رحلات فى ثلاث صحراوات.. ملحمة جغرافية تكشف الهوية المصرية وسحر المكان

آخر تحديث: الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:56 م بتوقيت القاهرة

مى فهمى

تتجاوز الكتابة الجغرافية التقليدية فى حبرها الجاف وحدود خرائطها الصماء حين يقرر الأكاديمى أن يخلع عباءة القاعات المغلقة ليخوض المغامرات على أرض الواقع، وهذا ما فعله الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة، فى أحدث إصداراته «رحلات فى ثلاث صحراوات» الصادر عن دار الشروق، ليمثل الجزء الثانى المكمل لمشروعه الطموح «جغرافيا مصر» الذى دشنه قبل عامين بكتابه المهم «صوت المكان».

ينطلق المؤلف فى كتابه من فرضية جغرافية وتاريخية عميقة تفيد بأن أرض مصر فى جوهرها ليست ثلاث صحراوات منفصلة، بل هى صحراء كبرى واحدة ممتدة وجاء الاستثناء الفريد فى هذه اللوحة فهو نهر النيل؛ ذلك الشريان العظيم والمشتبك الأعظم الذى شق طريقه مخترقًا هذه الكتلة الصماء من الجنوب إلى الشمال، حاملًا معه الطين والمياه ليصنع خط الحياة، وتولد على ضفافه أقدم حضارات البشرية.

ومن هنا، يطرح الكتاب رؤية متكاملة تشير إلى أن مصر هى حصيلة تفاعل دقيق وثلاثى الأبعاد يجمع بين النيل، والصحراء، والجيولوجيا، إلى جانب الموقع الجغرافى الفريد والدور المحورى للإنسان المصر، وعليه، ينفتح الكتاب على قراءات علمية متجددة ترى أن مصر، بقدر ما هى هبة النيل، فهى أيضًا هبة الصحراء باعتبارها البيئة الكبرى الأولى، أو هبة الجيولوجيا نظرًا للثروات المعدنية الهائلة والممرات التجارية التى وفرتها الصحراء الشرقية.

حرص المؤلف فى كتابه على تحقيق معادلة صعبة قوامها تلبية احتياجات المتخصصين وامتاع القارئ العام، وذلك من خلال تقديم النص الجغرافى بأسلوب سهل بعيدًا عن التعقيد الأكاديمى الجاف عبر السرد الأدبى الشيق والمعالجة الثقافية، إلى جانب الاعتماد على المعايشة الميدانية وتجارب ثلاثة عقود من الترحال المدعومة بأحدث الخرائط وبيانات صور الأقمار الصناعية لعام 2026، فضلًا عن التوازن العلمى الذى تضمن نحو 25% من المعلومات الأكاديمية والمصطلحات الجغرافية البحتة بينما خُصصت النسبة الباقية لمتعة السرد والثقافة العامة.

جاء الكتاب مقسمًا فى فصول محكمة البناء لتغطية جغرافية الصحارى المصرية، حيث تبدأ الرحلة من سيناء باعتبارها مسرح الحروب والجغرافيا المقدسة، إذ لا يقف المؤلف عند حدود تضاريس الطبيعة الناتجة عن حركات التصدع، بل يغوص فى الجغرافيا المقدسة والموروث الدينى والأسطوري، مكشفًا عن عمق المكان كمسرح دائم للحروب ومستشهدًا بإحصاء الضابط البريطانى جارفيس بك لوقوع نحو 45 حربًا على أرض سيناء منذ العصر الفرعونى وحتى الحديث، وتأتى الزيارات الميدانية للمؤلف لتمنح النص نبضًا واقعيًا.

وتنتقل الرحلة إلى الصحراء الشرقية عبر فصول تعكس خبرة الكاتب التى تعود لسنوات تحضيره للدكتوراه، حيث يتتبع التحليل الصحفى تطور أسماء المدن مثل تحول مدينة السويس من أسمائها الفرعونية إلى كليزما عند الرومان ثم القلزم فى العصر الإسلامى وصولًا لاسمها الحالي، مع تسليط الضوء على الجماعات المحلية والقبائل كالعبابدة والبشارية رابطًا بين الذاكرة الإنسانية والجغرافيا، وفى الصحراء الغربية تمتزج لغة الأرقام والخرائط بملامح الحياة اليومية لتصوير كيف يتفاعل الإنسان بوعى مع البيئة الصحراوية القاسية.

اختتم المؤلف عمله بمساحة نقدية وأدبية رفيعة المستوى لتقاطع الجغرافيا مع الفنون تحت عنوان من أدب الصحراء، لتمثل نافذة تيسر على المثقف تذوق المعرفة الجغرافية بلا تعقيد عبر تتبع حضور الصحراء فى السينما والأغانى والأمثال الشعبية، مستنتجًا أن الصحراء ليست عائقًا جغرافيًا جامدًا بل هى ملهمة للإبداع الإنسانى وصانعة للوجدان.

لم يكن الكتاب مجرد كلمات على ورق، بل عززه الكاتب بكم هائل ومدروس من الخرائط المحدثة والصور الفوتوجرافية الميدانية الأصلية للمناطق التى زارها وبيانات الأقمار الصناعية الحديثة، مما يجعل القارئ شريك فى الرحلة يرى بعينيه ما يصفه القلم. لقد نجح الدكتور عاطف معتمد فى تقديم جغرافيا ثقافية تنبض بالحياة تزاوج بين دقة الأكاديمى وسلاسة الأديب وعمق الصحفى الميدانى الذى يشم رائحة التراب ويعايش البشر، ليمنح القارئ واحة معرفية غنية تؤكد أن فهم الهوية المصرية يبدأ حتمًا من فهم صحرائها التى ما زالت تبوح بأسرارها لمن يستطيع السير فى دروبها بوعى وحب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved