أكوام القمامة تحاصر محافظة الجيزة

آخر تحديث: الخميس 7 مايو 2026 - 7:16 م بتوقيت القاهرة

تحقيق - يارا صابر

- أسوار المدارس والنوادى والمنشآت الحكومية تتحول إلى مقالب.. وشكاوى من انتشار «النباشين»
- المحافظة تعلن عن «خطط متكاملة» لتطوير المنظومة.. ومواطنون: ندفع الرسوم مرتين والقمامة لا تختفى
- مصدر بالمحافظة: الميزانية الحالية 67 مليون جنيه سنويا ونحتاج 500 مليون جنيه.. و28 شركة فقط تعمل بمنظومة الجمع السكنى
- نائب: غياب الرؤية وراء تفاقم الأزمة.. والمحافظ يوجه بتشديد الرقابة على الشركات وفسخ التعاقد مع المقصرين

 

لم يمنع انتقال ديوان محافظة الجيزة إلى حى العجوزة انتشار أكوام القمامة فى هذا الحى الذى كان يوما أحد الواجهات السياحية للمحافظة، فأسوار النوادى والمدارس والمستشفيات والمصالح الحكومية تحولت إلى مقار دائمة للنباشين، الذين يبحثون عن أرزاقهم بين القمامة المتكدسة، ويتخذون من الأرصفة مأوى ومكانا للإقامة.
لا يختلف المشهد أمام سور نادى الزمالك المواجه لمبنى المحافظة عنه أمام نادى الترسانة المجاور، ويتكرر بتفاصيله ذاتها أمام مدارس يوسف السباعى وتوفيق الحكيم وسيد الشهداء، بشارع أحمد عرابى القريب من ديوان المحافظة.
القبح نفسه يطارد المواطنين فى معظم أحياء المحافظة التى رفعت يوما شعار «الجيزة محافظة نظيفة»، قبل أن تتحول، بفعل تراكم الإهمال والتراخى على مدار سنوات طويلة، إلى مناطق طاردة للسكان، بعدما هجر كثير من قاطنى أحيائها - التى كانت تُصنف بالراقية - منازلهم واتجهوا إلى «الكومباوندات» فى المدن الجديدة، حيث تتولى شركات خاصة مسئولية النظافة وتؤدى مهامها بانتظام.
وتعكس مشاهد أكوام القمامة والنباشين المنتشرة فى أنحاء المحافظة فجوة واضحة بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض.
فبينما تتحدث المحافظة عن «خطط متكاملة» لتطوير منظومة النظافة، تكشف الجولات الميدانية عن أكوام مخلفات تحاصر شوارع رئيسية ومناطق حيوية، وأسوار المدارس والمنشآت الحكومية والنوادى، لتتحول الأزمة من مجرد خلل خدمى إلى مشهد دائم يهدد المظهر الحضارى والصحة العامة.


وخلال جولة ميدانية بعدد من شوارع أحياء الجيزة، لم تكن أكوام القمامة وحدها هى المشهد اللافت، بل محاولات الأهالى المستمرة للتعامل معها.
أمام أحد العقارات بشارع إبراهيم البعثى المتفرع من شارع أحمد عرابى يقف شاب ينقل المخلفات بعيدا عن مدخل منزله، بينما تمر سيدة تغطى أنفها هربا من الروائح الكريهة، فيما يتنقل النباشون بين أكوام القمامة المتناثرة أمام سور مدرسة يوسف السباعى.
ويقول أحد سكان الشارع أنهم توجهوا بعشرات الشكاوى للمسئولين فى الحى والمحافظة لحل أزمة القمامة المتراكمة، لكن دون جدوى، متعجبا من إهمال الأزمة رغم تأثيرها صحيا ليس على سكان الحى فقط بل على آلاف تلاميذ مدارس يوسف السباعى وطه حسين وسيد الشهداء وغيرها من المدارس المنتشرة بالشارع.
ويبدى ساكن آخر تخوفه من انتشار «النباشين» الذين يتخذون من أسوار المدارس بالشارع مقرا للإقامة، ويمارسون فيها كل ما يخالف القانون من تعاطى المخدرات إلى غيرها من الجرائم.
وفى منطقة إمبابة، قال هيثم علوى، أحد السكان، إن مستوى النظافة وصل إلى حد الكارثة، مشيرًا إلى أن القمامة قد تبقى فى الشوارع أيامًا وأحيانًا أسابيع، ما يدفع بعض الأهالى إلى حرقها للتخلص منها.
وأضاف لـ«الشروق»، أن عدد صناديق القمامة شبه منعدم، إذ تخدم بضعة صناديق متهالكة عشرات العقارات، لافتًا إلى وجود تفاوت واضح فى مستوى النظافة بين مناطق المحافظة.
وأوضح أنه يدفع شهريًا مبالغ تصل إلى 100 جنيه أو أكثر لجهات مختلفة مقابل جمع القمامة وتنظيف محيط العقار، لكن دون الحصول على خدمة حقيقية.
كما أشار إلى تفاقم أزمة «النباشين»، الذين يقومون بتفريغ أكياس القمامة بحثًا عن المواد القابلة للبيع، ما يؤدى إلى انتشار المخلفات بشكل أكبر.
وفى منطقة فيصل، وصفت آمال حمدى، الوضع بأنه سيئ للغاية، رغم رفع القمامة بشكل شبه يومي، موضحة أن المشكلة الأساسية تكمن فى عدم كفاية صناديق القمامة مقارنة بالكثافة السكانية، إضافة إلى انتشار النباشين دون رقابة.
وقالت لـ«الشروق»، إن دوريات النباشين أصبحت منظمة، مجموعة صباحًا وأخرى ليلًا، دون أى تدخل من الجهات المعنية، مؤكدة أن المواطنين لا يشعرون بوجود خدمة نظافة حقيقية رغم الرسوم التى يتم تحصيلها منهم.
أما فى الهرم، فقالت علياء محمد إن الوضع «مزر»، مع تراكم القمامة لأيام وعودة التكدسات سريعًا بعد رفعها، مشيرة إلى أن شارعًا بحجم كعبيش لا يضم سوى نقطتى تجميع فقط، رغم الكثافة السكانية المرتفعة.
وأضافت أنها تدفع مقابل خدمة جمع القمامة من المنزل، لكنها ترى أن العمال الرسميين لا يؤدون دورهم بالشكل المطلوب، مؤكدة أن النباشين أحد الأسباب الرئيسية فى تفاقم الأزمة.


من جهته، قال مصدر مسئول بمحافظة الجيزة، إن المحافظة تعمل وفق خطة متكاملة تشمل رفع كفاءة منظومة الجمع والنقل، وزيادة عدد الورديات، ودعم الأحياء بالمعدات والعمالة، إلى جانب التوسع فى إنشاء نقاط تجميع وسيطة.
وأضاف المصدر، أن عدد شركات الجمع السكنى المتعاقدة مع المحافظة يبلغ 28 شركة تعمل فى الأحياء المختلفة، بجانب التعاون مع جمعيات أهلية بالمراكز والقرى، موضحًا أن التعاقدات تتم وفق طبيعة كل قطاع وحجم المخلفات لضمان تقديم أفضل خدمة ممكنة.
ورغم ذلك، أقر المصدر بأن المنظومة تحتاج إلى نحو 500 مليون جنيه سنويًا لتحقيق الكفاءة المطلوبة، فى حين لا تتجاوز الميزانية الحالية 67 مليون جنيه، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة المنظومة الحالية على تلبية الاحتياجات الفعلية للمحافظة.
وأشار إلى أن المحافظة تجرى تقييمًا دوريًا للشركات من خلال لجان ميدانية وتقارير يومية تشمل مستوى النظافة والالتزام بالجداول الزمنية وسرعة الاستجابة للشكاوى، مؤكدًا توقيع جزاءات وصلت إلى فسخ تعاقدات مع بعض الشركات بسبب التقصير.
بدوره، وصف إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، أزمة القمامة فى الجيزة بأنها «فشل إدارى واضح»، معتبرًا أن المشكلة لا ترتبط فقط بنقص الإمكانيات، بل بغياب خطة واضحة لإدارة الملف.
وقال منصور لـ«الشروق»، إن القمامة تنتشر فى معظم شوارع الجيزة، بما فى ذلك الشوارع الرئيسية مثل عرابى وفيصل والهرم، مؤكدًا أن البرلمان ناقش الملف مرات عدة دون الوصول إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أنه تقدم بطلب إحاطة بشأن تدهور مستوى النظافة فى محافظة الجيزة، خاصة فى منطقتى العمرانية والطالبية، لكنه لا يزال بانتظار مناقشته، متابعًا: «لا توجد رؤية واضحة، ولا نعرف هل الاتجاه للجمع السكنى أم صناديق الشوارع أم نظام التمركز».
وأشار إلى أن الأزمة تمتد أيضًا إلى غياب الشفافية، موضحًا أن رسوم النظافة التى يتم تحصليها عبر فواتير الكهرباء لا يتم توريدها للمحافظة، وإنما تذهب لصالح وزارة الكهرباء.
وأكد أن الواقع على الأرض يكشف حجم الأزمة دون الحاجة إلى تقارير، محملًا الجهات المتعاقدة المسئولية الكاملة عن تراجع مستوى الخدمة.
وكان أحمد الأنصارى، محافظ الجيزة، قد كلف فى وقت سابق، هيئة النظافة بتخصيص عمالة ومعدات إضافية لمنطقة المنيب لدعم جهود رفع كفاءة النظافة، مؤكدًا رفضه استمرار أى مظاهر تقصير فى مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما وجه بسرعة إصلاح المعدات المعطلة، مع التشديد على توقيع غرامات على شركات النظافة غير الملتزمة ببنود التعاقد، واتخاذ إجراءات تصل إلى فسخ التعاقد مع الشركات المقصرة.
وأعلن المحافظ بدء تطبيق منظومة النظافة الجديدة فى قطاع هضبة الأهرام، فى إطار خطة تستهدف تحسين مستوى الخدمات والاستجابة لشكاوى المواطنين.
وأوضح أن إطلاق المنظومة يأتى كأولى نتائج أعمال اللجنة المشكلة للتعامل مع ملفات منطقة حدائق الأهرام وفق جدول زمنى محدد، يستهدف الاستجابة لشكاوى المواطنين وتحقيق تحسن ملموس فى مستوى الخدمات.
وتكشف شهادات المواطنين عن وجود منظومة مزدوجة لإدارة القمامة؛ إحداهما رسمية تعتمد على الشركات المتعاقدة مع المحافظة، وأخرى غير رسمية تشمل حراس العقارات ومتعهدى الجمع الفرديين.
وفى كثير من الأحيان، يجد المواطن نفسه مضطرًا للدفع للطرفين معًا، دون الحصول على خدمة متكاملة، ما يعكس غياب التنظيم والرقابة الفعالة.
وبين تصريحات المسئولين عن خطط التطوير، وانتقادات البرلمان، وشكاوى المواطنين اليومية، تبقى الجيزة نموذجًا لأزمة لا تعانى من نقص الحلول، بقدر ما تعانى من ضعف التنفيذ وغياب الإدارة الحاسمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved