في ذكرى أكتوبر المجيد.. الجمسي يروي كواليس العبور في مذكراته

آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 5:49 م بتوقيت القاهرة

محمود عماد

تمر اليوم الذكرى الـ53 لنصر أكتوبر المجيد، الذي بدأت معاركه يوم السادس من أكتوبر عام 1973م، وهي الحرب التي فتحت الطريق أمام استعادة سيناء، عبر المسار العسكري ثم السياسي الذي تلا المعارك، وصولًا إلى معاهدة السلام التي وقعت بين مصر وإسرائيل.

يبقى يوم السادس من أكتوبر كل عام عيدًا قوميًا لكل المصريين، وهو اليوم الذي يعود فيه كل مصري للاحتفال بعودة أرض سيناء الحبيبة لكل مصري.

ولكن هذه العودة لا تكون فقط لمجرد الاحتفال بنصر عظيم، وإنما من أجل تقصي أحداث الحرب وتجهيزاتها، التي بدأت منذ لحظة الهزيمة في يونيو من عام 1967م.

ولعل معرفة ما مر به القادة والعسكريون خلف الأبواب المغلقة هي ما يجعلنا نقترب أكثر من كواليس العبور العظيم، ومن هنا تحديدًا تنبع أهمية مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي.

المشير الجمسي هو أحد أهم القادة العسكريين الذين شاركوا في حرب أكتوبر، والذي شغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أثناء الحرب، ثم كان أول مفاوض مع الجانب الإسرائيلي في مفاوضات الكيلو 101، ثم رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، وأخيرًا آخر وزير لوزارة الحربية بمسماها القديم.

وهي التجربة العسكرية الطويلة، والمليئة بالمحطات الهامة التي قدمها في مذكراته التي حملت عنوان: «مذكرات المشير الجمسي.. يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973».

تتضمن المذكرات فترة ما قبل الحرب منذ يونيو 1967 وما تلاها، وتسلط الضوء على استعدادات حرب أكتوبر، وإعادة بناء القوات المسلحة، ومرحلة الدفاع والصمود، إلى جانب الدروس المستفادة من حرب يونيو 1967، وأهمية تلك الدروس في وضع الاستراتيجية المصرية لحرب أكتوبر 1973.

ومن خلال مذكراته، يستعرض المشير الجمسي التحديات والعقبات التي واجهها المصريون على المستويات العسكرية والسياسية والحياتية خلال تلك الفترة.

ويتناول الكتاب بشفافية الإيجابيات والسلبيات التي شهدتها الدولة، بالإضافة إلى تأثير الصراع العربي الإسرائيلي على القرارات السياسية والساحة الدولية، بما في ذلك التدخلات الروسية والأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وتزداد أهمية هذه المذكرات إذا وضعنا في الاعتبار موقع صاحبها داخل المؤسسة العسكرية المصرية؛ فالجمسي لم يكن يروي الحرب من موقع المتابع أو المؤرخ الذي جاء بعد الأحداث، وإنما كان حاضرًا في دوائر التخطيط والمتابعة، وهو ما يمنح شهادته قدرة خاصة على الاقتراب من التفاصيل التي سبقت العبور وواكبته وما أعقبه.

ولا يبدأ الجمسي روايته من السادس من أكتوبر مباشرة، وإنما يعود بالقارئ إلى الخلف، متتبعًا محطات الصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب فلسطين عام 1948، ثم العدوان الثلاثي عام 1956، وحرب يونيو 1967، وحرب الاستنزاف، قبل أن يصل إلى الحرب التي تشكل محور مذكراته عام 1973.

ويشير الجمسي في مستهل مذكراته إلى أنه عاصر معظم الحروب العربية الإسرائيلية الرئيسية وشارك في أحداثها، باستثناء حرب فلسطين عام 1948، التي كان وقت اندلاعها خارج مصر في بعثة تدريبية. ومن ثم تأتي شهادته في إطار تجربة عسكرية امتدت لسنوات طويلة، لا باعتبارها تسجيلًا منفصلًا لأيام حرب أكتوبر وحدها.

كما يخصص جانبًا من الكتاب لقراءة طبيعة الصراع نفسه، والعلاقة بين إسرائيل والدول الكبرى، والدور الذي لعبته القوى الدولية في الشرق الأوسط، في محاولة لوضع الحرب داخل سياقها السياسي والعسكري الأوسع.

ومن هنا تبدأ واحدة من أهم مراحل التجربة التي يسجلها الجمسي؛ فالهزيمة في يونيو 1967 لم تكن نهاية المشهد، وإنما كانت بداية لسنوات من إعادة بناء القوات المسلحة، وحرب الاستنزاف، واستعادة الخبرة القتالية، وصولًا إلى الاستعداد لمعركة جديدة.

ويتناول الكتاب تطور الموقف العسكري عقب النكسة، ثم حرب الاستنزاف، وما صاحبها من عمليات واشتباكات أعادت للقوات المسلحة خبرتها القتالية، قبل الانتقال إلى مرحلة التخطيط للحرب المقبلة.

وهنا تظهر طبيعة الجمسي كضابط عمليات، إذ يهتم بالخريطة، وتوزيع القوات، وإمكانات العدو، والتوقيت، وحسابات التحرك، والعلاقة بين القرار السياسي والقدرة العسكرية المتاحة.

لكن قلب المذكرات الحقيقي يظهر عندما يقترب الجمسي من مرحلة التخطيط للمعركة؛ فهنا يصبح القارئ أمام التفاصيل التي سبقت السادس من أكتوبر، وأمام طريقة نظر القيادة المصرية إلى الجبهة وإمكانات القوات والعدو والظروف التي يمكن أن تبدأ فيها الحرب.

ويقدم الكتاب صورة عن المراحل التي مرت بها عملية الإعداد، وكيف درست القيادة المصرية الموقف على الجبهة، وإمكانات القوات المصرية والإسرائيلية، وطبيعة قناة السويس، والتحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، وقواعد استخدام القوات الجوية والمدفعية والمشاة والأسلحة المختلفة.

ويبرز من خلال الصفحات أن اختيار توقيت الحرب كان جزءًا من عملية حساب عسكري واسعة، ارتبطت بعوامل متعددة، من بينها حالة القوات، وظروف القناة، والموقف الإسرائيلي، وطبيعة التنسيق مع الجبهة السورية.

وتكتسب شهادة الجمسي وزنًا خاصًا في هذه النقطة، لأن اسمه ارتبط تاريخيًا بالدراسات العملياتية الخاصة باختيار توقيت الحرب، ضمن عمل هيئة العمليات التي كان يرأسها.

ومع بدء الحرب ينتقل الكتاب من التحضير إلى التنفيذ، فيروي الجمسي تطورات الضربة الجوية والمدفعية، وعبور القوات المصرية قناة السويس، وإقامة رؤوس الكباري على الضفة الشرقية، ثم تطور القتال خلال الأيام التالية.

ويقدم صورة الحرب من زاوية القيادة التي تتابع الجبهة كلها، وليس من موقع وحدة واحدة، ولذلك تظهر أمام القارئ حركة الجيوش والفرق، وتغير الموقف العسكري، ورد الفعل الإسرائيلي، وقرارات القيادة المصرية في ضوء المعلومات التي كانت تصل إليها.

وتكمن أهمية هذه الزاوية في أنها تضع الانتصار العسكري داخل عملية مركبة من التخطيط والتنفيذ والمتابعة واتخاذ القرار، وتوضح كيف تحولت الخطة المكتوبة إلى معركة فعلية على الأرض.

ويحتل عبور قناة السويس وتجاوز خط بارليف مساحة مهمة داخل تجربة حرب أكتوبر، إذ كان اختراق الدفاعات الإسرائيلية شرق القناة أحد أهم التحديات التي واجهت القوات المصرية.

ويعرض الجمسي العمليات في إطار المهمة العسكرية الأكبر، بداية من فتح الثغرات في الساتر الترابي، ومرور القوات، وإقامة الكباري، ثم تثبيت رؤوس الكباري والتعامل مع الهجمات المضادة.

ولا يتعامل الكتاب مع خط بارليف باعتباره مجرد رمز دعائي، بل كجزء من منظومة دفاعية كان تجاوزها يتطلب إعدادًا وتنسيقًا بين أسلحة متعددة.

ومن أكثر مراحل الحرب التي أثارت نقاشًا تاريخيًا وعسكريًا مرحلة تطوير الهجوم شرقًا بعد نجاح العبور. ويتوقف الجمسي عند هذه المرحلة وما ارتبط بها من قرارات واعتبارات عسكرية، خاصة مع تطورات الجبهة السورية والضغوط التي واجهتها، ثم انتقال القوات المصرية إلى عمليات جديدة شرق القناة.

وتفتح هذه الصفحات بابًا مهمًا لفهم النقاش الذي دار داخل القيادة المصرية حول حدود التقدم، ومدى الابتعاد عن مظلة الدفاع الجوي، والعلاقة بين الأهداف العسكرية والموقف السياسي.

وينتقل الكتاب بعد ذلك إلى واحدة من أكثر مراحل الحرب تعقيدًا، وهي ثغرة الدفرسوار وعبور قوات إسرائيلية إلى غرب القناة.

ويعرض الجمسي تطورات الموقف في الأيام الأخيرة من الحرب، ومحاولات التعامل مع القوات الإسرائيلية التي عبرت إلى الغرب، وما صاحب ذلك من قرارات عسكرية وسياسية في ظل تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ومجلس الأمن.

وتكشف هذه الصفحات عن طبيعة الحرب في مرحلتها الأخيرة، حين بدأت العمليات العسكرية ترتبط بصورة متزايدة بالتحركات السياسية الدولية ومساعي وقف إطلاق النار.

ويمتد الكتاب إلى ما بعد وقف إطلاق النار، وهي نقطة شديدة الأهمية في مذكرات الجمسي، لأنه شارك بنفسه في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية التي جرت عند الكيلو 101 على طريق القاهرة–السويس، وهنا ينتقل القارئ من غرفة العمليات إلى طاولة المفاوضات.

كانت المهمة في هذه المرحلة تتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، ومناقشة الأوضاع العسكرية على الأرض، والإمدادات الخاصة بالجيش الثالث، وترتيبات الفصل بين القوات.

ويمنح هذا الجزء الكتاب قيمة إضافية؛ فالجمسي يروي الحرب والمفاوضات بوصفهما مرحلتين متصلتين، ويكشف كيف انتقلت المواجهة من استخدام السلاح إلى استخدام الخرائط والوثائق والاتفاقات.

وتكمن القيمة الأساسية للكتاب في أنه شهادة طرف رئيسي داخل القيادة العسكرية المصرية، لكنه يظل في الوقت نفسه مذكرات شخصية تعكس رؤية صاحبها للأحداث.

ولهذا فإن التعامل التاريخي الدقيق معه يستفيد من مقارنته بشهادات بقية القادة، والوثائق المصرية والإسرائيلية والأمريكية، والدراسات اللاحقة عن الحرب.

واختلاف الروايات في بعض القرارات والتفاصيل يمثل جزءًا من دراسة حرب أكتوبر نفسها، خاصة في موضوعات مثل تطوير الهجوم والثغرة ومسؤوليات القيادة خلال الأيام الأخيرة.

وهذا تحديدًا ما يجعل الكتاب شديد الأهمية؛ فهو يقدم للقارئ واحدة من الروايات الأساسية التي كتبها قائد عاش الأحداث من داخل مركز القيادة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved