مساعد وزير التعليم لـ«الشروق»: مناهج البكالوريا تمنح الطالب مساحة زمنية أكثر اتزانا للتعلم والفهم والمراجعة

آخر تحديث: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:43 م بتوقيت القاهرة

حوار ــ نيفين أشرف:

المنهج الجديد لا يزيد العبء الدراسى.. ولكن ينقله من الحفظ الأصم إلى الفهم النشط

فرض التاريخ فى جميع مسارات البكالوريا يعزز وعى الطالب بوطنه وتاريخه

التقييمات الشهرية للأول والثانى الابتدائى أداة لتحسين التعلم وليست امتحانا تقليديا

المنهج الجيد يخضع لمراجعة مستمرة وتعديلات تدريجية.. والشكوى من ضخامة المناهج تستحق الاستماع والفحص العلمي

قال أكرم حسن، مساعد وزير التربية والتعليم للمبادرات الرئاسية وتطوير المناهج، إن العام الدراسى الجديد سيشهد تطبيق مناهج البكالوريا على طلاب الصف الثانى الثانوى، والتى ستعمل على تخفيف العبء النفسى والمعرفى عن الطلاب وأولياء الأمور، وتمنح الطالب مساحة زمنية أكثر اتزانًا للتعلم والفهم والمراجعة.

وفى حواره لـ«الشروق» رد حسن، على الشكاوى المتكررة سنويا من ضخامة المناهج فى السنوات الدراسية المختلفة، وكشف عن سبب تغيير مناهج العلوم والرياضيات هذا العام، وإقرار امتحانات شهرية للصفين الأول الثانى الابتدائي، وإلى نص الحوار:

< هل فلسفة بناء المناهج فى نظام البكالوريا ستشكل عبئًا فى التحصيل، خاصة مع بدء ظهور الشكاوى من صعوبة المنهج فى بعض المواد؟

ــ لا شك أن توزيع المناهج الدراسية على عامى شهادة البكالوريا المصرية يمثل خطوة مهمة فى تخفيف العبء النفسى والمعرفى عن الطلاب وأولياء الأمور، ويمنح الطالب مساحة زمنية أكثر اتزانًا للتعلم والفهم والمراجعة، بدلًا من تركيز قدر كبير من المحتوى والاختبارات فى إطار زمنى ضيق.

فلسفة البكالوريا المصرية لا تستهدف زيادة صعوبة التعلم، وإنما تستهدف تغيير طبيعة التعلم نفسه، فالمناهج الحديثة لا تُبنى على أساس أن يكتسب الطالب أكبر قدر ممكن من المعلومات والمعارف ليقوم بحفظها واستدعائها فى الامتحان، وإنما على أساس أن يمتلك الطالب المعرفة الأساسية التى تمكنه من الفهم والتفسير والتحليل والاستنتاج والنقد واتخاذ القرار وتوظيف المعلومات فى مواقف جديدة.

فالطالب فى منظومة البكالوريا لا يُطلب منه أن يتذكر معلومة بمعزل عن سياقها، بقدر ما يطلب منه أن يفهمها، وأن يستطيع استخدامها فى تفسير ظاهرة، أو تحليل مشكلة، أو قراءة جدول أو رسم بيانى، أو تفسير بيانات، أو المقارنة بين بدائل، أو بناء استنتاج قائم على الأدلة.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال إلى هذا النوع من المناهج قد يبدو فى بدايته مختلفًا للطالب والمعلم، لكنه لا يعنى بالضرورة زيادة العبء الدراسى، بل يعنى إعادة توزيع العبء وتحويله من الحفظ الأصم إلى الفهم النشط.

< ما الهدف من فرض مادة التاريخ على جميع المسارات؟

ــ وجود التاريخ المصرى ضمن المواد المشتركة بين جميع المسارات له أهمية كبيرة؛ فالتعليم لا يقتصر دوره على إعداد الطالب للجامعة أو سوق العمل، وإنما يمتد إلى بناء شخصيته، وتكوين وعيه، وترسيخ انتمائه، وتعريفه بالمجتمع الذى يعيش فيه وبالتجربة التاريخية التى شكلت وطنه.

ومن خلال دراسة التاريخ المصرى بصورة حديثة، يتعرف الطالب على مراحل بناء الدولة، وإسهامات المصريين فى الحضارة الإنسانية، والتحديات التى واجهت الوطن، وكيف تعامل المجتمع والدولة معها، وكيف تطورت مؤسسات الدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد.
والأهم أن التاريخ يساعد الطالب على إدراك أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، وإنما هو تجربة مشتركة وذاكرة جمعية ومسيرة ممتدة من الأجيال.

< لدينا مسار جديد تمامًا هو إدارة الأعمال، بمواد جديدة، هما المحاسبة وإدارة الأعمال، ما المستهدف من هاتين المادتين؟

ــ استحداث مسار إدارة الأعمال يمثل قراءة واعية للتحولات التى يشهدها العالم فى طبيعة الاقتصاد والعمل، والعالم يتجه بصورة متسارعة نحو اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار وريادة الأعمال والبيانات والإدارة الرشيدة، وأصبح فهم آليات العمل الاقتصادى وإدارة الموارد واتخاذ القرار المالى والإدارى من المهارات الأساسية للإنسان، وليس فقط للمتخصصين فى كليات التجارة وإدارة الأعمال.

ومن هنا تأتى أهمية استحداث مسار إدارة الأعمال بما يقدمه من مواد جديدة، وفى مقدمتها المحاسبة وإدارة الأعمال.

والطالب من خلال المحاسبة يتعلم كيف يقرأ المعلومات المالية، ويفهم الإيرادات والمصروفات والأصول والالتزامات، ويحلل النتائج، ويدرك العلاقة بين الموارد والإنفاق والعائد، أما إدارة الأعمال فتمثل انتقالًا من فهم الأرقام والموارد إلى فهم كيفية إدارة هذه الموارد وتوظيفها لتحقيق أهداف محددة.

< لماذا عدلت الوزارة مناهج العلوم والرياضيات رغم تغييرها العام الماضى؟

ــ القول بضرورة مرور عدة سنوات على المنهج المطور قبل الحكم عليه يستند إلى أن المنهج ليس كتابا دراسيا يحكم عليه بمجرد الاطلاع الأول وإنما منظومة تعليمية.

ومن غير العلم أن يتم تغيير منهج كل عام لمجرد ظهور بعض الملاحظات لأن الموضوع يحتاج إلى بيانات عن تعلم الطلاب ونواتج هذا التعلم وأداء المعلمين وملائمة المحتوى وأثر المنهج فى بناء المهارات والقيم، ولكن فى المقابل فان تحويل هذه القاعدة إلى مبرر لتجميد المنهج عدة سنوات مهما تغيرت الظروف هو أيضا موقف غير تربوى وغير علمي.

ونحن نعيش عصرا تختلف طبيعته جذريا عن العقود السابقة، فالمعرفة لم تعد مستقرة بالمعدل نفسه والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى يؤديان إلى تشكيل طبيعة عملية التعلم والتعليم.

كما تتغير المهارات المطلوبة وطرائق الوصول إلى المعرفة ومصادر المعلومات واحتياجات المجتمع وسوق العمل ولذلك فان انتظار خمس أو 10 سنوات حتى نبدأ التفكير فى تطوير المنهج قد يعنى أن المدرسة تحاول أعداد الطالب للمستقبل بأدوات صممت لعالم مضى.

لذلك، التغيير المستمر ليس هو نفسه التطوير المستمر، والمنهج الجيد ينبغى أن يخضع لمراجعة مستمرة قائمة على الأدلة، مع إجراء تعديلات تدريجية كلما استدعى ذلك، وإجراء مراجعة شاملة فى فترات زمنية مناسبة.

< لماذا الاتجاه للتعاون مع اليابان تحديدا لتطوير مناهج العلوم والرياضيات؟

ــ الاتجاه إلى التعاون مع الجانب اليابانى فى تطوير مناهج العلوم والرياضيات لا يستند إلى مجرد الرغبة فى الاستفادة من تجربة تعليمية أجنبية، بل اليابان تمتلك تجربة طويلة ومتراكمة فى بناء تعليم قوى فى العلوم والرياضيات، يجمع بين إتقان المفاهيم الأساسية وتنمية التفكير وحل المشكلات.

والمناهج اليابانية الحديثة لا تنظر إلى العلوم والرياضيات باعتبارهما مجموعة من الحقائق والقوانين التى ينبغى للطالب حفظها، وإنما باعتبارهما أدوات لفهم العالم والتفكير فيه والتعامل مع مشكلاته.

وتقوم على بناء معرفة علمية ورياضية راسخة، مع الاهتمام بالمفاهيم الأساسية والعلاقات بينها، وتؤكد على التعلم الذى يكون فيه الطالب نشطًا، ومتفاعلًا مع الآخرين، وعميق الفهم، وليس مجرد متلقٍ للمعلومة، وتنتقل من مجرد امتلاك المعرفة إلى القدرة على توظيفها فى التفكير والتحليل وحل المشكلات والتفسير والاستدلال واتخاذ القرار.
ومن أهم ملامح التوجه اليابانى أن تعلم العلوم يرتبط بالملاحظة والتجريب والتنبؤ وبناء التفسير العلمى وحل المشكلات.

< لماذا سيتم عقد تقييمات شهرية لطلاب الصفين الأول والثانى الابتدائي، وهل بذلك سنثقل على التلاميذ؟

ــ من المهم فى البداية تصحيح المفهوم: ما يُجرى للأطفال فى الصفين الأول والثانى الابتدائى لا ينبغى النظر إليه باعتباره امتحانا بالمعنى التقليدى للكلمة، وإنما باعتباره جزءا من منظومة التقويم التربوى المستمر التى تستهدف متابعة نواتج التعلم وتقدم الطفل بصورة منتظمة.

التقويم الحديث يطرح سؤالًا: أين وصل الطفل فى رحلة تعلمه؟ وما الذى أتقنه؟ وما الذى لم يتقنه بعد؟ وما الذى ينبغى أن نفعله لمساعدته على التقدم؟ التقويم فى التعليم الحديث ليس غاية فى ذاته، وإنما هو أداة لتحسين التعلم.

وهنا نطرح سؤالًا: لماذا نحتاج إلى التقويم المبكر والمتكرر؟ لأن السنوات الأولى من التعليم هى مرحلة تأسيسية شديدة الأهمية؛ ففيها تتكون اللبنات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب والفهم والتواصل والتعلم، ولذلك فإن اكتشاف أى فجوة فى التعلم فى وقت مبكر أكثر فائدة بكثير من اكتشافها بعد مرور عام أو عامين.
فإذا أظهرت عملية التقويم أن طفلًا لم يتقن مهارة معينة فى القراءة، أو يواجه صعوبة فى فهم مفهوم رياضى أساسي، فإن الهدف ليس أن نقول إن الطفل «ضعيف»، وإنما أن نكتشف ذلك مبكرًا حتى يحصل على التدخل والدعم المناسبين قبل أن تتراكم الفجوة وتصبح أكثر صعوبة فى العلاج، وهنا يتحول التقويم من أداة للحكم على الطفل إلى أداة لحماية مسيرة تعلمه.

< طول المناهج وضخامتها، شكوى متكررة كل عام من الطلاب والمعلمين، كيف تتعامل الوزارة مع هذه الشكوى؟

ــ الشكوى من «طول المناهج» أو «ضخامتها» تتكرر مع بداية كل عام دراسى، وهى شكوى تستحق الاستماع إليها والفحص العلمى، لكن التعامل معها يجب أن يتم وفق معايير تربوية موضوعية، وليس بناءً على الانطباع العام أو عدد صفحات الكتاب.

فالسؤال الصحيح ليس: كم صفحة فى الكتاب؟ وإنما هل حجم المحتوى ونواتج التعلم المستهدفة يتناسبان مع الزمن التعليمى المتاح فعلًا لتنفيذ المنهج؟

وهنا تجدر الإشارة إلى أن خطة تصميم المنهج الحديثة لا تبدأ بتحديد محتوى الكتاب وعدد صفحاته ثم البحث بعد ذلك عن وقت لتدريسه، وإنما تسير فى الاتجاه العكسى تقريبا؛ حيث تبدأ بتحديد نواتج التعلم المستهدفة، ثم تحديد المحتوى والخبرات التعليمية اللازمة لتحقيقها، ثم تقدير الزمن التعليمى الذى يحتاجه الطالب لتحقيق هذه النواتج.

وعند بناء أى منهج دراسى، هناك عنصران مهمان للغاية يجب مراعاتهما وهما: نواتج التعلم والمعارف والمفاهيم والقيم التى ينبغى أن يكتسبها الطالب فى نهاية المرحلة، الوقت الذى يحتاجه الطالب لكى يحقق هذه النواتج، وهذا الزمن لا يُخصص للتدريس المباشر للمحتوى فقط، وإنما يجب أن يتضمن مختلف مراحل العملية التعليمية
بعد تحديد الزمن اللازم لتنفيذ نواتج التعلم، تتم مواءمته مع عدد الأسابيع الفعلية للفصل الدراسى، يتم تحديد عدد الأسابيع التعليمية الفعلية فى كل فصل، ثم تحديد عدد الساعات المتاحة للمادة خلال هذه الفترة، بعد ذلك توزع الساعات على الوحدات والموضوعات وفق وزنها وأهميتها وصعوبتها، وليس بصورة متساوية بالضرورة، ثم تتحول هذه الساعات إلى حصص دراسية موزعة على أيام الأسبوع وفق الخطة الزمنية للمدرسة.

لذلك نؤكد أن الزمن عنصر أصيل فى هندسة المنهج، وليس أمرًا يُترك للمصادفة بعد الانتهاء من تأليف الكتاب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved