بعد عرض فيلمه في فنيسيا.. المخرج أحمد حسونة لـ«الشروق»: توقفت عن التصوير بعد استشهاد أخي لكن أدركت أن التوثيق واجبا
آخر تحديث: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 3:17 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
جلس المخرج الفلسطيني أحمد حسونة يتابع مقاطع الفيديو المُصورة له من داخل قاعة السينما، حيث تتوالى ردود الفعل عقب عرض فيلمه "المواطن أسامة"، الجميع متأثر، وتصفيق حار امتد إلى دقائق، وبينما هو داخل خيمته بقطاع غزة، قفز فيلمه خارج الحدود متحديا حصار الاحتلال، وخرج إلى النور في الدورة 83 من مهرجان فينسيا السينمائي الدولي.
يحمل فيلم "المواطن أسامة" حكاية إنسانية من قلب الحرب على قطاع غزة، حيث يتتبع الفيلم التسجيلي حياة الصحفي الفلسطيني "أسامة العشي"، على مدار عام كامل، من لحظة ميلاد طفله، إلى عيد ميلاده الأول، وننتقل داخل الحكاية من الرجل الذي ينقل لنا الأخبار داخل القطاع إلى أب يحاول تأمين احتياجات زوجته والرضيع في ظل القصف والنزوح، بالتوازي مع مواصلة عمله الصحفي في ظروف شديدة الخطورة.
وفي حوار لجريدة الشروق يروي المخرج أحمد حسونة كواليس خروج فيلمه إلى النور رغم كل الصعوبات التي أحاطت به..
- لماذا اخترت أن يكون بطل فيلمك صحفيًا؟
الفكرة الأساسية في الفيلم هي أن نُظهر ما يحدث في غزة من خلال عين صحفي، وأسامة العشي يمثل نموذجًا لمعاناة الصحفي الفلسطيني، خصوصًا خلال الحرب. اخترنا أسامة تحديدًا لأنه صحفي يتحرك في مختلف أنحاء شمال مدينة غزة، ولذلك فهو يمر بالكثير من تفاصيل ومعاناة أهالي المدينة، هنا يتم استهداف منزل، وهنا تنزح عائلات الحي، وفي مكان آخر يبحث الناس عن الطعام، وهو نفسه يعيش هذه المعاناة ويكون جزءًا منها.
الصحفي في غزة لم يكن مجرد شخص ينقل الأخبار، بل يعيش الحرب نفسها ويعاني مثل بقية الناس، وأسامة عانى من الجوع ونقص الطعام والمياه، وكان يبحث عن الطعام والحليب والحفاضات والدواء لابنه، وفي الوقت نفسه كان يحمل مسئولية توثيق ما يحدث، لذلك كان أسامة بالنسبة لنا نموذجًا يمكن من خلاله أن نرى الحرب من زاويتين في الوقت نفسه: الصحفي الذي يوثق ما يحدث، والإنسان الذي يعيش المعاناة نفسها التي يعيشها بقية أهالي غزة.
-كم استغرق وقت صناعة الفيلم؟ وما هي أبرز العقبات التي واجهتها أثناء رحلة صناعته؟
بدأنا تصوير الفيلم بعد نحو 6 أو 7 أشهر من بداية الحرب، واستمر التصوير والتوثيق لأكثر من سنة ونصف تقريبًا. والفيلم يغطي فترة طويلة من الحرب، ونرى خلاله طفلًا وُلد ويكبر معنا، ولذلك فهو لا يوثق لحظة واحدة، وإنما يتابع حياة أسامة وعائلته عبر فترة زمنية طويلة من الحرب. أما العقبات، فأبرزها كان العمل في ظل الحرب نفسها، بكل ما رافقها من نزوح متكرر، وخطر القصف والاستهداف، ونقص الطعام والمياه والموارد الأساسية، إضافة إلى الظروف المعقدة المتعلقة بالخروج من غزة والعودة إليها.
- كيف ترى أهمية عرض الفيلم في مهرجانات عالمية مثل فنيسيا؟ وما هي ردود الفعل التي تلقيتها تجاه الفيلم بعد العرض الأول؟
بالنسبة لي، عرض الفيلم في مهرجان البندقية مهم جدًا، سواء بالنسبة لحكاية الفيلم أو بالنسبة لي كصانع أفلام، أعتقد أن الوصول إلى مهرجان عالمي بهذا الحجم يرفع من شأن الفيلم، ويوسّع دائرة المشاهدة، ويمنح الحكاية فرصة لأن تصل إلى جمهور عالمي. أما ردود الفعل، فكانت جيدة جدًا، وشعرنا بمدى تعاطف الجمهور مع الفيلم وحكايته.
لم أكن حاضرًا في العرض، لكن رشيد مشهراوي، المشرف العام على الفيلم وأحد منتجي العمل وكذلك المنتجة لورا نيكالوف، أخبروني أنه بعد انتهاء الفيلم وقف الجمهور وصفق لمدة 23 دقيقة. وبالنسبة لي، هذا التصفيق الطويل كان دليلًا على أننا استطعنا أن نصل إلى الجمهور وأن نوصل الرسالة التي أردناها، وهي حكاية الصحفيين والناس ومعاناة أهالي قطاع غزة.
- ما الذي أردت أن يراه المشاهد في أسامة بعيدًا عن الصورة التقليدية للصحفي الفلسطيني في زمن الحرب؟
أردت أن يرى المشاهد أسامة ليس فقط كصحفي، وإنما كإنسان يعيش الحرب مثل بقية الناس، نراه كأب وزوج وإنسان لديه طفل صغير، ويبحث عن الطعام والماء والحليب والحفاضات والدواء لابنه، وهو يعاني من الجوع ونقص المياه والموارد، تمامًا مثل بقية العائلات في غزة.
لذلك أردنا أن نبتعد عن تقديم الصحفي كشخص موجود فقط خلف الكاميرا أو في موقع الحدث، وأن نراه أيضًا داخل حياته اليومية، كإنسان لديه عائلة ومسؤوليات ومخاوف، وفي الوقت نفسه يحمل مسؤولية توثيق ما يحدث.
- هناك قراءة نقدية للفيلم ترى أن قوته تكمن في تقديم الرعب اليومي للإبادة بصورة تبدو روتينية.. كيف تستقبل هذه القراءة؟
نعم، هذا الرعب أصبح فعليًا جزءًا من الروتين اليومي، عندما تتحدث عن إبادة استمرت لمدة سنتين، فإن الحياة تستمر رغم الدمار والجوع والخوف وكل شيء يحدث حولك. غزة مكان صغير ومحاصر، والخطر في كثير من الأحيان يكون قريبًا جدًا منك، ونحن نتحدث عن شمال قطاع غزة، عندما يحدث قصف على بعد 5 أمتار منك، فهذا خطر مباشر جدًا، لكن عندما يتم قصف مبنى يبعد 20 أو 30 مترًا، فإن الأمر، مع مرور الوقت، يصبح بالنسبة للناس شيئًا اعتياديًا.
عشنا سنتين من القصف والدمار والقتل والموت، كنا نعيش يومنا ونحن نعرف أن القصف يمكن أن يحدث في أي لحظة، وأننا لا نعرف متى يأتي الخطر أو أين سيكون، لذلك كان من المهم بالنسبة لي أن يظهر هذا الإحساس في الفيلم، وألا نظهر الخوف بشكل مفرط عند أبطال الفيلم، لأن الاعتياد على الخطر أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وعندما يكون الخطر قريبًا جدًا منك تشعر به بشكل مباشر، ولكن عندما يبتعد عشرات الأمتار، يصبح بالنسبة للكثير من أهالي غزة جزءًا من المشهد اليومي الذي اعتادوا عليه.
- كيف توازن بين كونك صانع فيلم وبين كونك شاهدًا على واقع إنساني شديد القسوة؟
في كثير من الحالات توقفت عن التصوير، أنا كصانع الفيلم كنت شاهدًا، مثلي مثل أسامة، وأسامة في النهاية نموذج للكثير من الناس الذين يعيشون في غزة، وأنا أيضًا واحد منهم.
توقفت لفترة طويلة بعد استشهاد أخي في بداية الحرب، وتوقفت عندما نزحت للمرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، وحتى وصلت إلى النزوح الثالث عشر. وتوقفت أيضًا عندما استشهد أحد زملائي، في تلك الفترة لم أستطع أن أمسك الكاميرا، وشعرت بالخوف من أن أصور زملائي ثم يتم استهدافهم، شعرت أنني لا أريد أن أصور أحدًا.
كما توقفت عندما استُهدف المنزل المجاور لمنزلي، واتصل بي ضابط من جيش الاحتلال وقال لي: أخلِ عائلتك، أريد أن أقصف المنزل الذي بجوارك، بعد ذلك توقفت عن العمل لفترة. كانت هناك مواقف كثيرة شعرت فيها أنني لا أستطيع الاستمرار، لكننا كنا نتدارك وقتنا ونعود إلى العمل مرة أخرى، لأن التوثيق كان بالنسبة لنا مسئولية وواجبًا.
-كيف شعرت وأنت تشاهد الجمهور يتفاعل مع قصة أسامة وحياته اليومية؟
شعرت بالفخر، وأنني صنعت شيئًا من أجل قصص الصحفيين الذين تم استهدافهم في هذه الحرب، ومن أجل دماء الصحفيين وجرحاهم، وأنني استطعت أن أنقل ولو جزءًا صغيرًا جدًا من معاناة أهالي مدينة غزة.
هذه القصص فُرضت علينا، كنت أتمنى أن أصنع حكايات نجاح، وحكايات وقصصًا مختلفة تمامًا عن هذه المعاناة، لكن الحرب فرضت علينا أن نصنع هذه الأفلام، ومن واجبنا أن نوثق ما حدث. لذلك عندما علمت أن الجمهور وقف وصفق لمدة 23 دقيقة بعد عرض الفيلم، كان ذلك بالنسبة لي مصدر فخر كبير، وشعورًا بأن جزءًا من هذه الحكايات والمعاناة وصل إلى الجمهور.
-الفيلم سيمثل فلسطين في سباق الأوسكار 2027، كيف استقبلت هذا الاختيار؟
عندما أخبروني أن المواطن أسامة تم اختياره لتمثيل فلسطين في الأوسكار، شعرت أن هناك فرصة جديدة للفيلم للوصول إلى مكان أبعد.
عندما نتحدث عن الأوسكار، نتحدث عن جمهور عالمي في مختلف أنحاء العالم، وهذا يعني أن الفيلم يمكن أن يمنحنا فرصة لرواية هذه الحكاية وأن يشاهد جمهور عالمي قصة أسامة وما عاشه الناس في غزة. وأشعر أن هناك مسئولية كبيرة بأن تصل هذه القصة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وأن تُسمع حكاية الفيلم عالميًا.
-هل تعتقد أن الفيلم يمكن أن يفتح نقاشًا مختلفًا حول غزة؟
نحن في النهاية نوثق ما يحدث في فلسطين، والمكان الذي نعيش فيه هو قطاع غزة، وأتمنى أن يفتح الفيلم نقاشًا أوسع حول استهداف الصحفيين بشكل مباشر خلال الحرب. عندما يتم استهداف الصحفيين، غالبًا ما يتم إلصاق تهم بهم، مثل الادعاء بأن هذا الصحفي يعمل مع تنظيم معين، بينما الصحفيون في الحقيقة يؤدون عملهم في توثيق الجرائم وما يحدث في قطاع غزة خلال هذه الإبادة الجماعية.
لذلك أتمنى أن يفتح الفيلم نقاشًا حول الصحفيين الذين تم استهدافهم وقتلهم خلال الحرب، وحول الدور الذي قاموا به في نقل الحقيقة وتوثيق ما حدث.
-هل هناك خطط لعرض الفيلم في دور سينما أوروبية أو أمريكية؟
بعد عرض الفيلم في فنيسيا، أعتقد أن الكثير من الأمور ستحدث، ستكون هناك محاولات لعرض الفيلم في أماكن مختلفة حول العالم ومشاركته مع جمهور أكبر. بالتأكيد هناك مهرجانات مهتمة بالفيلم، لكن الإعلان عن العروض المقبلة سيكون في وقته، وفي الزمان والمكان المناسبين.
-كيف دعم الفيلم القضية الفلسطينية دوليًا؟
بالنسبة لي، السينما هي وسيلة لرواية الحكاية والوصول إلى الناس، عندما يصل الفيلم إلى مهرجان عالمي أو عندما يتم اختياره لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار، فإن ذلك يمنحنا فرصة لأن تصل قصة غزة إلى جمهور عالمي.
أنا لا أريد فقط أن يرى الناس الحرب من خلال الأخبار، وإنما أن يروا الإنسان الذي يعيشها، وأن يتعرفوا على حياته ومعاناته وعائلته.
الفيلم بالنسبة لي هو محاولة للحفاظ على الذاكرة، وتوثيق ما حدث، وإيصال صوت الناس الذين عاشوا هذه التجربة إلى جمهور في مختلف أنحاء العالم.