دينا شحاتة: رواية انخدعنا وُلدت من سؤال الخديعة.. والإنسان مسئول عن جزء من مصيره رغم قسوة الظروف

آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 11:43 ص بتوقيت القاهرة

مي فهمي

قالت الكاتبة والروائية دينا شحاتة إن روايتها "انخدعنا" الصادرة عن دار الشروق انطلقت في الأساس من سؤال الخديعة، موضحة أن الجملة الافتتاحية للرواية كانت مكتوبة منذ سنوات، قبل أن تتشكل بقية تفاصيل العمل.

وأوضحت أن اختيار "انخدعنا" عنوانا للرواية جاء لأنها رأت أن الخديعة لا تحتاج إلى مقدمات، فالإنسان عندما يكتشف أنه خُدع لا يبدأ في تقديم تبريرات أو تأملات، وإنما تكون لحظة الاكتشاف نفسها صادمة وفجائية، ولذلك وجدت أن كلمة "انخدعنا" هي المدخل الأكثر ملاءمة للرواية.

وأضافت دينا، أثناء حفل مناقشة الرواية الذي أقيم بمقر دار الشروق بوسط البلد بحضور الناقد محمود عبدالشكور وأداره مصطفى الطيب، أن صوت الفنان حسن الأسمر كان حاضرا منذ البداية، لأنها رأت أن أغنية "انخدعنا" تحمل التعبير الأكثر مباشرة عن الإحساس بالخديعة، مشيرة إلى أنها أرادت أن يبدأ العمل بهذه الصدمة من دون مجاز أو رمزية زائدة، باعتبار أن الإنسان عندما يدرك أنه تعرض للخديعة يكون أقرب إلى الاعتراف بها من البحث عن تفسير لها.

وأشارت إلى أن "طارق العايق"، بطل الرواية، يصل إلى نهاية الأربعينيات من عمره، وهي مرحلة ترى أنها مناسبة لمراجعة الإنسان لحياته، إذ تكون الخسائر والمكاسب قد استقرت إلى حد كبير، ويبدأ في مقارنة ما عاشه بما كان يتخيله لنفسه في العشرينيات، حين كانت الأحلام والأمنيات لا تزال مفتوحة، ومن هنا بدأ سؤال الرواية: "هل كانت الحياة التي عاشها الإنسان هي الحياة التي تخيلها لنفسه، أم أن الواقع قاده إلى شيء مختلف تماما؟".

ولفتت إلى أن تفكيك الخديعة قادها إلى سؤال آخر يتعلق بمسئولية الإنسان عن مصيره: "هل الخديعة شخصية بالكامل، وتنتج عن اختيارات الإنسان، أم أن هناك عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية تشارك في صناعة هذه الخديعة؟".

وقالت إن الإنسان نفسه قد يكون شريكا في الخديعة التي يتعرض لها، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يتحمل مسئوليتها كاملة، لأن الإنسان يولد في وقت ومكان وظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية لا يختارها.

وأكدت أن لعبة الدومينو كانت مناسبة تماما لهذا المعنى؛ لأنها تجمع بين الحظ والمهارة، فاللاعب يحصل على سبع قطع تمثل، في تصورها، جزءا من الأشياء التي لا يختارها الإنسان، مثل عائلته واسمه وشكله ومكان ميلاده والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة به، أما طريقة إدارة هذه القطع فهي الجزء الذي يتعلق بمهارة الإنسان وإرادته وقدرته على التعلم والاختيار.

ونوهت بأن هذا التداخل بين الحظ والمهارة جعلها ترى أن من الظلم اعتبار الخديعة مسألة شخصية فقط، وفي الوقت نفسه من الخطأ إعفاء الإنسان تماما من مسئوليته عن اختياراته، ولذلك كان لا بد أن تتعدد الأصوات داخل الرواية، فهناك صوت "طارق العايق"، وصوت الراوي العليم الذي يرى الصورة من الخارج ومن دون تورط عاطفي، وصوت المدينة التي تمثل الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالإنسان.

وتطرقت دينا إلى حضور مدينة بورسعيد في الرواية، موضحة أنها لم تكن تريد أن تقدم تراث المدينة باعتباره مادة تعريفية أو توثيقية، وإنما أرادت أن تجعل المدينة نفسها جزءا من الخديعة.

وقالت إن بورسعيد، في تصور الرواية، ترى أنها تعرضت للخديعة منذ نشأتها، ولذلك يصبح "طارق" ضحية لخديعة المدينة، بينما ترى المدينة نفسها أيضا أنها مسئولة بشكل ما عما تعرض له أبناؤها.

وأوضحت أن بورسعيد شهدت تحولات عنيفة منذ نشأتها، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو العمراني، وأن المدينة تغيرت بفعل الحروب والتهجير والانفتاح الاقتصادي وغيرها من التحولات، وأن هذا التغير المستمر جعلها ترى أن مكان الميلاد وتاريخ المدينة لا يمكن فصلهما عن تكوين الإنسان، وأن الخديعة الفردية قد تكون امتدادا لخديعة أكبر تخص المكان والمجتمع.

وأكدت أن صيغة الجمع في عنوان الرواية "انخدعنا" مقصودة تماما، لأنها لا تتحدث عن "طارق" وحده، وإنما عن مجموعة من الشخصيات التي تعرضت للخديعة، وعن المدينة نفسها، بل وعن الإنسان بصورة عامة.

وقالت إن الرواية لا تضم شخصية واحدة يمكن القول إنها لم تُخدع، ولذلك كان من الطبيعي أن يأتي العنوان بصيغة الجمع، لأن الخديعة في العمل جماعية بدرجة ما.

وتحدثت عن علاقة "طارق" بـ"ميرفت الغريب"، موضحة أنها لم تتعامل مع هذه العلاقة باعتبارها قصة حب تقليدية، وإنما باعتبارها نموذجا لفكرة الإنسان الذي يصنع لنفسه أسطورة ثم يعيش داخلها، في إشارة إلى أن "طارق" عندما وُلدت "ميرفت"، وأخبره الجميع بأنها ستكون عروسه، صدق هذه الفكرة باعتبارها إشارة أو قدرا، وشعر أن هذه الفتاة تنتمي إليه، من دون أن يسأل نفسه في البداية عن معنى الحب الحقيقي.

وأضافت أن "طارق" لم يكن يدافع في البداية عن حب ناضج لـ"ميرفت"، بقدر ما كان يدافع عن فكرة أنها اختيرت له، وأنها أصبحت جزءا من حياته منذ لحظة ميلادها.

وقالت إن الإنسان يحب أحيانا أن يشعر بأنه بطل قصة حياته، وأن الأحداث من حوله تحمل إشارات تؤكد ما يريده، ولذلك استمر "طارق" في الخديعة دون أن يدرك أنها خديعة.

وأوضحت أن زواج "طارق" من "ميرفت" لم يستمر فقط بسبب المشاعر، وإنما بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية أيضا، مشيرة إلى مسألة الحصول على شقة الإسكان في بورسعيد، والتي دفعت بعض الناس في فترة معينة إلى عقد القران مبكرا والدخول في قوائم انتظار الإسكان.

وقالت إن "طارق" عندما اكتشف أن العلاقة ليست كما تخيل، لم يكن الانفصال قرارا سهلا؛ لأن تبعاته الاقتصادية والاجتماعية كانت أكبر من قدرته، حيث وجد نفسه أمام مسئولية بيتين وأطفال، وعندما فكر في الانفصال أدرك أنه قد يعود إلى الشارع، في الوقت الذي ستظل فيه زوجته وأطفاله في المسكن، ومن هنا استمر في العلاقة، ليس لأن الحب عاد بالضرورة، وإنما لأنه لم يكن قادرا على تحمل تبعات القرار الآخر.

وأكدت أن الإنسان قد يستمر أحيانا في الخديعة لأنه يعتقد أن الأمور ربما تتحسن إذا واصل السير فيها، وهو ما حدث مع "طارق"، الذي استمر في الزواج أملا في أن تتحول الأمور إلى الأفضل، ثم ازداد تورطه بمرور الوقت.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved