختبارات إضافية أو إعادة فحص النتائج غير المعتادة.
وأشارت إلى أن طبيعة الأرض والخامات المتاحة اختلفت عن المشروعات التي عمل عليها الفريق من قبل، خاصة أن تنفيذ السدود الترابية يحتاج إلى استخدام مواد محلية لصعوبة نقل ملايين الأمتار المكعبة من مناطق بعيدة.
وكشفت أن السدود الترابية احتاجت إلى نحو خمسة ملايين متر مكعب من الخامات الصالحة للإنشاء، ما فرض البحث في عدد كبير من المحاجر واختبار المواد المتاحة واختيار المناسب منها لأعمال الردم.
وأضافت أن السدود الثانوية تسهم في تكوين البحيرة والوصول إلى سعة تخزينية تبلغ 34 مليار متر مكعب، فضلًا عن توفير ارتفاع المياه اللازم لتشغيل وحدات إنتاج الكهرباء بالكفاءة المستهدفة.
- سدود ثانوية لحماية الخزان
قال المهندس أحمد بركات، مدير تنفيذ السدود الثانوية، إن هذه السدود تقع عند النقاط المنخفضة حول البحيرة، وتعمل على الحفاظ على منسوب المياه وتحقيق السعة التخزينية المستهدفة البالغة 34 مليار متر مكعب.
وأوضح أنه تولى مسئولية تنفيذ السد الثانوي رقم واحد باستخدام تقنية الخرسانة المدكوكة بالمداحل نفسها المستخدمة في السد الرئيسي.
وأشار إلى أن هذا السد احتاج إلى نحو 180 ألف متر مكعب من الخرسانة المدكوكة، إلى جانب قرابة 2800 متر مكعب من الخرسانة الخاصة بمنشأة استقبال وتصريف المياه.
ووصف بركات حجم الأعمال بأنه ينتمي إلى مستوى مختلف من المشروعات الهندسية، موضحًا أن الأرقام التي تعامل معها فريق سد جوليوس نيريري غيّرت مقياسه عند مقارنة المشروع بالأعمال التي شارك فيها بعد العودة إلى مصر.