من «بسم الله» إلى «أم البطل».. كيف بث الراديو المصري أغاني النصر في أكتوبر 73؟
آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 11:26 ص بتوقيت القاهرة
دينا النجار
من عاش حرب أكتوبر يتذكر صوت الراديو، ومن لم يعشها عرف حكايته من روايات الآباء والأجداد، فكان ذلك الجهاز نافذة المصريين على ما يحدث في سيناء؛ فمنه تابعوا البيانات العسكرية، وانتظروا أخبار أبنائهم على الجبهة، ومنه أيضًا سمعوا الأغاني الوطنية التي رافقت أيام العبور، فتحولت أصوات المذيعين والمطربين إلى جزء من ذاكرة الحرب، انتقلت من جيل إلى آخر.
وبعد ظهر 6 أكتوبر 1973، قطعت الإذاعة المصرية برامجها المعتادة، وأذاعت البيان العسكري الأول الذي أعلن بدء عمليات القوات المصرية، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الراديو ينقل أخبار المعركة فقط، بل أصبح منصة لأغاني النصر التي خرجت تباعًا من الاستوديوهات؛ بعضها كُتب ولُحن خلال ساعات، وبعضها كان موجودًا قبل الحرب ثم اكتسب معنى جديدًا بعدها.
«بسم الله».. أغنية وُلدت من هتافات العبور
في مساء السادس من أكتوبر، بدأ الملحن بليغ حمدي والشاعر عبد الرحيم منصور إعداد أغنية «بسم الله.. الله أكبر» داخل مبنى الإذاعة المصرية، مستلهمين هتافات التكبير التي ملأت الشوارع بعد الإعلان عن العبور، وخلال ساعات، اكتملت الأغنية وسُجلت بأداء مجموعة من المطربين، لتُذاع في اليوم التالي، وتصبح من أشهر الأعمال التي التصقت بذاكرة النصر، وبفضل كلماتها البسيطة وإيقاعها الحماسي، تحولت سريعًا إلى أغنية يرددها المصريون في الشوارع والميادين.
١
وتشير بعض الإحصاءات الفنية إلى تسجيل عشرات الأغاني المرتبطة بحرب أكتوبر خلال فترة قصيرة، بينما حصرها المؤرخ الفني أشرف غريب في 77 أغنية خلال نحو 20 يومًا.
من البيان العسكري إلى الأغنية الوطنية
مع استمرار المعارك، بدأت الأغاني الوطنية تتوالى، لتعبر كل واحدة منها عن جانب من الحالة العامة التي عاشها المصريون، فإلى جانب البيانات العسكرية وأخبار الجبهة، حضرت الأغنية الوطنية باعتبارها وسيلة للتعبير عن الفخر بالجنود، والاحتفاء بالعبور، واستعادة الثقة بعد سنوات من آثار نكسة يونيو 1967.
وكانت أغنية «على الربابة بغني»، التي عُرفت أيضًا بمطلعها «حلوة بلادي السمرا بلادي»، من أوائل الأغنيات أيضا التي بثت احتفالًا بأكتوبر، غنتها وردة الجزائرية، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي، وجاءت كلماتها احتفالا بالنصر.
وذكرت وردة موقفًا لا يُنسى خلال إعداد الأغنية، فمع اندلاع حرب أكتوبر 1973 وأخبار العبور، سارع بليغ حمدي إلى تقديم عمل غنائي يعبر عن فرحة المصريين، فتوجه إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون برفقة وردة والشاعر عبدالرحيم منصور، لكن الإجراءات الأمنية حالت دون دخولهم.
وأصر بليغ على مقابلة المسؤولين في الإذاعة، مؤكدًا رغبته في تقديم أغاني للمصريين خلال الحرب، وبعد تدخل المسؤولين، سُمح له بالدخول، لكنه أُبلغ بعدم وجود ميزانية لإنتاج أغنيات جديدة بسبب ظروف الحرب. عندها تعهد بليغ بتحمل تكاليف العمل، بما في ذلك أجور الكلمات والفرقة الموسيقية، ولكن الجميع رفضوا تقاضي أي أجر.
الحرب تشعل حماس كتاب الأغنية الوطنية
مع مرور أيام الحرب، اتسعت حركة تسجيل الأغاني الوطنية داخل الإذاعة المصرية، وظهرت أعمال جديدة لعدد من المطربين، وأشعلت الحرب حماس كتاب هذه النوعية من الأغاني وملحنيها، فحملت الكلمات مشاعر الفخر بالعبور، والاحتفاء بالجنود، والتعبير عن حالة الفرح التي بدأت تنتشر في الشارع المصري.
ومن بين هذه الأعمال أغنية «عبرنا الهزيمة» لشادية، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي، و«سمينا وعدينا» لشهرزاد، من كلمات علي الجعار وألحان عبد العظيم محمد، إلى جانب «دولا مين» لسعاد حسني، من كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان كمال الطويل، والتي جاءت في صيغة تحية شعبية للجنود، واستعادت حضورهم في الوجدان المصري، بينما عكست الأغاني الأخرى مشاعر الانتصار والفرح التي صاحبت العبور.
عبد الحليم حافظ.. «عاش اللي قال»
رغم ظروفه الصحية، واصل عبد الحليم حضوره الفني، وقدم عددًا من الأغاني الوطنية التي ارتبطت بذاكرة نصر أكتوبر، ليصبح صوته أحد الأصوات الأساسية التي يستعيدها المصريون في ذكرى الحرب، ومن أبرز تلك الأعمال أغنية «عاش اللي قال»، من كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي، وهي الأغنية التي حملت مشاعر الفخر باستعادة الأرض والكرامة.
كما قدم عبد الحليم بعدها «صباح الخير يا سينا»، من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان كمال الطويل، إلى جانب «لفي البلاد يا صبية»، من كلمات محسن الخياط وألحان محمد الموجي، و«قومي يا مصر»، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي.
«رايحين شايلين في إيدنا سلاح».. أغنية سبقت الحرب
ارتبطت بعض أغاني بأكتوبر بالحرب، ومن أشهر الأمثلة أغنية «رايحين شايلين في إيدنا سلاح»، من كلمات نبيلة قنديل وألحان علي إسماعيل، والتي ارتبطت في الأصل بفيلم «العصفور» للمخرج يوسف شاهين، ومع اندلاع الحرب، عادت الأغنية إلى الواجهة، واكتسبت كلماتها معنى جديدًا في ظل أجواء التعبئة والاحتفال بالنصر؛ فتحولت من أغنية سبقت الحدث إلى عمل فني التصق في الذاكرة بصور الجنود والاستعداد للمعركة.
«أم البطل».. قصة إنسانية في ذاكرة النصر
وإلى جانب أغاني الفخر والاحتفال، ظهرت أعمال حملت جانبًا إنسانيًا، ومن أبرزها: أغنية «أم البطل» التي غنتها شريفة فاضل، بعد استشهاد نجلها الملازم أول الطيار سيد السيد بدير، في 23 سبتمبر 1973 قبل أيام من الحرب، وهي من كلمات نبيلة قنديل وألحان علي إسماعيل.
وبحسب الرواية المتداولة عن كواليس الأغنية، طلبت من صديقتها الشاعرة نبيلة قنديل أن تكتب لها عملًا عن «أم البطل»، وخلال التسجيل، غلبت الدموع صوت الأم أكثر من مرة، قبل أن تساعدها الفنانة فايزة أحمد على التماسك واستكمال الأداء، لتصبح الأغنية شهادة إنسانية عن أمهات فقدن أبناءهن، وعن الوجه الآخر للحرب الذي لا يظهر في البيانات العسكرية أو مشاهد الاحتفال.
الشوارع تتحول إلى راديو كبير
مع كل بيان عسكري، كان الصمت يخيم على البيوت والشوارع، بينما تتجمع الأسر والمارة حول أجهزة الراديو؛ لمتابعة أحدث أخبار الحرب، وفي عدد من الشوارع والمقاهي والأحياء، كان الناس يستمعون إلى البيانات والأغاني عبر أجهزة الراديو ومكبرات الصوت، حتى بدت الشوارع امتداد للراديو والإذاعة المصرية.
وبعد البيان، كانت الأغاني تعود إلى المشهد، فتتجدد معها حالة الاحتفال، وتتحول كلماتها إلى هتافات يرددها الناس في الشوارع والميادين. وهكذا لم تكن أغاني أكتوبر مجرد فواصل بين البيانات العسكرية، بل أصبحت صوتًا آخر للحرب؛ ينقل إلى البيوت والشوارع مشاعر المصريين تجاه ما يحدث، ويكشف جانبًا من المعركة لم يكن على الجبهة وحدها.