مدخرات دفتر التوفير وتورتة عيد الميلاد .. كيف ساهم الأطفال في دعم المجهود الحربي أثناء حرب أكتوبر؟
آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 11:55 ص بتوقيت القاهرة
محمد حسين
نحتفل اليوم بذكرى انتصار 6 أكتوبر المجيد -الصفحة المشرقة من تاريخ مصر الحديث- حينما عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس وحطمت أسطورة خط بارليف الإسرائيلي، وتمحي آثار النكسة التي تعرضت لها في يونيو 1967، وتستعيد الأرض والكرامة.
وبذل الجنود على الجبهة القتال العرق والدم لأجل تحرير الأرض في مشاهد بطولية، ولكن معركة أكتوبر لم تتوقف عن ضربات الطائرات وطلقات المدافع، حيث شارك الشعب المصري جيشه في تلك المعركة بصور تعكس مدى التلاحم والإيمان بأنها معركة المصريين جميعهم. والتي عبّر عنها الكاتب الصحفي محمد توفيق في مقدمة كتابه "شيء من الحرب الكعك والبارود"، بقوله، "الكل شارك في القتال.. 35 مليونًا شاركوا في هذه الحرب: الطبيب، والمهندس، والمحامي، والصحفي، والسياسي، والعامل، والفلاح، والرياضي، والفنان، والميكانيكي؛ العالم والأُمِّي، الطفل والشاب والشيخ، الرجل والمرأة، تلميذ الابتدائي وأستاذ الجامعة... جميعهم صاروا جنودًا في المعركة، وقدموا نماذج مُلهمة لأجيال قادمة".
وبحسب الكتاب، فبينما كان العدو يحاول ترتيب صفوفه التي بعثرتها الجنود المصريون على طول الجبهة، وأجرى بعض التعديلات في قيادته، واستدعى الضباط الذين خدموا عامي 1948 و1956، لعله يسترد جزءًا من خسائره، وبعضًا من كرامته العسكرية، وفي الوقت الذي كان يستدعي فيه العدو جنرالاته المتقاعدين، كان أطفال مصر يتسابقون من أجل دعم الجنود على الجبهة.
-زينب تحمل هداياها للجبهة
ويروي الكتاب من أرشيف الصحافة قصة طفلة تدعى زينب، تبلغ من العمر 10 سنوات، ذهبت إلى جمعية الهلال الأحمر، ولا تحمل في يدها سوى 3 قطع صابون و3 علب سجائر.
وحين سُئلت عن كيف اشترت هذه الهدايا، أجابت: "أبويا حارس عمارة، وأنا بشتغل معاه، ومن ساعة ما قامت الحرب وأنا بشتري الخضار من السوق لكل السكان، وأي حاجة عايزينها بروح أجيبها، عشان آخذ البقشيش، وأشتري بيه هدايا للعساكر على الجبهة".
-طارق.. بضاعة محل الأب هدية للجنود
وبعد أن تبرعت زينب وانصرفت، ظهر من بعيد طفل محمولًا على الأعناق، وظنّ البعض أنها تحية من أقاربه له لإصراره على دعم المجهود الحربي، وحين اقترب الطفل الذي يدعى طارق حسني وعمره 12 عامًا، تعجب المسئولون عن جمع التبرعات من أنه جاء محمّلًا بخمسة راديو ترانزستور من محل يملكه والده، يبلغ قيمة الراديو الواحد 6 جنيهات؛ لكن المفاجأة الكبرى التي لم يتصورها أحد أن الطفل مصاب بالشلل النصفي، وأصر على الحضور بنفسه، وأمام رغبته، وإلحاحه الشديد قرر أقاربه أن يحملوه على أعناقهم؛ ليقدم الهدایا بنفسه.
-مها.. التبرع بتورتة عيد الميلاد
وانصرف طارق، وجاءت مها صلاح الدين التلميذة بمدرسة بورسعيد الخاصة، وقدمت مبلغ جنيهين لصالح المجهود الحربي، وحين سُئلت عن الطريقة التي حصلت بها على المبلغ أجابت: "ده تمن تورتة عيد ميلادي.. أتمنى ياكلوها الجنود على الجبهة".
-المنصورة والإسكندرية.. مدخرات دفتر التوفير
ويتابع الكتاب، "وفي المنصورة شاهدت التلميذة الصغيرة عزة حطام طائرات (الفانتوم) الإسرائيلية أمام مبنى المحافظة، فسارعت إلى بيتها، وحطمت حصالتها واشترت بكل ما فيها حلوى وجاتوهًا وقامت بتوزيعه على الجنود الجرحى.وفي الإسكندرية ذهب 3 أطفال أشقاء إلى مبنى المحافظة، وأصروا على أن يلتقوا المحافظ شخصيًا ليطمئنوا أن تبرعاتهم ستصل إلى الجنود على الجبهة، وقابلهم المحافظ وقدم.. له الأخ الأكبر ثلاثين جنيهًا، وسلم عليه الثاني وأعطاه عشرة جنيهات، أما شقيقهم الأصغر فقدم للمحافظ ثلاثة جنيهات، وقال له: "ياريت تخلي بالك منهم يا عمو... دول فلوس دفتر التوفير". لم يندهش المحافظ مما فعله الأشقاء الثلاثة، لكنه لم يصدق حين أبلغه سكرتيره أن تلاميذ الإسكندرية قرروا التنازل عن وجبة الغداء، وقرروا تخصيصها للمجهود الحربي، ولم يكتفوا بذلك؛ بل قدمت فتيات مدرسة الرمل مصوغاتهن هدية لأبطال النصر.
وفي كفر الشيخ تبرع قرابة عشرة آلاف معلم ومعلمة بأجر يوم لصالح المجهود الحربي، بينما تبرعت مدرسة «كفر عطايا» بالبحيرة بثمن المعروضات من الأشغال الفنية. وقدمت طالبات مدرسة "القلب المقدس" 163 ملاءة سرير، و39 قطعة صوف تريكو للمجهود الحربي، وقامت طالبات وخريجات مدارس فنون التطريز في القاهرة بحياكة وعمل بلوفرات تريكو للجرحى. وأهدى طلاب مدارس القاهرة (دفايات) للجرحى".