دكتور خالد فهمى يقارن بين: الباشا والرئيس.. محمد على وجمال عبد الناصر (2)

آخر تحديث: الأربعاء 7 يناير 2015 - 1:04 م بتوقيت القاهرة

- الباشا أراد التحرر من السلطان ومكائد البلاد فقضى على المماليك واستدعى أقاربه ليعاونوه فى الحكم

- بعد ورطة «نفارينو» وتحطم الأسطول المصرى قرر الباشا تأسيس شرعية جديدة لنفسه بالسيف

- يظل عبدالناصر صاحب رؤية ومبادئ سامية ألهبت مشاعر الملايين

- على عكس عبدالناصر الذى كان شعاره «ارفع رأسك يا أخى».. لم يدر فى خلد محمد على أبدا أن المصريين يستحقون احترامه

كان محمد على مدركا لهذه المشاكل وكان مهموما بوضع حد لمركزه غير الواضح وغير المستقر فى مصر. وبالتالى كان شاغله الأول ليس وضع أسس دولة حديثة كما تذهب الرواية الشائعة بل العمل على تحويل مركزه الهش فى مصر الذى كان يعتمد على رغبات السلطان ومكائد البلاط إلى حقائق قانونية جديدة. ولم يدخر الباشا وسعا لتحقيق هذا الأمل، فقضى على المماليك الذين كانوا يناوؤنه فى الحكم، واستجلب إلى مصر أولاده وأقاربه ومعارفه القدامى من قومه حتى يشكل منهم حاشية وطبقة وسطى تعينه على حكم مصر وعلى تثبيت أقدامه فيها. كما عمل على استمالة أفراد الحاشية السلطانية فى الآستانة من وزراء وكبار ضباط وأعضاء البيت العثمانى نفسه. وجاء على رأس محاولاته توطيد دعائم حكمه فى مصر إنشاؤه جيشا حديثا مبنيا على تجنيد الفلاحين يستطيع به الذود عن مصر والدفاع عن مركزه فيها بالقوة إن استدعت الضرورة.

أما الباب العالى فقد انزعج من هذا الوالى المجهول ذى النشاط غير المحدود. فمن ناحية أعجب الباب العالى بنجاح محمد على فى القضاء على المماليك، الأمر الذى حاولت الآستانة أن تحققه مرارا وفشلت فيه المرة تلو الأخرى. ولكن فى نفس الوقت امتعضت الآستانة من أن تلك الحركة الجريئة لم تعن بسط سيطرتها على مصر. وزاد من حيرة الآستانة تجاه محمد على أنه كان يقوم بالكثير مما كانت ترغب فيه، فقد دأب على إرسال الجزية السنوية للباب العالى، وامتنع عن صك أية نقود باسمه مستخدما فقط العملة المتداولة فى الدولة العثمانية، وكان خطباء المساجد فى مصر يدعون للسلطان العثمانى وليس له. وإضافة إلى ذلك فعندما فرغ من أول مشروع كبير للبنية التحتية وهو شق ترعة تربط الإسكندرية بالنيل أطلق عليها «ترعة المحمودية» تيمنا بالسلطان محمود الثانى. ولكن فى نفس الوقت كان الباب العالى يشك فى نوايا هذا الوالى الذى دأب على القيام بتلك الخطوات بمبادرة ذاتية منه دون انتظار للتعليمات والأوامر من اسطنبول.

ومما لا شك فيه أنه كلما طال له البقاء فى مصر كلما زاد إحساسه بالأمان فيها وكلما تقلصت فرص الباب العالى فى التخلص منه. ولكن وبالرغم من هذا الشعور بالاطمئنان فلم يستطع محمد على أن يتخلص نهائيا من صلته بالدولة العثمانية. فإدراكه أنه، أولا وقبل كل شىء، وال عثمانى يستمد شرعيته من فرمان التولية الذى كان يتجدد سنويا حتم عليه أن يطيع الأوامر التى كانت تصله من عاصمة الدولة وأن يشير إلى نفسه فى مكاتباته إلى الباب العالى بـ«الخادم المطيع للدولة العلية».

وجاءت لحظة التحول المحورية فى علاقته بالسلطان فى منتصف فترة ولايته بالضبط، فعندما شرع فى تكوين جيش حديث سرعان ما أن طلب منه السلطان مرة أخرى أن يمده بالعون فى نزاعه مع الثوار اليونانيين، وبعد تردد قصير قام محمد على بإرسال سبعة عشر ألف جندى من الجنود المدربين حديثا إلى شبه جزيرة المورة جنوبى اليونان. وبعد بعض الانتصارات دارت الدائرة على الباشا وحلت كارثة نفارينو فى يوم ٢٠ أكتوبر ١٨٢٧ عندما حاصرت سفن الأساطيل الفرنسية والبريطانية والروسية الأسطولين المصرى والعثمانى مما أدى إلى غرق كل سفن الأسطول المصرى أو تحطمها. والجدير بالذكر أن تلك لم تكن نقطة تحول فى علاقة محمد على بأوربا بل بالسلطان، فقد أدرك محمد على أن هزيمته فى نفارينو كانت نتيجة للطريقة التى أدار بها الباب العالى الحرب، وأن تورطه فى حروب السلطان يعود عليه بخسارة أكبر من أى مكسب يناله بإظهار علامات الولاء والطاعة للباب العالى. لذلك عقد العزم على ألا يساعد السلطان فى حروبه المستقبلية، بل بدأت تختمر فى ذهنه فكرة تأسيس شرعية جديدة لنفسه بالسيف. ولمدة ثلاث سنوات عقب كارثة نفارينو أخذ محمد على فى تضميد جراحه أولا استعدادا لأهم عمل يستطيع به أن يرسخ من دعائم حكمه فى مصر: غزو الشام. وبالفعل فى حمله بحرية وبرية خاطفة فى ديسمبر ١٨٣١ استطاع الجيش الجديد الذى أسسه قبل ذلك بعشر سنوات فقط من أن يغزو الشام، تلك الولاية التى كان يحتمل أن تشن منها الآستانة حملة عليه.

وتشير كل الدلائل إلى أن الغرض الرئيسى من غزو الشام كان تأمين الحدود الشمالية لولايته والدفاع عن مركز حكمه ضد أى هجوم محتمل قد تقوم به الآستانة لانتزاعه من مصر بالقوة. وكان على رأس الجيش الذى قام بتلك الحملة ابنه القائد الفذ إبراهيم باشا، وساعده فى تلك الحملة عباس باشا الذى قاد السوارى (أى سلاح الخيالة) إضافة إلى إبراهيم باشا يكن (ابن أخت محمد على) الذى قاد البيادة (أى سلاح المشاة). وجاءت انتصارات إبراهيم المتلاحقة وإبادته لثلاثة جيوش جمعها العثمانيون لصد هذا الخطر الآتى من داخل الدولة العثمانية نفسها، جاءت الانتصارات كمفاجأة ليس فقط للعثمانيين وللأوربيين الذين انزعجوا مما تشكله تلك الانتصارات من أخطار على استقرار الدولة العثمانية، بل أيضا لمحمد على نفسه، فهو لم يكن مستعدا لهذا الزحف السريع ووجد نفسه وقد وصلت قواته لمشارف عاصمة السلطنة، وهو ليس مستعدا بمسودة معاهدة أو حتى أفكار عامة عما يمكن أن يطالب به. وبمعنى آخر فقد سبقت الأحداث فكره وتدل مكاتباته لإبراهيم وللباب العالى وللقناصل الأوربيين فى تلك الفترة (١٨٣٢-١٨٣٣) على أنه لم يكن لديه أفكار واضحة عن كيفية ترجمة هذه الانتصارات المذهلة إلى واقع سياسى ودبلوماسى جديد.

وزاد من تعقيد الأمور أن العثمانيين، وقد أدركوا حجم الكارثة المحدقة بهم وأن دولتهم على شفى الانهيار، سارعوا فى طلب العون من البريطانيين. وقد كانت تلك المرة الأولى فى تاريخ الدولة العثمانية الطويل التى يطلب فيها السلطان من القوى الأوربية التدخل لتسوية نزاع داخلى بينه وبين أحد الولاة المارقين. وبعد أن خذل البريطانيون السلطان ورفضوا إرسال الأسطول البريطانى لنجدته تحول السلطان للروس طالبا العون. وسرعان ما أن أدرك الروس أن عليهم أن يقتنصوا تلك الفرصة الذهبية للتدخل فى شئون الدولة العثمانية، وبالفعل سرعان ما رسا الأسطول الروسى أمام عاصمة الخلافة.

ولم تسفر المفاوضات التى جرت بين السلطان والباشا بواسطة الروس والفرنسيين إلى حل نهائى للأزمة بينهما بل تمخضت عن هدنة عسكرية عرفت باسم «اتفاق كوتاهية»، حصل محمد على بموجبها على كل من مصر والحجاز وكريت، أما إبراهيم فقد عينه السلطان واليا على الولايات الشامية كلها بالإضافة إلى إعطائه منصب محصل إقليم أضنه جنوبى الأناضول. وبالرغم من تلك المكتسبات فإنها كانت خاضعة للتجديد السنوى من قِبل الآستانة وبالتالى ظل محمد على عرضة لدسائس العاصمة ومكائدها.

واستمرت حالة الـ«لا حرب ولا سلم» هذه مدة ست سنوات حتى اندلعت الحرب بين الطرفين مجددا عام ١٨٣٩. ومرة أخرى أثبت إبراهيم باشا عبقريته العسكرية وأوقع هزيمة ثقيلة بالجيش العثمانى فى موقعة نصيبين (يونيو ١٨٣٩). وازداد موقف محمد على قوة بعد وفاة السلطان محمود فجأة قبل أن تصله أنباء الهزيمة. ثم زاد الطين بلة أن أبحر أحمد فوزى باشا، القبوطان باشا (قائد الأسطول)، بالأسطول العثمانى برمته وقدمه هدية لمحمد على. وبالتالى فقدت الدولة العثمانية سلطانها وجيشها وأسطولها فى ظرف اسابيع قليلة وبدا وكأن السلطان الشاب، عبدالمجيد، لن يتمكن من التصدى لمحمد على الذى أثبت أنه شكل بالفعل أخطر تهديد للدولة العلية على مدار تاريخها الطويل. وفى اللحظة التى ظن فيها محمد على أنه قد نال مأربه وأنه سيستطيع أن ينتزع من السلطان الجديد اعترافا بالواقع الجديد التى أنشأته جيوشه المنتصرة ظهر مجددا خسرو باشا عدو محمد على اللدود وقلد نفسه صدرا أعظم أثناء جنازة السلطان محمود وبالتالى تولى هو وليس السلطان عبدالمجيد مهمة المفاوضات مع محمد على. وارتكانا على موقف أوربى موحد رأى فى توسعات محمد على تهديدا لكيان الدولة العثمانية وبالتالى تهديدا للسلم والأمن الأوربيين أرسل خسرو لمحمد على إنذارا بسحب قواته من المناطق التى توسع فيها.

ونظرا لأن أوربا رأت أن استفحال النزاع بين القاهرة والآستانة لم يعد أمرا داخليا بل أصبح أمرا عالميا فقد عقد بالمرستون مؤتمرا فى لندن عام ١٨٤٠ أرسل بمقتضاه مجموعة من الإنذارات لمحمد على لكى يسحب قواته ويعيد الأسطول العثمانى للسلطان. وقد نصت تلك الإنذارات أنه إذا وافق محمد على على سحب قواته من كريت والشام والحجاز فإن السلطان سيعترف به واليا على مصر لمدة حياته وسيقوم بتوريث هذه الولاية لمحمد على من بعد وفاته. وبعد بعض التردد أدرك محمد على أن ذلك هو ما كان يسعى إليه منذ اللحظة التى وطأت فيها قدماه أرض مصر: أن يتملك مصر وأن يورّث ذريته تلك البقعة الغنية والمميزة من الدولة العثمانية. وفى العام التالى قام السلطان عبدالمجيد بإرسال فرمان الوراثة الشهير الذى ثبته على حكم مصر مع إقرار حقوق الوراثة لنسله وأعقابه، وقد جاء فيه «قد صممنا على تثبيتكم فى الحكومة المصرية المبينة حدودها فى الخريطة المرسلة إليكم من لدن صدرنا الأعظم ومنحناكم فضلا على ذلك ولاية مصر بطرق التوارث».

وإذا أخذنا فى الاعتبار أن محمد على كان قد وفد على مصر قبل ذلك بأربعين عاما من منطقة نائية من الدولة العثمانية وهو بعد شاب فقير لا صلة له بتلك الأرض الجديدة عليه، وأنه كان عليه مواجهة الكثير من الخصوم والمنافسين فى مصر وفى الآستانة حتى يستقر له الأمر، وأن ما نجح فى تحقيقه كان أمرا غير مسبوق، فلم يستطع أى وال فى تاريخ الدولة العثمانية أن يورّث ولايته لأولاده ونسله، إذا أخذنا كل ذلك فى الاعتبار لأدركنا أهمية ما نجح محمد على فى تحقيقه. ففرمان 1841 يعتبر قمة نجاح محمد على وليس دليلا على انهزام مشروعه. وقد عاش السنوات المتبقية من عمره مستمتعا بهذا الإنجاز غير المسبوق ومصمما على العمل لكى يزيد من إنتاجية تلك الولاية التى كان يعتبرها دوما مصدر نعمته.

وبعد هذا العرض الموجز لتاريخ محمد على فى مصر بوضعه فى إطاره العثمانى الصحيح يمكن لنا أن نعيد عقد المقارنة بينه وبين جمال عبدالناصر، حيث ستتبدى فورا عشرة اختلافات تفصل بينهما.

•••

فأولا، بينما يمكن اعتبار جمال عبدالناصر زعيما وطنيا مصريا، بل الزعيم الوطنى المصرى بألف لام التعريف، فالوطنية لا تصلح مطلقا كأداة تحليل يمكن بها فهم طبيعة حكم محمد على. فكما هو معروف لم تظهر الوطنية كتيار فكرى إلا فى أواخر القرن التاسع عشر. إضافة إلى ذلك فإن صراعات الباشا غلب عليها الطابع الأسرى كما أنه لم يبذل حتى أى جهد لتصوير صراعاته على أن المقصود منها رفعة المصريين والنهوض بهم. وفى حين أن عبدالناصر كانت لديه بالفعل رؤية ما عن تاريخ مصر وعن دوره فى هذا التاريخ، فإن دوافع محمد على كانت شخصية وأسرية فى المقام الأول، فمصر بالنسبة له كانت ضيعة كبيرة تدر عليه دخلا مكنه من زيادة سطوته ومركزه، وكان المصريون فى نظره الأداة التى يمكن بها زيادة ريع هذه الضيعة، لذا وجب المحافظة عليهم. وبمعنى آخر وعلى عكس عبدالناصر الذى كان شعار «ارفع رأسك يا أخى» من أهم شعاراته، لم يدر فى خلد محمد على أبدا أن المصريين يستحقون احترامه أو حتى مجرد التظاهر بذلك.

ثانيا، ومقارنة بالضربة القاضية التى تلقاها مشروع عبدالناصر عام ١٩٦٧ فإن عام ١٨٤١ يمثل قمة نجاح محمد على وتتويجا لجهوده فى أن ينتزع من السلطان اعترافا بوضعه القانونى الجديد وأن يؤكد هذا الاعتراف بحماية دولية وفرتها له القوى الأوربية.

ثالثا، بينما يمثل العدوان الثلاثى مؤامرة كلاسيكية قل نظيرها فى العالم المعاصر عندما تآمرت القوى الاستعمارية على التخلص من أحد زعماء العالم الثالث عقابا له على مواقفه المعادية للاستعمار، فإن كارثة نفارينو كانت نتيجة غير مقصودة لتحالف القوى الأوربية لمساعدة شعب قابع تحت الاحتلال الأجنبى (الشعب اليونانى). وإضافة إلى ذلك، بينما أظهرت حرب السويس عام ١٩٥٦ لعبدالناصر وجه الإمبريالية القبيح، كانت موقعة نفارينو مرحلة مفصلية فى علاقة محمد على مع السلطان العثمانى وليس مع القوى الإمبريالية الأوربية كما سبق أيضاحه.

رابعا، إذا كان السبب وراء معاداة بريطانيا لعبدالناصر، ذلك العداء الذى أخذ بعدا شخصيا فى شخص أنطونى إيدن، بسبب مناوأة عبدالناصر لمطامع بريطانيا الاستعمارية فى المنطقة، فإن عداءها لمحمد على قبل ذلك بقرن من الزمان، ذلك العداء الذى تمثل فى شخص بالمرستون، كان سببه حروب محمد على التوسعية والإمبريالية. فيجب هنا التأكيد على أن كراهية بالمرستون الشديدة لمحمد على لم تكن نابعة من إدراكه للمخاطر التى كانت فاوريقات الباشا تمثلها للصناعات البريطانية، بل كان سببها سياسة الاحتكار التى اتبعها الباشا، إذ أدرك بالمرستون أن سياسة الاحتكار تلك تسمح للباشا من أن يحول الفائض من القطاعين الزراعى والتجارى إلى القطاع العسكرى وبالتالى مكنته من بناء جيش وأسطول مرهوبى الجانب استخدمهما للتوسع خارج مصر على حساب الدولة العثمانية. وقد أدى ذلك التوسع إلى تهديد دعائم الدولة العثمانية وطرح فكرة بقائها أصلا للتساؤل. وليس معنى ذلك أن بريطانيا لم تكن بعدائها لمحمد على تحاول الدفاع عن مصالحها الاستعمارية، بل يعنى أن تلك المحاولات كانت موجهة ضد قوة توسعية عسكرية إمبريالية نابعة من داخل الدولة العثمانية ولم تكن موجهة لقوى وطنية لها عمق شعبى مثلما كان الحال بالنسبة لعبدالناصر (أيا كان حكمنا على طبيعة هذا العمق الشعبى).

خامسا، فى حين يمكن القول إن هزيمة إسرائيل لعبدالناصر كانت نابعة (إلى حد ما) من عدم إدراكه لطبيعة الصهيونية ولإصراره على النظر إليها على أنها من ذيل ذيول الاستعمار، فإن محمد على كان على دراية تامة بطبيعة غريمه، أى الدولة العثمانية، وتحديدا لطبيعة خسرو باشا عدوه اللدود الذى كان له الدور الأكبر فى مناوأته فى عاصمة السلطنة وفى تزعم معسكر قوى هناك يرفض مطالبه ويشوه صورته لدى السلطان ورجال البلاط.

سادسا، فإن مما لا شك فيه أن عبدالناصر كان شخصية كاريزماتية وأنه استطاع أن يتواصل مع الجماهير وأن يعبئ المئات من المثقفين حتى يشكلوا وعى جيل بأكمله، وأن يبدو للملايين من المصريين كالـ«ريس» الذى يطمأنون لتسليم مقاليد حياتهم كلها له. وقد وصلت درجة هذا الاطمئنان والتماهى مع الـ«ريس» حدا غير معقول فى مظاهرات التنحى الشهيرة يومى ٩ و١٠يونيو عام ١٩٦٧ فى أعقاب الكارثة المروعة التى حلت بالجيش والتى أدت، كما بين شريف يونس ببراعة فى كتابه، الزحف المقدس، إلى أن تخرج الملايين إلى الشوارع مطالبة الـ«ريس»، المسئول الأول عن هذه الكارثة، لا بالرحيل أو حتى بمحاكمته على تلك المصيبة بل بالعدول عن قرار التنحى. وعندما مات الـ«ريس» بعد ذلك بثلاث سنوات سار أربعة ملايين من البشر فى جنازة مهيبة قل مثيلها فى العالم.

وعلى العكس من ذلك، فإن سياسات محمد على، وإن راقت للكثير من المصريين فى فترات لاحقة لأسباب معقدة لا مجال للخوض فيها هنا، إلا أنها لم تلق أى قبول لدى المصريين المعاصرين له الذين رأوا فيه حاكما مستبدا وصل جبروته واستبداده حدا لم يصله أى من الولاة العثمانيين السابقين. وبالتالى فعندما مات بعد فترة حكم امتدت لنصف قرن ذاق المصريون خلالها أنواعا عديدة من العذاب والهوان والذل لم يمش فى جنازته سوى حفنة من القناصل الأجانب بينما أحجم المصريون عن المشاركة فيها. أما الآلاف من المصريين الذين يزورون كل سنة المسجد المهيب الذى شيده فى القلعة يكادون لا يعبأون بأنه مدفون هناك وقليلون منهم يشعرون بأى أثر له قد يكون تركه على حياتهم.

سابعا، فى حين أن المشروع الناصرى قد واجه بالفعل مشاكل هيكيلية قبل ١٩٦٧ نتج عنها عدم استكمال الخطة الخمسية الأولى، وبالرغم من أنه يمكن اعتبار ١٩٦٧ كعام وفاة المشروع الناصرى (يعتقد البعض أن عبدالناصر توفى بالفعل عام ١٩٦٧ وأنه لم يدفن إلا فى عام ١٩٧٠، أما البعض الآخر فيعتقد أن عبدالناصر لم يمت أصلا بل إنه ما زال حيا يرزق)، إلا أنه يجب عدم الاستهانة بالدور الذى لعبه خليفة عبدالناصر، السادات، فى دق المسامير فى نعش الناصرية. فما يطلق عليها «ثورة التصحيح» كانت فى الحقيقة «انقلاب قصر» أطاح بأتباع عبدالناصر وزبانيته عن مركز صنع القرار؛ وسياسة الانفتاح لم تكن أكثر من تحطيم لما سمى بقرارات الستينيات الاشتراكية؛ أما زيارة السادات للقدس عام ١٩٧٧ فكانت تحولا جذريا فى سياسة مصر الخارجية وكأن السادات أراد القول إن ذلك ما كان يجب على عبدالناصر أن يفعله فى أعقاب هزيمة يونيو.

وبالمقارنة بالسادات فإن عباس باشا، حفيد محمد على وخليفته (عادة ما تهمل فترة حكم إبراهيم باشا التى لم تتعد الشهور القليلة) وبرغم كل الانتقادات التى توجه إليه عادة، لم يكن خائنا لتركة سلفه. إن الصورة القاتمة التى يظهر بها عباس عادة فى الخطاب التاريخى المصرى الحديث نتيجة مباشرة لافتراض أن جده كان صاحب مشروع تنويرى وأن عبقرية محمد على تقاس عادة بمدى التخلف الذى كانت البلاد تعانى منه عند قدومه، من جانب، وأن من أسباب فشل مشروعه، من جانب آخر، هو عدم مواصلة أتباعه لجهوده فى الإصلاح والتنوير. على أنه قد يكون من الأصوب النظر لعباس على أنه كان متزعما جبهة داخل البيت الخديوى الحاكم رأت أن ذلك «الإصلاح» يسير بوتيرة أسرع من قدرة المجتمع على تحملها، وأن الفلاحين وبسطاء الناس هم الذين يدفعون ثمن ذلك التسرع فى سياسات «الإصلاح». ولكن إذا اعتبرنا أن مقصد محمد على الرئيسى كان دائما تثبيت حكمه فى مصر وتوريثه لنسله وأعقابه من بعده فإن عباس سيظهر حتما كالغيور على تركة جده وكالمدافع عن مشروعه، ذلك أن عباس كان حريصا على ألا ينتقص الباب العالى من الاستقلال الذى كرسه محمد على لأسرته، ونجح عباس إلى قدر كبير فى مناوأة السلطان عندما أراد ذلك الأخير مثلا أن يتنزع من والى مصر حق إعدام القتلة الذين ارتكبوا جرائمهم فى مصر، فقد اعتبر عباس أن تنفيذ حكم الإعدام فى حق القتلة من أهم مظاهر السيادة، ورفض بشدة أن يتنازل للسلطان عن ذلك الحق الذى ورثه عن جده. وهناك دلائل أخرى على أن عباس كان مقدرا لجهود محمد على الناجحة فى إنشاء حكم أسرى فى مصر وأنه واصل تلك الجهود بنجاح.

ثامنا، كان عبدالناصر من أهم أنصار الطبقة الوسطى، وحققت السياسات التى اتبعها من تعليم مجانى وإصلاح زراعى وتوظيف مضمون فى الحكومة والقطاع العام مكاسب مهمة لتلك الطبقة مكنته ومكنت ضباط الثورة من أن يحيّدوا ويسترضوا أهم قطاع من قطاعات هذه الطبقة، أى المثقفين الذين أخذوا يمجدون فى«الثورة» وفى «إنجازاتها». أما محمد على، فكما كتب الشيخ الإمام محمد عبده فى مجلة المنار بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لتوليه الحكم، فقد قضى على الطبقة الوسطى «وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم فى البلاد.. حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يبق فى البلاد إلا آلات له يستعملها فى جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أى وجه فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأى وعزيمة واسقلال نفس ليصير البلاد المصرية جميعها إقطاعا واحدا له ولأولاده على أثر اقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة».

تاسعا، وبناء على ما سبق، يمكن طرح وجه اختلاف مهم يرتبط بالسؤال الذى يدور فى خلد أى متابع لهاتين التجربتين المتميزتين: هل كانت نتيجة هاتين التجربتين حتمية؟ وأظن أن اللحظة التى يجب طرح هذا السؤال بخصوصها فى تجربة عبدالناصر هى لحظة ١٩٥٤ عندما كان ما زال بالإمكان عودة العسكر لثكناتهم وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، أما وقد آثر العسكر التمسك بالحكم والتضحية بالديمقراطية بادعاء المحافظة على الـ«مكاسب الثورية» فقد استوجب ذلك التمسك بشرعية العسكر على حساب شرعية دستورية والانخراط فى تلك السياسات غير المدروسة التى كانت تدغدغ مشاعر الجماهير إلى أن وصل الحال بتلك الجماهير تسير وراء «ريسها» فى زحف مقدس إلى الهاوية، كما بين شريف يونس بجدارة.

وإذا طرحنا هذا السؤال بخصوص محمد على فإن اللحظة المماثلة ستكون عام ١٨٠٥ عندما سنحت له فرصة تأسيس مرجعية شعبية تكون مصدرا لشرعيته. أما وقد آثر محمد على التخلص من الزعامة الشعبية والارتكان على الشرعية التى كان يمثلها الفرمان الآتى من الآستانة فقد استلزم ذلك أن يأتى بأقاربه وبمعارفه وأن يقلدهم المناصب العليا مستعيضا بهم عن الطبقة الوسطى المحلية حتى يثبت حكمه فى مصر وأن يورثه لنسله وأعقابه.

ونقطة الاختلاف هنا بين المشروعين تكمن فى أن عبدالناصر كان بوسعه أن يحقق مشروعه فى مصر حتى لو كان قد أقام نظاما ديمقراطيا سليما، وأغلب الظن أنه لو تم ذلك بالفعل لكان بوسعه أن يظل مستأثرا بالحكم ومنفذا لطموحاته ولكن فى إطار برلمانى مثله فى ذلك مثل أتاتورك فى تركيا. وعلى العكس من ذلك فإن الخيارات المتاحة أمام محمد على عام ١٨٠٥ لم تكن خيارات حقيقية، فنظرا لطبيعة مشروعه المتمثل فى تأسيس حكم أسرى فى مصر كان استجلاب الأهل والأصدقاء وتقليدهم المناصب العليا فى إدارته الجديدة السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف، بل كان ذلك هدفا ووسيلة فى نفس الوقت، وبالتالى لم يكن لمحمد على من بد سوى القضاء على الزعامة الشعبية حتى ينفذ مشروعه فى مصر.

عاشرا وأخيرا، نظرا لهزيمة عبدالناصر فى عام ١٩٦٧ ينظر له عادة كبطل من أبطال التراجيديا الإغريقية، بطل كان يواجه بدائل كلها سوداوية ولكنه ثبت على ما اعتقد أنه الحق وعانى من تبعات ذلك القرار المر. فبالنسبة للبعض يظل عبدالناصر صاحب رؤية ومبادئ سامية ألهبت مشاعر الملايين من المصريين والعرب وألهمتهم. وبالنسبة للبعض الآخر فإن تلك المبادئ السامية ما كان يجب لها أن تتخذ ذريعة للانتقاص من الحقوق السياسية للمصريين، الأمر الذى رأى فيه الكثيرون خطأ فادحا بل قاتلا. أيا كان الأمر، فالكثيرون سيجمعون على أن جمال عبدالناصر مات محسورا وظلت أحلامه ورؤاة المتعلقة بمصر مجرد أحلام ورؤى.

أما محمد على فقد كان سياسيا ماكرا ومحنكا، وكان، قبل كل شىء، رجل دولة ناجحا. فبالرغم من أصوله المتواضعة فقد تمكن من الاستئثار بحكم واحدة من أهم وأغنى الولايات العثمانية، وبعد مرور حوالى نصف قرن على قدومه لمصر كمغامر صغير فى مقتبل العمر تمكن من تحقيق ما لم يتمكن أى وال سابق من تحقيقه، ألا وهو تحويل ولايته لولاية دائمة مدى حياته ثم وراثية بعد وفاته. ومما لا شك فيه أنه عند وفاته وقد تجاوز الثمانين كان رجلا سعيدا ممتنا لما حباه به القدر من العز والجاه وبما استطاع أن يحققه طوال حياته الطويلة. وتحقيقا لآماله حكمت ذريته بالفعل مصر لمدة قرن كامل حتى أتى عبدالناصر بانقلابه الذى خلعهم به من الحكم.

اقرأ الحلقة الأولى من هنا:

دكتور خالد فهمى يقارن بين: الباشا والرئيس.. محمد على وجمال عبد الناصر (1)

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved